محمود درويش الشاعر المتجدد - الرومي

الجمعة، 30 أكتوبر 2020

محمود درويش الشاعر المتجدد




الخميس 2020/10/01

مجلة الجديد
خصصت صحيفة “جمهوريت” لغلاف مجلتها الأسبوعية “كتاب” لمحمود درويش. نشرت المجلة حواراً قصيرًا مع محمد حقي صوتشين، أجرته مارشا لينكس كويلي محررة “أرَبْلِيت” الفصلية، والكاتبة في “الجارديان” و”بيليفر”. ننشر الحوار من ترجمة صفوان الشلبي.

لمحمود درويش (1941-2008) خصوصية لا يمتلكها سوى القليل من الشعراء. يمكنه ملء ملعب كرة بآلاف المعجبين، لكنه لا يتماشى مع رؤى قرائه. بالمقابل، فهو يدعو قراءه إلى مواكبته في ما يقوم به من تجديد في المواضيع الشعرية وأشكالها. على الرغم من أن درويش يعتبر “الشاعر الوطني لفلسطين”، إلا أنه يستخدم التاريخ والأساطير اليونانية والرومانية والفارسية واليهودية والسريانية والكنعانية والسومرية والعثمانية. أصدر طوال حياته، عشرة كتب نثرية وعشرات الكتب الشعرية.

صرّح درويش، في مقابلة أجراها معه هيليت يشورون عام 1996، أن كل قصيدة تخلق بدايتها الخاصة، و”تعيد بناء العالم من جديد”. البروفيسور محمد حقي صوتشين الذي كان من أعضاء لجنة التحكيم للجائزة العالمية للرواية العربية في دورتها 2014، والحائز على جائزة الترجمة لاتحاد كتّاب تركيا لعام 2016، وأحد المترجمين الرواد عالميًا في ترجمة الشعر العربي، لم يكتفِ بترجمة أربعة كتب لمحمود درويش فحسب، بل قام أيضاً بترجمة “المعلقات السبع”، و”طوق الحمامة” لابن حزم الأندلسي، و”النبي” لجبران خليل جبران، وعدداً من الأعمال التي تعكس مراحل وأساليب مختلفة لبعض الشعراء المعاصرين مثل أدونيس ونزار قباني نوري الجراح ومحمد بنيس وغيرهم. لقد اخترنا لأسئلتنا في هذا الحوار ما يخص أحدث ما ترجمه صوتشين لأعمال درويش وهي: “كزهر اللوز أو أبعد”.

حين نحلل أعمال محمود درويش، نلاحظ في النهاية، أنه يجدد بناء نفسه باستمرار، فقصائده تتراوح بين الشعر الخطابي الثوري مثل “بطاقة هوية” إلى النص النثري مثل “في حضرة الغياب”، ماذا تقترحون لو سألكم أحد “من أين أبدأ؟”.

* من الممكن الحديث عن بعض التقاطعات المتعلقة بالمسيرة الشعرية لمحمود درويش، والتي عكست تجديد بنائه لنفسه باستمرار. لقد استبدل مفهوم الشعر المتأثر بالقصيدة العربية الكلاسيكية والشعر الرومانسي بمفهوم آخر للشعر ثوري واشتراكي في الستينات من القرن الماضي. قصيدة “بطاقة هوية” التي أشرت إليها هي نتاج هذه المرحلة. عندما بدأت بترجمة محمود درويش إلى اللغة التركية، كان معروفاً بمثل هذه القصائد بشكل حصري تقريباً، في حين، لم يكن الشاعر نفسه راضياً عن أن يُعرف بمثل هذه القصائد فقط. لذا في واقع الأمر، وبصفتي مترجماً، كان لزاماً عليّ طرح سؤال “من أين أبدأ؟” على نفسي أولاً. بعد دراسة أعمال الشاعر، اخترت التركيز على أعماله المنشورة في العشرين سنة الأخيرة من حياته. كان درويش يضع كتاباً كل خمس سنوات تقريباً: “لماذا تركت الحصان وحيداً” (1995)، “الجدارية” (2000)، “كزهر اللوز أو أبعد” (2005)، “لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي” (2009). الصفة المشتركة لهذه الأعمال أنها تحمل سمة السيرة الذاتية. لكن هذه السيرة ليست مجرد قصة حياة الشاعر فحسب، بل إنها قصة جغرافيا الشرق الأوسط عموماً وفلسطين خصوصاً وتاريخه وزمانه ومكانه ووجوده وجسده وروحه. لذلك لا اقتراح جامدا لديّ أقدمه للقارئ مثل “ابدأ من هنا” بل لديّ اقتراحات مرنة أطرحها عليه. من يرغب بقراءة شعر قريب من النثر، بتعبير شعري عالٍ، ونبرة من اللغة اليومية، يمكنه البدء بقراءة “كزهر اللوز أو أبعد” ثم يمكنه متابعة القراءة باختيار أيّ من الكتب الأخرى. أما من يرغب البدء بقراءة عمل يحمل خواص السيرة الذاتية، يمكنه الشروع بقراءة “لماذا تركت الحصان وحيداً” ثم يتابع القراءة بالكتب الأخرى.

في بعض كتب درويش مثل “لماذا تركت الحصان وحيداً” لا يروي قصته فحسب بل يروي في الوقت نفسه تاريخ فلسطين الشعبي. في الواقع، لا يروي تاريخ فلسطين فحسب بل يروي أيضاً التاريخ الكنعاني والعبري واليوناني والروماني والفارسي والمصري والعربي والعثماني والبريطاني والفرنسي بأسلوب ملحمي أسطوري، لكن باستخدام اللغة اليومية. يا ترى، هل يختلف موقع القراء الأتراك في هذا التاريخ أو الحكاية عن موقع القراء العرب أو الفرنسيين أو الإنجليز؟

* في الحقيقة لا يمكن الحديث عن قراء بنمط واحد. حتى القارئ نفسه قد يتلقى النص بشكل مختلف حين يقرأه في أوقات مختلفة، لذا فالحديث عن قراء بنمط واحد سواء كانوا عرباً أو فرنسيين أو إنجليزا مجانب للصواب. كل قارئ يتلقى هذه النصوص بما يتناسب وثقافته، ومعارفه، ومقدرته في قراءة الشعر. من ناحية أخرى، لا ينبغي إغفال أن لكل قارئ تاريخا ثقافيا كفرد، وأن الميراث الذي تلقّاه، سيؤثر على قراءته لنصوص درويش. على سبيل المثال، فالاقتباسات المسيحية مألوفة لدى المجتمع الفلسطيني أكثر منها لدى المجتمع التركي. لذلك ليس من الخطأ أن نتوقع أن تخلق الاقتباسات الواردة في نصوص درويش دلالة أكثر ثراء لدى القارئ الفلسطيني. قد لا تكون هذه الحال هي نفسها بالنسبة إلى فرد نشأ في ثقافات أخرى. لذا فقد أخذت تلك الحقيقة بعين الاعتبار في ترجماتي ووضّحت في الهوامش ما ورد من اقتباسات من آيات الإنجيل والتوراة كي يتمكن القارئ التركي من فهمها.

يقول درويش إن الإيقاع هو مفتاحه إلى كتابة القصيدة. كيف تعيدون بناء هذا الإيقاع والموسيقى في أشعاره بالتركية؟


*يستثمر محمود درويش كل إمكانيات الصوت والإيقاع في اللغة العربية. يستخدم التفعيلة في شعره بمنتهى المرونة، بل إنه يجمع بين أكثر من وزن في القصيدة الواحدة بذكاء. إن التنوع الذي توفره هذه التفعيلة في شعره، يمنع الرتابة في الإيقاع الشعري. إن القوافي المتداخلة، والجناس، والتكرار، والتورية ترفع من الإيقاع الشعري إلى حد بعيد. هذا الشعر الذي يتداخل فيه ثراء الصوت مع الثراء الدلالي، ليس من السهل إعادة صياغته من جديد ليحمل التأثير نفسه في اللغة الهدف.

في “كزهر اللوز أو أبعد” يضع محمود درويش قصائد بإيقاع قريب من النثر. حتى أنه يقدم كتابه بكلام لأبي حيان التوحيدي يقول فيه “أحسن الكلام ما…. قامت صورته بين نَظْم كأنه نثر، ونثرٍ كأنه نظم…” يُرى أن كلما اقترب شعره من النثر ازداد تأثير اللغة اليومية عليه. لذلك يظهر اختلاف في نهج الترجمة من كتاب إلى آخر، وحتى من قصيدة إلى أخرى.

*  أنا، قبل أن أبدأ بترجمة قصيدة لدرويش إلى التركية، أقوم بتحليلها من حيث الشكل. أحاول التقدير بدقة كيف يمكنني تعويض الضياع المحتمل في الترجمة. أقوم بتدوين الملاحظات أثناء القراءة. علاوة على ذلك، أستمع إلى هذه القصيدة بصوت محمود درويش إذا كان قد ألقاها قبل ذلك. بهذه الطريقة، أحاول التقاط صوت الشاعر في شعره. ثم أشرع بالترجمة بعد ذلك. أنا لا أكتفِي بنقل المضمون إلى التركية فحسب، بل أحاول خلق الإيقاع والموسيقى في الشعر أيضاً. المرحوم عبد القادر عبداللي، الذي ترجم ما يقرب من ثمانين عملاً من الأدب التركي إلى العربية، كان يقول “عندما أقرأ ترجماتك التركية أشعر كأنني أقرأ محمود درويش بالعربية”. كلماته هذه كانت تسعدني، لأنني أعرف أنه ليس محباً للمجاملة. ما تلقاه ترجمات محمود درويش اليوم في تركيا، تؤكد صحة أقواله.

إذا جعلت ما ترجمته في المرحلة الأخيرة من كتب شعر لمحمود درويش تتحاور مع كتب أخرى بلغة أخرى (كأنها ضيوف على مائدة طعام تتحاور حول أعمال أدبية أخرى) فأي كتب ستختار؟

* سأختار أن تتحاور أعمال محمود درويش مع أعمال ناظم حكمت ويهودا عميحاي. أعتقد أن حواراً مثيراً للاهتمام كان سيدور بينهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق