في الجنسِ مَسٌّ من الشِّعر - الرومي

الاثنين، 26 أكتوبر 2020

في الجنسِ مَسٌّ من الشِّعر

 

"براءات" في عددٍ مُزدوج: 2019/3 - 2020/4


Questo testo viene mostrato quando l'immagine è bloccata

عن منشورات المتوسط – إيطاليا، صدر العدد الجديد من مجلَّةِ "براءات" - وهو عددٌ مُزدوجٌ، ثالثٌ ورابعٌ 2020/2019. عددٌ يفتحُ أبوابَ المجلَّة على موضوعةِ "الجنس والشِّعر"، في مقاربةٍ إشكاليَّة وجماليَّة تُحاول من خلالها المجلَّة خلق مساحةٍ تفاعليَّة وحيَّة مع تاريخ وراهن الشِّعرية العربيَّة على امتدادها الجغرافي وعلاقتها المتجدِّدة مع العالم. وهو ما تعكسُه موادُ العددِ المُميَّزة والمتنوِّعة بين الدّراسة والتّرجمة والاشتغال الصّحفي والريبورتاج والشِّعر.

 

جاءت مواد العدد المزدوج من "براءات" مُتماهية في جلِّها مع موضوعة "الجنس والشِّعر"، بين الدِّراسة والترجمة والريبورتاج والحوار. كما يتميَّز هذا العدد بتخصيص ملفٍّ كاملٍ عن الشعر في اليمن مع مختارات شعرية وقراءات في التجارب الجديدة، يقدِّم لها محمّد عبد الوهاب الشّيباني معنوناً مادَّته بـ "الشعر الجديد في اليمن ملازماً للتحوُّل ومتشكِّلاً خارج ترسيمات الأبوَّةِ والهامش". ولنقرأ قبل ذلك دراسةً مطوَّلة عن الجنس في الشِّعر العربي يختار لها فخر زيدان عنوان: "فراديسُ الجسدِ واللُّغة"، فيما يذهب محمَّد عرش إلى مقاربة "سؤال الشِّعر بين الجنس والحقيقة المقلوبة" معتبراً أن للشِّعر القدرة على تمثّل العلائق بن الأنثى والذَّكر، وإعادة ذلك - بشكل أقوى - عبر الخلق والإبداع. وعن الفرنسية يترجمُ لنا المصطفى صباني بحثاً أكاديميَّاً عن بعضِ مساراتِ الرَّغبةِ في الشِّعر الإغريقيِّ والرُّومانيِّ لأستاذة التاريخ القديم ساندرا بوهرينغر بعنوان: "هل ثمَّة نوعٌ آخرُ من الحُبّ؟"، ولتبرز أسئلة أخرى للباحثة من قبيل: هل كان الإغريق والروم يربطون هويَّات الجَنْدَر بقضيَّة "الميول الجِنْسِيَّة"، كما هو الحال في مجتمعاتنا الغربية؟ وفي الترجمة دائماً يعود الشاعر والباحث إيمانويله بوتَّاتسي غريفوني ليقدم للمجلَّة مادَّة جديدة وحصرية بعنوان: "الفكر الجنسي - ملاحظات في الشكل الشعري" ترجمها عن الإيطالية كلّ من يوسف وقّاص وكَاصد محمد، يستند فيها الأكاديمي الإيطالي إلى الأساطير والأصول التاريخية للّغة ليبرز أن النشاط العقلي مختلف عن نشاط الحواسّ، لكنّه مرتبطٌ بها بلا شكّ. من جهته يعدّ ويترجم عماد الأحمد مختارات مرفقة بالصُّور لـ "شعر جنسيّ من روما القديمة"، وبترجمةِ عبد الكريم الجويطي، وإعداد وتقديم عبد الرحيم الخصّار، نتعرّف على الشاعرة الأمازيغية المغربية مْريْرِيدَة نايت عتيق، تأتي بعنوان: "لماذا عليَّ أن أخجل من نفسي؟". لبترجم أحمد م. أحمد قصائد إيروتيكية للشاعرة الأمريكية مارلين هاكر. كما سنقرأ في العدد الجديد أيضاً مادَّة ليوسف وقّاص بعنوان: "في اللّامتناهي بين الأرض والجسد". وبعنوان: "في الطبيعة العارية الإنسان هو المقنّع الوحيد" يختار ويقدَّم زياد عبدالله مجموعة من قصائد الشاعر السُّوري بندر عبد الحميد الذي غادرنا بداية هذه السَّنة.

 

في ريبورتاج "براءات"، والذي غابَ في العدد السابق من المجلَّة، يجيبُ 20 شاعراً وشاعرة عربية عن سؤال: أيها الشاعر، ما علاقتك بالجنس كتجربةِ حياةٍ وكتابة؟، أمَّا جلسة براءات "لغو"، التي أدارها الشاعر أشرف القرقني من تونس العاصمة، فتأتي بعنوان: "الكتابةُ بالجسد، الجسدُ في اللُّغة". كما وتستحدث أسرة تحرير "براءات" باباً جديداً باسم: "كلُّ يوم في شأن" يكتب فيه رائد وحش، كما في العنوان: "مجرَّد أفكارٍ شخصيَّة عن الشِّعر".

 

صورة العدد، هي لواحد من أهمِّ الرَّسَّامين العرب: الفنّان التّشكيلي والشّاعر والرّوائي السّوري إسماعيل الرفاعي، التقطتها له نيري شاهنيان في مرسمهِ، في الشارقة حيث يعمل ويقيم منذ سنوات، وهوَ واقف أمامَ إحدى لوحاته التي سيرافقُ عددٌ منها المواد الكتابية، مع رسوماتٍ وتخطيطاتٍ خصَّ بها الفنّانُ هذا العدد من براءات.

 

في 264 صفحة من القطع الكبير، صدر العدد الجديد المزدوج من "براءات" التي، وإن تأخَّرت لظروف لم تُغلق جرَّاءها أبوابُ المجلَّة، ستظلُّ مفتوحةً على الشعرية العربية، وروافدها في مختلف لغاتِ العالم، مقارِبةً موضوعات الرَّاهن الثقافي والابداعي العربي بكلِّ إشكالاته ومنعطفات تاريخهِ الحاسمة، ولكن، بحيويةٍ تراهن على تنوُّع الرؤى وحرِّية الأفكار وأشكال الإبداع، وأن الخريطةَ، على اتساعها واختلافها، لا تُرى كاملةً بعينٍ واحدة.

 

أبوابُ المجلَّة:

 

في الباب الأوَّل والمسمَّى (طسم)، وتحت عنوان "شِعْر وجِنْس - لُهاثٌ يُثبِتُ فسادَ العقل"، يفتتحُ رئيس تحرير مجلَّة "براءات" أحمد عبد الحسين العدد الجديد، والذي هو: احتفاءٌ بالجسدِ في أسمى تجلِّياتهِ: الجِنْس. كما هو احتفاءٌ بالشِّعْرِ في أعمق مظانِّهِ: أنْ يكونَ حاملاً لعبءِ الجسدِ، ومشتغلاً ضدَّ تاريخٍ، أُريدَ له أنْ يكونَ تأريخاً لفضائلِ العقلِ والروحِ وحسب".

ويضيف: "كانَ حسبُنا أنْ نقولَ: إنّ مَنْ يريدُ روحاً وعقلاً بهما يتكاملُ، فليسَ لهُ إلَّا أنْ يُفوِّضَ الجسدَ في هذهِ المهمَّةِ الشَّاقَّةِ السعيدةِ، حينها سيرى ما يستطيعُ الجسدُ وهو يُنشِئُ فراديسَ نشوةٍ، لا تنقضي".

 

في باب (يتبعهم الغاوون)، المخصص للدراسات يكتب فخر زيدان عن كيف أدرك الجسدُ اللغةَ، وبدآ يتراقصان كعاشقَيْن غريبَيْن، يتعانقان حيناً، ويبتعدان حيناً. وفي مسافة الابتعاد، وُلِدَ المجاز، وسال الشِّعْر، ليزيد من جمال الجسد، ويتأنَّق في ترتيب الوظائف، ثمَّ أخذ بالاتِّساع والانتباه، حتَّى غدا قصيدة، تمشي معنا إلى يومنا هذا.

 

فيما يذهب محمَّد عرش إلى القول أنَّ قُوَّة وإرادة الشِّعْر، تكمن في تمازجه مع أشكال التعبير، منذُ خُلِق الإنسان إلى الآن، ويتطوَّر بتطوُّر الحضارات، إمَّا عبر الإقصاء أو المصالحة، سواء على مستوى الديانات، أم الثقافات تراثيَّاً وحداثيَّاً، أم على المستوى السِّياسيِّ والإيديولوجي، لأنه اللسان المعبِّر، والباحث عن الحقيقة بوضع مقلوب، أي وَفْق قدرة المتلقِّي، ومدى مرجعيَّاته وثقافته التي تُؤهِّله للقيام بأخذ التأويل إلى اللَّامتناهي.

 

في حين يترجم للعدد الجديد من "براءات" المصطفى صباني بحثاً مطوَّلاً لأستاذة التاريخ القديم بجامعة ستراسبورغ ساندرا بوهرينغر، التي تؤكد في بداية بحثها أنَّه من المهمِّ؛ ومن المفيد كذلك؛ إتِّباع مسعى معكوس زمنيَّاً، لا يسخِّر القدماء لبناء تصوُّر يتلاءم وتصنيفاتنا، بل يستخدم الأدوات الحاليَّة التي وظَّفتْها الدراسات التي تناولت الجَنْدَر، وذلك لمساءلة العُصُور القديمة. فكيف عرَّف القدماء أنفسهم، في ظلِّ مجتمعات، كانت تُعتبر فيها الهويَّة الاجتماعيَّة (تعريف الحُرِّ والعبد، بل التعريف كذلك بمَنْ هو مواطن، ومَنْ ليس بمواطن) معياراً محدِّداً وحاسماً؟

 

أما إيمانويله بوتَّاتسي غريفوني فيبحث في قول: إنّ متعة النساء الجِنْسِيَّة تفوق متعة الرجال، مضيفاً أنَّ ذلك، يُؤكِّد على ضعف المرأة وخُضُوعها. مع أنَّ المسألة لا تزال شائكة حتَّى اليوم، ويجدر بنا هنا أن نتساءل: ما هو رأي العلْم في ذلك؟ لنرى أن هناك نتائج متباينة. فهذه الدراسات تأخذ بعين الاعتبار عنصرَيْن أساسيَّيْن يخصَّان المتعة الجِنْسِيَّة، هما: الإثارة ولحظة الذروة. أمَّا الإثارة، فيُنظَر إليها من منظارَيْن: من الجانب الشَّخصيِّ، ومن الجانب البيولوجي (إثارة العضو). أمَّا عن إثارة العضو، فثمَّة جهاز لقياسها، سواء عند الرجال أم عند النساء. وقد أثبتت الدراسات والتجارب أن هناك بوناً شاسعاً ما بين الرغبة التي يدَّعيها الشخص وبين الرغبة التي يُظهِرها العضو فعليَّاً.

 

نغلقُ باب (يتبعهم الغاوون) ونفتح باب (يأفكون) على سؤال العدد الذي يجيبُ عنه، هذه المرَّة، عشرون شاعراً من مختلف الحساسيات الشعرية، سؤال الجنس والكتابة والحياة، فالأسئلة التي تقارب "الشِّعْر" كثيرة، لأنَّها تُوثِّقُ علاقة الإنسان بالعالم، وبذاته، من خلال الكتابة واللُّغة. لكنْ، هناك مستوياتٌ للتَّساؤل، ومدارات لمقاربة الشِّعْر منذُ انفجارهِ الأوَّل؛ ولعلَّ سؤالنا لهذا العدد من "براءات" من الأسئلة الجارحة، الأسئلة المسكوت عنها، التي تخدشُ وتُحرِّكُ السَّاكن، وتمضي مُسلَّحةً بالحُرِّيَّة والجرأة والتَّمرُّد، في دَحْضِ وَهْمِ فَصْلِ الجسديِّ عن الرُّوحيِّ، وإخراج المادِّيِّ المحسوس من دائرة الأفكار والأحلام المجرَّدة.

 

في باب (يهيمون) المخصص لنشر النصوص الشعرية العربية، نقرأ لزياد عبدالله قصيدة بعنوان "يُراد بها الإساءة إلى الموت"، قبل أن نكتشف ملامح الكتابة الجديدة في اليمن، بملفٍّ بدأه الشاعر والكاتب اليمني محمّد عبد الوهاب الشيباني، يقارب فيه الشعر الجديد في اليمن بسؤال مهم: ما حصَّةُ الشِّعْر الجديد من تنازع هذه الأُبُوَّة وترسيماتها التي ظلَّت هي البوَّابة التي يدلفُ منها معاينو الشِّعْر من خارج اليمن التي لم تزل، بحسابات عشرات الدارسين منهم، هامشاً؟  كما تدعم المقاربة قراءاتٌ في تجارب عدد من الشعراء من أجيالٍ مختلفة، أمَّا المختارات فخصَّت كلَّ شاعر من الشعراء العشر، بمجموعة من القصائد وسيرة ذاتية.

 

إلى باب (من كلّ واد) المخصص لتجارب شعرية غير عربية، على ارتباطٍ بملفّ العدد، حيث نقرأ بترجمة لعماد الأحمد، شعراً جنسياً لشعراء من روما القديمة، من أمثال: مارتياليس، وكتالوس، ولوكريتيوس. فيما يذهب بنا عبد الرحيم الخصّار للتعرُّف على الشاعرة الأمازيغية المغربية مْريْرِيدَة نايت عتيق، بنصوص يترجمها عبد الكريم الجويطي، وتقف خلفها روح أرهقتْها الأيَّام، وأعيتْها أحمالُ الحياة وأهوالها، لكنها، بالمقابل، روح ترغب في تحويل الألم إلى ذكرى جميلة. وهي أيضاً روح سَكَنَتْ في جسد، تعاقبت عليه اللَّذَّة والألم، جسد كان، تقريباً، متاحاً للجميع في زمن مغربي آخر، امتدَّت فيه ظلال الكولونياليَّة على سُهُول وجبال المغرب.

 

أمَّا أحمد م. أحمد، فيترجم للعدد الجديد من "براءات"، مجموعة قصائد إيروتيكية للشاعرة الأمريكية مارلين هاكر، وهي مختارات من كتبها الشعرية التي امتدت منذ 1974 إلى يومنا هذا، وقد نالت عدداً من الجوائز على منجزها الذي يتسمُ بالتقاط جزئيات حياتية تنفتح على قضايا إنسانية وأسئلة وجودية عميقة.

 

من الأبواب التي يفتحها، هذه المرَّة، من تونس العاصمة، أشرف القرقني، هو باب (لغو)، الخاص بجلسات السمر التي تنظمها المجلة لمجموعة من الشعراء لمناقشة ملف العدد، وقد جمعت جلسة براءات، أربع شعراء حول موضوع "الجنس والشعر"، حيث تمَّ تدوير هذا المربَّع على أسئلة كثيرة وأفكار متشابكة، حتَّى بدا أكبر عدداً ممَّا هو عليه. وتساءل الأصدقاء في البداية عن طبيعة الحوار وطرافة فكرته. لكنّهم وجدوا في جلسة غلبت عليها العفويَّة والمرح والطّرافة والعمق لذَّة مختلفة. مرَّة أخرى، يُثبت "لغو" براءات أنّ ما لا يُخطَّط له سلفاً بخطاطات صارمة، ويُقتَحَم بجذوة صادقة، هو رديفٌ للشِّعْر والحياة.

 

تستحدثُ مجلَّة "براءات" في عددها هذا، باباً جديداً سُمِّيَ (كل يوم في شأن) يختصُّ بنشر أفكار وتأملّات شعراء في الشعر يومياتهم فيه أيضاً، وقد كتب الشاعر الفلسطيني رائد وحش: على وقع ارتدادات زلزال الثورات العربية، يريدُ الشعراء أن يكونوا شهوداً عبر قصائدهم، فتراهم يُعلون شأن الحكاية. ربّما كمنت، يضيف وحش، أسرارُ قوّة أشعار الماضي في الحكاية التي يحملها الشاعر ويرويها على الدوام.

 

 يختمُ زياد عبدالله العدد الجديد/المزدوج من مجلة براءات، بمختارات شعرية للشاعر السوري بندر عبد الحميد، والذي غادرنا بداية السَّنة، حيثُ يقول عبدالله: نعم! لقد اخترت قصائد بندر عبد الحميد! ولعل اعترافي بذلك، مذيلاً بأدلةٍ دامغة ومدوّخة من قصائده، قد توهمكم بأنني ارتكبت ذلك عمداً أو في الخفاء، لكن ذلك غير صحيح، فقد تم الأمر عبر انخطافة في الزمن، خلف الأبواب المشرعة، وفي صباح مشرق تهيمن عليه الطيور والفراشات، يتبادل فيه العشاق القبلات في الحدائق العامّة، وتواصل فيه الأنهار تدفقها بحرية، وقد وضعت الحروب أوزارها، واندثر الطغاة، وعلا الرقص والغناء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق