صوتٌ في الرأس



.
#أحمد_سعداوي
.
حين أخبرني مُمَثِّلُ شركة "كتاب صوتي" السويديّة التي أنتَجَتْ النسخةَ العربيةَ من روايتي "فرانكشتاين في بغداد" ككتابٍ صوتيٍّ؛ بأنها صارت حوالي 6 ساعاتٍ، وكانت بصوت المُمَثِّل العراقي فاضل عبّاس اليحيى، توقَّفْتُ قليلاً عند هذا الوصف الكَمّيّ غير المألوف للرواية. تكرَّرَ الأمر لاحقاً مع منشورات بنغوين راندوم هاوس في أمريكا، التي أطْلَقَتْ نسخةً صوتيّةً بصوت ممثلَيْن أمريكيَّيْن هما كالو غريفث وإدواردو باليريني، بالتزامن مع إطلاق الطبعة الإنجليزية من الرواية. كان "حجم" الرواية ورقيّاً أكثر من 350 صفحةً ولكنها صوتيّاً نحو 6 ساعاتٍ ورُبْع.

قبلها بسنواتٍ في حديثٍ مع صديقٍ مُقيمٍ في أمريكا؛ أخبَرَني بأنَّهُ أكمَلَ "البحث عن الزمن المفقود" لبروست و"يوليسيس" لجويس وكل أعمال ديستويفسكي أثناء ما كان يقود السّيّارة في عَمَلِهِ اليوميّ المعتاد.

- هل كنتَ تقرأ خلال الاستراحة مثلاً؟!

- لا.. كنتُ "أسْمَعُها"!

فكَّرْتُ حينها بمدى جدّيّة أن يُوصَف هذا الاستماع بأنه قراءة. هناك أعرافٌ ترتبط بمناخ القراءة لا تتوفَّرُ مع الاستماع. في القراءة غالباً، على الأقل بالنسبة لي، أحِبُّ أن أستخدم القلم للتأشير على عبارةٍ هنا أو هناك، ليس طبعاً من أجل نسْخِها لاحقاً على فيسبوك أو تويتر، كما يفعَلُ القرّاء الشباب اليوم، ولكن للأسباب القديمة التي تدفع القارئ للسيطرة على الكتاب المقروء قدْرَ الإمكان. القدرة على تلخيصِهِ مثلاً، اختزالُ مقولَتِهِ ببضعِ عباراتٍ كاشفةٍ بين سطوره، أو من أجل توفير مقتبساتٍ لكتابةٍ لاحقةٍ، مقالةٍ أو دراسةٍ عن الكتاب نفسه.

لن أتمكَّنَ من هذه الإجراءات مع "سماع" الكتاب، إن كان روايةً أو أيَّ كتابٍ آخر. إنك مع السماع تستَسْلِمُ تماماً لسطوة الصوت. الصوتُ يهبطُ عليك وتتشرَّبُه، من دون حاجةٍ للإمساك بشكل الكلمات المنطوقة. إنك مع السماع تتحسَّسُ بُعْداً آخر في هذه الكلمة، قد يكون مقموعاً أو مُضْمَراً في النَّصِّ المكتوب الذي تُحَوِّلُ رموزَهُ من خلال القراءة إلى دلالاتٍ ومعاني.

ولكن مع القراءة على الرغم من ذلك، أنت تُحَوِّلُ الحروفَ إلى أصواتٍ داخليةٍ. لا أعتقد أن قارئاً ما، وبالذات مع الأعمال الأدبية التي تحتوي مادةً دراميةً بشكلٍ من الأشكال، يتجاهَل التصويت الذي يُرافِق القراءة. ربما كان صوتَهُ هو شخصيّاً أو أصواتاً متخيّلةً. عمليةُ تركيبٍ ومونتاجٍ يقوم به القارئ، خصوصاً ذلك القارئ المحترف والمدمن، ليربطَ بشكلٍ لا واعي ربما بين الحروف المقروءة وصوتٍ ما مخزونٍ في ذاكرته، صوت مذيعٍ أو مُعَلِّقٍ على برامج تلفزيونية.

ومع عصرنا الحالي، عصر الصوت والصورة الطاغي، فإنك تستطيع استحضارَ صوتَ المؤلِّف نفسه، بما اختَزَنَتْهُ سابقاً من لقاءاتٍ أو قراءاتٍ لهذا المؤلف موجودةٍ على اليوتيوب، أو برامج البثّ الحيّ على مواقع التواصل الاجتماعي.

عملياً؛ تطبيقات الكتب الصوتية في العالم اليوم صارت مزدهرةً، ودخل العالم العربي في السنوات الأخيرة على هذا السوق ليُتيحَ خياراتٍ للقارئ الطامح للمعرفة والاطّلاع. فهناك من لا تُسْعِفُهُ ظروفُهُ الصحيّة ولا الحياتية على الإمساكِ بكتابٍ بين يديه وقراءته بالشكل المعتاد، خصوصاً وأن التكنولوجيا فَرَضَتْ تكيُّفاتٍ أكثر لحاجات الإنسان مع مختلف الظروف، وأهمها ما يُقَدِّمُهُ القارئ الإلكتروني "الكاندل" وغيرُهُ من حريةٍ أكبر بالتعامل مع الكتب. فما كان يملأ الجدران ورفوفها بالكتب صار مختزلاً بجهازٍ لوحيٍّ صغيرٍ في الحقيبة.

إن علاقتنا مع الكتب، بفضل التكنولوجيا، صارت أكثر حريّةً، وهذا لا يعني بالضرورة أن علاقتنا بالكتب نفسها قد تغيَّرَتْ جوهريّاً، إن كان مدار الأمر على تحويل ما في الكتب إلى رؤوسنا، بما تحويه من صورٍ وأخيلَةٍ ومعلوماتٍ وعواطف وأفكار.

وإذ يبدو الكتاب الإلكتروني قريباً من هيئة الكتاب الورقي، خصوصاً مع مزايا القارئ الإلكتروني التي تعطيك الصورة نفسها لصفحة الكتاب الورقي، ومجموعة من المؤثّرات الصوتية لتصفُّح الكتاب وما إلى ذلك، فإن الكتاب الصوتيّ الذي ينتشر اليوم بنجاحٍ كبير، يخرِقُ جملةً من أعراف القراءة، بل ويبدو وكأنه تأصيلٌ لعودتنا إلى المرحلة الشَّفاهية في تَلَقّي العلوم والمعارف والآداب، وهذا مسارٌ اختَطَّهُ عصرُ المعلوماتية والصورة ومواقع التواصل الاجتماعي، فأغلبُنا اليوم يتلقّى نسبةً كبيرةً من تحديثات الأخبار والمعلومات عن طريق الصوت والصورة.

في هذه العودة إلى الصوت على حساب الكلمة، انتهاكٌ لمستوى من العزلة الشخصية مع القراءة. فأنت مع الكتاب الذي تقرؤه، حتى لو استحضَرْتَ صوتَ مؤلف الكتاب أو أيّ صوتٍ بشريٍّ آخر، فإنه يبْقَى صوتاً مُنْتَجاً عبر فلاتر ومرشّحات المُخَيّلة الشخصية.. إنه صوتٌ منتَجٌ من ذات القارئ.

لكنَّ سماعي لصوتِ إنسانٍ آخرَ يقرأ الكتاب عليَّ؛ يتضمَّنُ نسبيّاً قمعاً لصوت المخيّلة، أو الصوت المُنْتَج داخل المخيّلة. إنه يجعلُني جزءاً من جمهور، وأنا معه في قاعةٍ مُتَخيَّلَةٍ مع مستَمِعين آخرين، ولستُ على الأريكة في بيتي أتصفَّحُ الكتابَ وحدي.

ولكن؛ ضمن خيارات صديقي السائق في شوارع أمريكا، هل ينتظر أن يُتاحَ له الوقت كي يقرأ الأجزاء الطويلة لـ"البحث عن الزمن المفقود"، أم يسمعها خلال عَمَلِهِ؟! بالتأكيد طريقة قراءة الرواية هنا ليست مهمةً ما دام سيقرؤها في النهاية.

كان غارسيا ماركيز في كتابه "رائحة الجوافة" يستَذْكِرُ بانبهارٍ تلك الأوقات التي كان يقضيها مع جملةٍ من أدباء أمريكا اللاتينية، ومنهم كارلوس فوينتوس، حينما كانوا شباباً، يقرؤون بالتتابع أعمال دوس باسوس ووليم فوكنر. كل واحدٍ منهم يقرأ فصلاً من "سارتوريس" الرواية الشهيرة لفوكنر، وحين يتعبُ يُسَلِّمُها للذي بجواره، وهكذا تدورُ الروايةُ على الجميع، ويقرؤونها [يسمعونها] بشكلٍ جماعيٍّ. كانت هذه تجربةً تُشْبِهُ قراءةَ الكتب المقدّسة، كما يقول ماركيز. وعلى الأغلب كانت تجربةً تفاعليّةً مهمّةً لتَشَرُّب هذه النصوص الأدبية العظيمة من قِبَل أدباءٍ وكتّابٍ كانوا في بدايات مشوارهم الأدبي.

ولا شكَّ أن نموذج القراءة الجماعية هذا يتَّصِلُ بالبدايات الإنسانية الأولى، ولدينا في تراثِنا العربيّ إشاراتٌ كثيرةٌ إلى المذاكرة من خلال القراءة الجماعية، وكذلك "الأمالي"، وهي طريقةُ الطباعة القديمة، حين يُملي كاتبٌ ما على مجموعةٍ من النُّسّاخِ ما يقرؤه من كِتابِه، فيُنْتِجونَ بشكلٍ متزامنٍ أكثر من نسخةٍ من هذا الكتاب.

يبقى أن التزاحم الشديد الذي يفرِضُهُ عصرُنا للأشكال الحديثة لتَلَقّي المعرفة، يقرِضُ بوضوحٍ من تلك المساحات التي كانت حكراً على الكِتاب، والتحوّل إلى الكتب الصوتية، وكذلك الفعاليات الجماعية للقراءة من نوادٍ وروابط وجمعياتٍ وما إلى ذلك. هي نوعٌ من تكيُّف القراءة مع هذا الواقع الجديد الذي يرفض، بطريقةٍ إيحائيةٍ غير مباشرةٍ، أن تكون في عزلتك مع خيالاتك والصوت الداخلي الذي في رأسك.

إنه عصرٌ يُزاحِمُ هذا الصوتَ الداخليَّ ويَقْمَعُهُ، وهو ما قد يجعل الاستغراقَ مع القراءة في كتابٍ ورقيٍّ من دون أيّ وسائل تكنولوجيةٍ مساعدةٍ شيئاً أكثر صعوبةً كلما تقدَّمنا مع الزمن.

https://dipc.ps/page-1945.html…

تعليقات