كانطية الجماهير - الرومي

الاثنين، 26 أكتوبر 2020

كانطية الجماهير



فتحي المسكيني

" قلّة هم الذين أفلحوا في التخلّص، بالعمل الخاص لعقولهم، من حالة الوصاية و المشي على الرغم من كلّ شيء بخطى ثابتة.

لكنْ أن يتنوّر جمهور ( ein Publikum) ما بنفسه فهو أمر أقرب إلى الاحتمال؛ بل إنّ ذلك حتميّ شريطة أن نمنحه الحرية."

كانط


" إنّ المستقبل لم يعد كما كان"

كاتب مجهول


"إنّ ما أسمّيه ’’ديمقراطية قادمة’’ تخرج عن حدود الكسموبولطيقية، أعني مواطنة العالم. إنّها تنحو نحو الاتفاق مع ما يمكّن من أن ’’تعيش معًا’’ كائنات حيّة متفرّدة ( أيّ كان) ، حيث مازالوا لم يُعيَّنوا بعدُ بواسطة مواطنة ما، أعني بواسطة وضعية ’’الذوات’’ الحقوقية الخاصة بدولة ما و الأعضاء الشرعيين في دولة قومية معيّنة، بل حتى في كنفدرالية أو دولة عالمية. إنّ الأمر يتعلق على الجملة بتحالف يقع ما وراء ’’السياسي’’ كما وقع تعيينُه دوما."

دريدا



تقديم : نحن و التنوير

يبدو أنّه صار علينا أن نميّز بين ما قاله عصرُ التنوير عن نفسه و بين ما يمكن أن يعنيه اليوم مطلب التنوير بالنسبة لنا، نحن المحدثين بلا حداثة، الذين أتينا بعد عصر التنوير، وعلى ذلك نحن مطالبون إلى حدّ فظيع بتحويل التنوير إلى مشروع روحيّ أساسي لأنفسنا الحالية بلا رجعة. بيد أنّنا نقف للتوّ على أنّنا أتينا للاهتمام بمعنى التنوير ليس فقط في غير لغته، بل في عين الوقت الذي فقد فيه مشروع التنوير لدى أهله بريقه الأدبي و أركانه النظرية التي جعلته ممكنا. إنّ سؤالنا عن معنى التنوير هو إذن موقف لا راهن بمعنى غير نيتشوي تماما. فنحن لا نستبق أيّ فجر روحي للإنسانية، بل نتساءل عن سبب خروجنا أصلا من السباق العقلي لهذه الإنسانية. إنّ حسّنا التاريخي لم يتكوّن بعد، بسبب أنّ وعينا بالزمان لم يتخلص بعدُ من طابعه الإسكاتولوجي القائم على فكرة الانتظار الكبير. لماذا إذن نحن نتساءل عن معنى التنوير في هذا الوقت بالذات ؟

إنّ السؤال عن معنى التنوير ليس مشكلا بلاغيا يمكن أن نسيطر على التباسه بنصب بعض المجازات الميّتة دونه شراكا. كذلك لا يسعفنا البحث الاشتقاقي في معانيه الأصلية شيئا. فالتنوير مشكل تاريخي يتعلق بمصير الإنسانية الحديثة وليس استعارة، ولذلك هو يسخر سلفا من كلّ من يعوّل على فتنة اللسان لفهمه.

بقي أن نسلك طريقا أخرى، ألا وهي القبول بأنّ التنوير ظاهرة كونية، وأنّ مصير هذه الفكرة لا يخصّنا بما نحن كذلك، بل نحن نشارك في احتماله من الموضع الروحي الذي بحوزتنا، وذلك يعني من حيث أنّنا نصنّف في خطة الإنسانية الحالية بأنّنا جزء من المجتمعات ما بعد الاستعمارية، بل ذاك الجزء الذي تمّ ترشيحه أخيرا ليكون الخصم الحضاري و الميتافيزيقي للغرب، الذي نصّب نفسه من قرنين وريثا أخلاقيا للإنسانيات القديمة.

إنّ كلّ ما نقوله عن أنفسنا وكلّ طرق وعينا بذواتنا قد أصبح فجأة قصة محلّية لا مكان لها في السردية الكبرى للإنسانية الحالية. وبدلا من أن ينتظر العالم منّا رأينا في من نكون، إيفاء بشرط التسامح الذي كان أحد المكاسب الروحية للحداثة، هو يسنّ لنا طريقة حكي أنفسنا، ويخترع لنا هوية سردية جديدة نحن مطالبون بقصّها على الأجيال القادمة. وليست تلك سوى سردية التنوير، التي تجد في فلسفة الذات تبريرها الميتافيزيقي.

بيد أنّ رأس الإشكال ليس صلاحية أو هشاشة سردية التنوير، بل بخاصة أنّ مطلب التنوير قد أتى في عين الوقت الذي تبيّن للعقول المعاصرة أنّنا نعيش زمن أفول السرديات الكبرى و انحسارها التاريخي، وليس عصر التبشير المتعالي بها. وبالتحديد أنّ أركان فلسفة الذات التي كان التنوير بمثابة الترجمة الأخلاقية و المدنية لها قد اهتزّت بلا رجعة. أيّ تنوير هو التنوير المطلوب بعد إقلاع العقول المعاصرة عن أيّ نمط من السرديات الكبرى ؟

سوف نحاول أن نضيء جانبا من الطريق إلى فهم هكذا أسئلة، بأن ندافع عن التخريجين التاليين:

أوّلا- أنّ التنوير لدى المحدثين، كما سجّل ذلك كانط في حينه، لئن نتج عن انتقال الإنسان الحديث من "العامة" الدينية إلى "الجمهور" المدني، فهو قد فشل في حماية مشروع التنوير من منطق الدولة-الأمة التي وجدت في فكرة الشعب الرومانسية بنيتها الخاصة ؛

ثانيا- أنّ ما يمكن أن يعنيه التنوير بالنسبة لنا، نحن الآتين في لحظة نهاية الحداثة و دخول الإنسانية في ما صار يسمّى "عصر الامبراطورية" أو "العولمة"، لن يكون أبدا من جنس التكرار المدرسي لأسئلة الأوروبيين خارج جغرافية الروح التي ولدت فيها، على لسان مثقفين بلا ثقافة جذرية تخصهم، بل هو مهمّة مدنية و حضارية قد استحوذ عليها الإنسان اليومي وقطع شوطا كبيرا في تحقيقها من دون أيّ أسئلة تأسيسية حول دلالة ذلك.

§ 1- فشل كانط : التنوير أو نقد العقل الكسول

يعتبر كانط أنّ أيّ "تأجيل للتنوير" هو بمثابة " اعتداء على الحقوق المقدسة للإنسانية" ، ولذلك هو لا يعرّف التنوير كما يفعل معاصروه، مثل مندلسزون، بكمّية المعرفة التي توفّرها العلوم ، و لا هو يؤسسه مثلهم على محبة النوع البشري، بل التنوير عنده هو القدرة على استعمال أفهامنا إزاء مشكل محدّد ألا وهو "مسائل الدين"، بموجب حق طبيعي لا مجال للتفاوض حوله. ولذلك هو يحدّ معنى التنوير هكذا:

" أن يوضع البشرُ بحيث يمكنهم استخدام أذهانهم في أشياء الدين بكلّ أمانة و إنصاف من دون أن يقودهم في ذلك طرف آخر."

إنّ الدلالة الفلسفية المثيرة في حصر كانط لمعنى التنوير في الجرأة على استعمال العقل في مسائل الدين من دون حاجة إلى من يقودنا في ذلك، و الذي هو المعنى الحقيقي في تعريف التنوير بأنّه "خروج الإنسان من حالة الوصاية التي يكون قد أذنبها في حقّ نفسه" ، - هو أنّ دعوته تنتهي صراحة إلى الاستغناء عن مفهوم "التسامح". فليس التنوير تسامحا مع الآخر بل هو فنّ الاستغناء العقلي عن الآخر بما هو كذلك.

يقول: " إنّ أميرا لا يجد ما يشينه في القول بأنّه يعتبر بمثابة واجب ألاّ يصدر أيَّ أمر للناس فيما يتعلق بشؤون الدين، بل أن يترك لهم كامل الحرية في هذه المسألة، ويذهب إلى حدّ إنكار الاسم المتغطرس للتسامح، هو نفسه مستنير و يستحقّ أن يمجَّد من قِبل العالم المعاصر و المتأخّرون بوصفه الأوّل الذي عتق الجنس البشري من حالة الوصاية، على الأقلّ فيما يخصّ الحكم، و ترك كلّ امرئ حرّا في استخدام عقله الخاص في كل مسائل الضمير."

ولذلك فالقيمة التي بنى عليها كانط معنى التنوير ليس التسامح بل الحرية، وبالذات " الأكثر مسالمة من كلّ ما يمكن أن نسمّيه حرية، ألا وهي حرية الاستعمال العمومي لعقلنا من كل جهاته" .

علينا أن نتساءل: ما الذي يعنيه كانط حين وصف التسامح بأنّه "اسم متغطرس" (hochmüthigen Namen) ؟ بأيّ معنى يمكننا أن نقول عن مفهوم ما أنّه متغطرس ؟ أليس في كل حرية قدر ما من التغطرس ؟

إنّ مفهوم التسامح متغطرس بسبب أنّه علامة على حالة الوصاية التي جعل كانط الخروج منها شرطا للتنوير. ليس يتسامح إلاّ من كان يملك سلطة ما علينا، والحال أنّ التنوير هو الجرأة على التفكير الحرّ بأنفسنا دونما حاجة لأن يقودنا أيّ طرف آخر. إنّ التسامح هو الصيغة الناعمة من الوصاية و أساسها الأخلاقي. و التغطرس هو انفعال بلا حرية، لأنّه يتغذّى من الحاجة الوهمية للسلطة أو للمرجعية التي يفلح الأوصياء في تنصيبها في وعي العاجزين عن التفكير بأنفسهم.

بيد أنّ قارئ كانط ما يلبث أن ينتبه إلى أنّ إجابته عن معنى التنوير لا تفضي، كما في إميل روسو، إلى برنامج لتربية الفرد على الخروج من حالة الوصاية إلى حالة الحرية. إنّ كانط يقرّ مبكّرا بأنّه من الصعب جدّا على الفرد المعزول أن يقتلع نفسه من حالة الوصاية التي تكون قد أصبحت لديه طبيعة ثانية. كذلك هو يفاجئ قارئه بأنّ الثورة ليست طريقا ملائما للتنوير، فهي قد تؤدّي إلى "سقوط استبداد شخص" ما لكنّها لا تمكّن أبدا من "إصلاح حقيقي لنمط التفكير"، بل أكثر من ذلك هي لا تخلق سوى "أفكار مسبّقة جديدة" من شأنها أن تشدّ وثاق هذا "الجمع الكبير الخالي من التفكير" ( gedankenlosen groen Haufens) .

إنّ ما يثيرنا هنا هو مفهوم "الجمعُ" ( der Haufen). فإنّ كانط، أكبر و آخر أقطاب فلسفة الأنا أفكّر ، يعترف بأنّ التنوير الحقيقي لا يتعلق بالفرد، المقولة التأسيسية لفكرة الحداثة،، بل بهذا "الجمع الكبير الذي لا يفكّر". ما معنى ذلك ؟

لا يمكننا بناء استفهام جدّي حول تلفّت كانط نحو الجموع الحديثة التي لا تفكّر إلاّ متى وضعناه في سياق مشروع النظرية السياسية للحداثة، الهادف إلى الزجّ بتلك الجموع في القمقم الهَوَوِي لفكرة "الشعب" الرومانسية، وذلك من أجل تهيئة الأرضية الحقوقية لإرساء الدولة-الأمة ،بوصفها الأداة النموذجية لإنجاز برنامج "التنوير"، نعني الانتقال الروحي من الملة إلى الدولة، والإقدام على التفكير الشخصي بوصفه حرية مدنية تملك في نفسها شروط معياريتها الذاتية.

ولذلك فالطريف في نصوص كانط هو أنّه في ريبة مزدوجة: من الأوصياء و القاصرين معا. فهو يرفض تأسيس التنوير على وجهة نظر الجمع الذي لا يفكّر ، لكنّه يتوجّس في نفس الوقت من أنْ لا تفلح الدولة-الأمة في الإيفاء بمهمّة التنوير التي صارت مطلبا تاريخيا للشعوب. لقد كان مرتابا من ألاّ تستطيع الدولة-الأمة أن تقبل لمواطنيها أن يفكّروا بأنفسهم، بمعنى أن لا يعرفوا كلّ ما يمكن للعقل النظري أن يبنيه بمقولاته، و أن يفعلوا كلّ ما يحكم عليه العقل العملي بأنّه قاعدة كونية للإنسانية، وألاّ يرجوا إلاّ ما يحقّ لهم في حدود مجرّد العقل.

ومن أجل نقد "العقل الكسول" ( faule Vernunft) للجموع الحديثة و العقل الأمني للدولة-الأمة معا ، اخترع كانط التفريق الشهير بين الخاص و العمومي: إنّ الحاكم لا يحق له أن يتحكّم إلاّ في الاستعمال الخاص لعقولنا، أي ما نفعله بموجب "مهمّة مدنية كلّفنا بها" . أمّا ما هو "عمومي" فهو ليس ملكا للحاكم بل هو شأن لما يسمّيه كانط "الجمهور" ( das Publikum) في معنى محدّد هو جملة الذين "يقرؤون" .

يبدو بذلك أنّ شرط إمكان التنوير هو الاكتشاف الحديث للقراءة بوصفها قدرة مدنية للجمهور على المشاركة في العمومي و إنتاجه.

لذلك يقول كانط:

" قلّة هم الذين أفلحوا في التخلّص، بالعمل الخاص لعقولهم، من حالة الوصاية و المشي على الرغم من كلّ شيء بخطى ثابتة.

لكنْ أن يتنوّر جمهور ( ein Publikum) ما بنفسه فهو أمر أقرب إلى الاحتمال؛ بل إنّ ذلك حتميّ شريطة أن نمنحه الحرية."

تكمن طرافة مصطلح "الجمهور" في تخريج كانط لإمكانية التنوير في أنّه دعوة خفية إلى تكوين "عقل عمومي" هو الكفيل بتدريب الإنسانية على دخول عصر التنوير، وذلك من خلال رفع حرية الكتابة و القراءة إلى فعل عمومي مستقل عن الدين و الدولة معا وقادر على فرض حقوقه.

ولذلك يذهب كانط في مقالة 1784 إلى حدّ التلميح إلى أنّ التنوير يملك في مشروعه نوعا من حق المقاومة، إذ يقول : " إنّ روح الحرية هذا قد يمتدّ حتى إلى الخارج، حتى إلى الحدّ الذي يجب عليه أن يناضل ضدّ العوائق الخارجية للحكم الذي يسيء الظنّ في شأنه."

بيد أنّ جذوة التنوير ما لبثت أن خبت بين يدي كانط: فهو سرعان ما أخذ يتراجع عن تلفّته نحو الجموع، بعد سنتين فقط، ضمن مقالته ما معنى أن نتوجّه في التفكير ؟، حين نقل معركة التنوير من مهمّة مطروحة على "الجمهور" الراهن إلى مهمّة عامة للـ"عصر" مؤجلة إلى أمد بعيد ، قائلا :

"أن نفكّر بأنفسنا يعني أن نبحث عن المحكّ الأقصى للحقيقة في أنفسنا ( بمعنى في عقلنا الخاص)؛ و القاعدة القاضية بأن نفكّر دوما بأنفسنا هي التنوير. [.. لكن] أن نؤسس التنوير ضمن بعض الذوات هو بذلك شيء يسير؛ إذ يكفي أن نبدأ بتعويد العقول الشابة على هكذا تفكّر في وقت مبكّر. أمّا تنوير عصر ما فهو مهمّة طويلة الأمد جدّا؛ وذلك أنّه توجد عوائق خارجية كثيرة إمّا تمنع هذا النمط من التربية، و إمّا تجعله أمرا أكثر صعوبة."

إنّ كانط يراهن هنا على دخول الإنسانية في عصر التنوير، بقدر ما تنجح في التمتع بحرية التفكير و التعبير في فضاء عمومي لا يقوى الحكام على مصادرته. - لكنّ الأمر لم يكن لينتهي في هذا الموضع. فالدولة-الأمة ليس فقط قد استولت على مقولة "العمومي" و حوّلتها إلى أحد أجهزتها الخاصة، بل إنّ كانط نفسه تراجع آخر الأمر، في نظرية الحق، التي نشرها سنة 1796، عمّا كان قد لمّح إليه سنة 1784، من حقّ المقاومة من أجل التنوير، وذلك بحجّة أنّ حق المقاومة يتنافى مع فكرة الحقّ نفسها.

غير أنّ التنوير ما إن استكمل ماهيته بما هو مشروع و تحوّل إلى دعوى كونية للإنسانية، حتى ولدت ظاهرة الدولة-الأمة، الترجمة السياسية لبراديغم الذات الحديث على مستوى الشعوب. ماذا ؟ لقد ربح الرومانسيون معركتهم ضدّ التنوير، حين نجحوا في فرض فكرة "الشعب" بوصفها البنية التاريخية المناسبة و الناجعة لتنفيذ مشروع الدولة الحديثة الذي قضّى الفلاسفة قرنين كاملين في بلورة ملامحه الأساسية من هوبز إلى كانط نفسه. إنّ الجماعة السياسية لا يمكن أن تكون إلاّ شعبا. لكنّ ذلك يعني للتوّ أنّ كلّ ما تحقق من خطط حقوقية لبناء الحالة المدنية على مستوى الأفراد، قد تحوّل فجأة إلى بحث في مقوّمات "حالة الطبيعة"، أي حالة "الحرب الدائمة" على مستوى الشعوب /الدول.

فإنّه في هذا السياق بالذات الذي وصف فيه كانط "حالة الطبيعة بين الدول" القومية ، هو قد لمح بشكل مثير وخاطف مولد الإمبراطورية.

يقول في الفقرة 58 من نظرية الحق من ميتافيزيقا الأخلاق:

" إنّ الدولة المهزومة أو رعيتها لا تفقدان حريتهما المدنية بسبب غزو بلدهما، في معنى أن يُزجّ بهذا البلد في رتبة المستعمرة و يُزجّ بتلك الرعية في رتبة الأقنان، وإلاّ فسيتعلق الأمر بحرب عقابية، هي في ذاتها شيء متناقض. فإنّ مستعمرة أو إيالة هي شعب يملك بلا ريب دستوره الخاص و تشريعه و أرضه، التي عليها لا يكون المنتمون إلى دولة أخرى إلاّ غرباء، وعلى ذلك فهو شعب تملك عليه هذه [الدولة] الأخرى سلطة تنفيذية. إنّ هذه الأخيرة تسمّى الدولة المركزية ( der Mutterstaat). أمّا الدولة تحت الحماية فتخضع لتلك [الدولة المركزية]، لكنّها على ذلك تحكم نفسها بنفسها ( civitas hybrida) ( من خلال برلمانها الخاص، وإذا دعت الحاجة تحت إمرة نائب ملك). هكذا قد كان وضع أثينا بالنسبة إلى عدة جزر و هذا هو اليوم وضع بريطانيا العظمى إزاء إيرلندا."

إنّ ما شخّصه كانط هنا وشرّع له دون أيّ اعتراض فلسفي – أخلاقي أو حقوقي - يُذكر، ليس الوضعية الحقوقية التي نظّر لها مفكّرو الحق الطبيعي منذ هوبز ، بل صورة جنينية عن الوضعية ما بعد التنويرية الناشئة عن بداية تحوّل الدول القومية الأوروبية إلى بؤر إمبراطورية لا يملك كانط نفسه أدوات كافية للتفكير في المشاكل الحقوقية التي ستثيرها.

علينا أن نقرأ الشاهد المذكور بوصفه تسجيلا مبكّرا وخاطفا لما سيصبح "واقعة الامبراطورية" (حسب عبارة إ. سعيد) منذ قرنين. إنّ دعوى الكونية التي رفعها مشروع التنوير قد انقلبت فجأة إلى مشكل أخلاقي بلا موضوع، بعد أن ائتمن الحقوقيون الدولة القومية على تنفيذ برنامج دولة الحق، الحلم الأكبر للأزمنة الحديثة، الذي وصفه كانط يوما ما بأنّه هو وحده "الشيء في ذاته" المبحوث عنه. بل أكثر من ذلك: إنّ دعوى الكونية قد انقلبت سريعا إلى تعبير جنيني عن حسّ الإمبراطورية الذي بدأ يسري ، منذ هيغل، في عقول الفلاسفة أنفسهم، من خلال سرديات فلسفات التاريخ ، دون أن يُطرح السؤال عنه بهذه الصيغة إلاّ في وقت متأخّر .

لذلك فإنّ كانط يؤدّي بالنسبة لهذا التخريج دورا مثيرا: إنّه آخر تنويري و أوّل إمبراطوري.

بيد أنّ ما هو قويّ لدى كانط هو أنّه كان منتبها تماما إلى ضرورة التخلّي عن الطمع الامبراطوري الذي يحرّك الدولة-الأمة نحو فكرة "جمهورية عالمية" ( Weltrepublik) ، لكنّه في نفس الوقت كان يحرص على الدفاع عن "فكرة حقّ كسموبوليطيقي" ، ليس بوصفها " نوعا من التمثل الخرافي والشاذ للحق" بل بوصفها الحل الحقوقي الكوني الوحيد الذي بحوزة الحداثة السياسية للحد من هوس الامبراطورية نحو العالم .

ولكن لأنّ كلّ حلول التنوير هذه تفترض براديغم الذات وليس ممكنا الدفاع عنها خارجه، فإنّ مولد الحس الإمبراطوري قد فجّر تلك الذات و ألقى بها في حظيرة الإنسان الأخير. ولكن من هو الإنسان الأخير ؟

§ 2- تنوير الإنسان الأخير أو حداثة الجمهور

يمكن أن نقرأ تساؤلات المعاصرين عن معنى التنوير بوصفها تنطلق في آخر التحليل من فشل كانط في التلفّت نحو الجموع الحديثة بوصفها الجمهور الذي قامت الحداثة الميتافيزيقية و السياسية على تحييده و تعويضه بجهاز الذاتية المحضة التي لا وجه لها. أجل، تبدو ذاتية المحدثين جهازا متعاليا بلا وجه بشريّ، لأنّها ظلّت تجهد في سرّها إلى الاستيلاء الانطولوجي على الخطة الروحية للملة، نعني فكرة الإله الشخصي الخالق للعالم و السيادة عليه، وليس إلى إنجاز أنوار جذرية ، تحرّر ضمير الإنسانية من الحاجة الروحية إلى مخلّص أو بطل.

هنا علينا أن نستقرئ ما يحتوي عليه الكوجيطو الحديث من بطولية و زعامة و مهدوية و صفوية و مفارقة و بدئيّة. والحال أنّ كانط قد اعترف آخر الأمر، أنّ التنوير ليس ممكنا للفرد الحديث الذي يعيش دوما على أفكار مسبقة جديدة، وأنّ الانتقال من صفة "الجمع الكبير الذي لا يفكّر" إلى مقام "الجمهور" الذي يقرأ على نحو عمومي هو الحلّ الذي لا يبدو أنّ الدولة-الأمة قد وفت بشروطه.

ولذلك علينا أن نسأل اليوم بعيدا عن أيّ كسموبوليطيقية بلا موضوع :

ماذا وقع في عقل الإنسانية منذ عصر التنوير حتى يُقدِم النوع البشريّ ليس فقط على الاستعمار أو الحروب العالمية أو حروب الإبادة، بل بخاصة على تحويل الحرب اللامتناهية أي الإنتاج النسقي للجثث إلى نموذج حضاري حاسم للفرز بين الشعوب و الحكم على مدى امتلاكها لناصية الحداثة ؟

إنّ هذا السؤال لا يصبح مثيرا للتفكير إلاّ من حيث كونه سؤالا صار اليوم قابلا إلى حدّ كبير للإجابة عنه بهذه الطريقة: إنّ عقل الإنسانية قد دخل في عصر الإمبراطورية. ماذا يعني ذلك ؟

منذ هيغل،أي منذ أن أصبح التنوير مشكلا وليس حلاّ، بدأت تتشكّل نقاشات ما بعد تنويرية، كفّ معها الإنسانُ فجأة عن أن يكون مركز البحث الفلسفي أو أرضيته أو أفقه أو أداته ، واستُعيض عنه بمجموعة ضخمة من المسمّيات التي تعمل على نسيانه. – إنّ المعاصرين من هيغل إلى هابرماس هم ما بعد-كانطيين في معنى محدّد: أنّهم يتفلسفون خارج شروط إمكان الطبيعة الإنسانية، وذلك لسبب حاسم هو أنّهم معاصرون لواقعة لم يفكّر بها كانط إلاّ لماما: إنّها واقعة الإمبراطورية.

إنّ الإنسان الأخير هو الجمهور الامبراطوري الذي تشكّل بعد انحسار نموذج العقل /الذات و تفكك مشروع التنوير على يد الدولة القومية. إنّه نمط من البشر اليومي بلا أيّ ادعاءات متعالية. إنّه لا أحد و أيّ كان في نفس الوقت، لم يعد يعنيه أو يستوعبه أيّ جهاز "تمثيلي" ما يزال مؤسسا على مقولة "الفرد/الذات". إنّ ديمقراطيته "قادمة" دوما، وفي كل مرة هو يكتشف وجها جديدا من غربته عن كلّ ما كان يطمئنّ إليه بوصفه هو، وبعبارة أدق هو يخترع في كل مرة نمطا جديدا من تسجيل كل ما يفعله ضد "مجهول".

يقول دريدا : "إنّ ما أسمّيه ’’ديمقراطية قادمة’’ تخرج عن حدود الكسموبولطيقية، أعني مواطنة العالم. إنّها تنحو نحو الاتفاق مع ما يمكّن من أن ’’تعيش معًا’’ كائنات حيّة متفرّدة ( أيّ كان) ، حيث مازالوا لم يُعيَّنوا بعدُ بواسطة مواطنة ما، أعني بواسطة وضعية ’’الذوات’’ الحقوقية الخاصة بدولة ما و الأعضاء الشرعيين في دولة قومية معيّنة، بل حتى في كنفدرالية أو دولة عالمية. إنّ الأمر يتعلق على الجملة بتحالف يقع ما وراء ’’السياسي’’ كما وقع تعيينُه دوما."

وفي ورشة الإنسان الأخير هذا، سليل واقعة الإمبراطورية، من مسوخها القومية إلى صيغتها الكوكبية ، تداول الفلاسفة على تشخيص ما وقع بعد أن خبت جذوة التنوير على يد الدولة القومية. – إنّ نصوصهم لم تعد فلسفية إلاّ بقدر ما تنجح في أن تكون علامات متعاضدة ،وإن كانت متباينة ، عن واقعة الامبراطورية كما يمكن للفلاسفة أن يقرؤوها من خلال ضروب متنوّعة من تأويلية الإنسان الأخير، ذي الأقنعة المتعددة.

وما أكثر أقنعة الإنسان الأخير: إنّه "عبدُ" هيغل و "مغتربُ" ماركس و "قطيعُ" نيتشه و "هُمْ" هيدغر و "ضحايا" أرندت و "آخر" ليفناس و "عصابيّ" فرويد و "جماهير" أدورنو و "بدائي" لفي شتروس و "كلبيّ" سلوتردايك و " مترحّل" دولوز و"غريب" دريدا و "أقلّي" شارلز تايلور و "معذّبو" فانون و "منفيّ" إ. سعيد و "كثرةُ" نغري و "شهداء" الإسلاميين.

- أجل، ليس شهداء الإسلاميين الحاليين كائنات أُخرويّة أو رواسب روحية قبل-حديثة أو عقولا مضادّة للحداثة من خارجها ، كما تُفهم غالبا، بل هم جمهور ما بعد تنويري يستمدّ شروط ظهوره من إشكالية الحداثة و فشل التنوير و واقعة الامبراطورية. فليس "المسلم" الحالي غير أحد وجوه الإنسان الأخير الذي هو الصيغة الانثروبولوجية الراهنة للنوع البشريّ.

لنقل إنّ هذا "المسلم الأخير" ليس أقلّ مضادّة للحداثة من نيتشه أو هيدغر أو فوكو. وذلك يعني أنّه لم يفعل سوى أن كرّر من داخل الوضعية الروحية التي تخصّه و بأدوات التفكير التي بحوزته، نفس الريبة الوجودية من فشل التنوير و نفس الاعتراض السياسي على تحوّل الحداثة إلى واقعة امبراطورية.

ومن حيث هو سليل تاريخي للوضعية الروحية للإنسانية الحديثة فإنّ الصروح العقدية و النفسية التي يبنيها المسلم الأخير حول نفسه و مصيره هي بنى سردية فقدت صلاحيتها، ولا تحميه من أيّ خطر وجودي أو سياسي. بل أكثر من ذلك: إنّ رفضه اللاهوتي للتنوير مثل دعوته العلمانية إليه هما موقفان بلا أفق، طالما هما مطروحان خارج الأسئلة التي تطرحها الإنسانية الحالية حول نفسها و حول مصيرها. وذلك أنّه لا وجود لتنوير محلي أو قومي أو خاص بدين ما.

بقي أن نسأل: ما هي العوائق الأخلاقية أو النظرية التي تمنع المسلم الأخير من خوض معركة التنوير ؟

ثمّة عبارة تقول "إنّ المستقبل لم يعد كما كان" . وإنّه بهذا المعنى علينا القول بأنّ ما يمنعنا إلى الآن من الجزم بأنّنا أبناء الحداثة أو نشارك في قيم التنوير هو بخاصة نوع التصوّر الذي نحمله عن أنفسنا بوصفنا "عربا مسلمين". إنّ نمط فهمنا لأنفسنا و نوع ذاكرتنا هما بنيتان تتحكّمان في كل تصوّراتنا للمستقبل. لكنّ المستقبل لم يعد كما كان. نحن بمعنى ما نعيش صيغة ممسوخة عن معنى المستقبل الذي عيّنه أسلافنا على أساس سردية تأسيسية نحفظها جيلا بعد جيل. ولأنّه قد تبيّن اليوم أنّ كلّ هوية هي بالأساس هوية سردية أو تشكّلت بموجب نمط معيّن من القصص الجذري حول أنفسنا، فإنّ كلّ دعوة لتجديد نمط تفكيرنا هي عمدا أو سهوا تدعونا إلى الإقدام على إجراء تغيير هَوَوِي في السردية التأسيسية الأولى التي أقمنا عليها البنى الحالية لأنفسنا.

ولكن ما هي هذه البنى ؟

يبدو أنّ البنى الأساسية التي تشكّل كلّ سند هَوَِوِي إنّما هي مستمدّة في كل مرة من طريقة معيّنة في معالجة المسائل الثلاث التي أرّقت مضجع الميتافيزيقيين طويلا، ألا وهي "النفس" و "الإله" و "العالم". ولنعترف بأنّ أيّ تجديد للفكر لا يضع فهمنا الهَوَوِي لهذه المسائل موضع سؤال هو تعليق خطابي عليها وليس تفكيرا حقيقيا.

إنّ طرح المشكل بهذه الطريقة ربّما يجعلنا نعتقد بأنّ آخر نقاش أساسي حول ماهية تفكيرنا قد كان بلا شكّ مناظرة ابن رشد مع الغزالي. وبالرغم من أنّ في هذا النوع من الاستنتاج كثيرا من الصحة، فإنّنا نفترض أنّ الأمم لا تفكّر دوما أو بالضرورة على لسان مفكّريها، بل يمكن أن تفكّر أيضا في صمت و في شكل سلوكات لا تفكّر أو ممارسات قولية بلا اختصاص. وبكلمة حادة: إنّ العقل النظري قد انسحب من ثقافتنا منذ وقت طويل و لم يبق لدينا غير أشكال متعددة من العقل اليومي. ولذلك فإنّه بدلا من مواصلة التعويل على النصوص التأسيسية، التي سقطت اليوم في غربة تأويلية غير مسبوقة، يجدر بنا أن نولّي وجوهنا صوب الفهم اليومي لأنفسنا كما تنقال في جملة أنماط الوجود اليومي للإنسان الأخير فينا. أجل، يبدو أنّ الجمهور ( multitude) بالمعنى الذي صار شائعا اليوم في كتاب الفلاسفة الإيطاليين وخاصة انطونيو نغري و باولو فيرنو ، قد حلّ جملة كبيرة من المسائل الأساسية التي لم يشرع المثقّفون بعد في طرحها.

ولذلك يمكن أن نزعم أنّ ما تحقّق من مراجعة هَوَوِيّة للبنى السردية لأنفسنا هو أكثر من أن يُحصى متى انخرطنا في تأويلية الجمهور بدلا من مواصلة تفسير نصوص تأسيسية لم تعد تخاطبنا.

لقد تحوّل الكلام في ماهية النفس إلى نقاش يومي و مدني و جمهوري حول حقوق الجسد و استعمالاته الاستطيقية و الأخلاقية و الطبّية، و انقلب القول في حدوث العالم إلى ملاحظة رقمية للموادّ المستعملة و تربية تقنية للسيطرة علي الظواهر كآلات حية و مديح إيكولوجي لمستقبل الأرض كملاذ أخير للحيوان المسمّى "إنسان"، و استُعيض السؤال عن وجود الله و صفاته بحوار ديبلوماسي بين الأديان و حقوقي حول مواثيق التسامح و حرية المعتقد و لباس الرموز الدينية في المدارس العلمانية.

إنّ الجمهور يفكّر بدلا عن المثقفين جميعا: إنّه يستعمل جسده بعد دروين و فرويد، و يسكن العالم بعد كوبرنيك و نيوتن، و يصرّف مقدّساته بعد هيغل و نيتشه. إنّه يعلم، دون أن يطرح أيّ أسئلة نظرية حول دلالة ذلك، أنّ جسده مجرّد مركّب جينيّ وأنّ البيولوجيا هي المرجع الوحيد الذي يملك أجوبة رقمية حول من يكون؛ وأنّ العالم الذي يعيش فيه هو صدفة جيولوجية معرّضة للانقراض في أيّ لحظة؛ وأنّ ديانته هي جزء من سردية لاهوتية كبرى تتميّز عن السرديات الأخرى للإنسانية بظواهر معدودة مثل الخلق و الكتاب و آدم و النبي و الوحي، هي التي تفصله حقّا عن الثقافات غير الكتابية.

من أجل ذلك فإنّ حصر دلالته أمام ضمير الإنسانية الحالية بأنّه أكثر العقائد استعصاءً على الاندماج في القانون الكسموبوليطيقي المأمول بين البشر الحاليين ليس خاصية تاريخية في جهازه الروحي بل فقط الدور الذي خُصّص له في سردية الامبراطورية.

لقد تجدّد الفكر العربي دون علم منّا، لكنّنا ما زلنا غير قادرين أو غير جاهزين لخوض تملّك فينومينولوجي جذريّ للمكاسب الوجودية و المدنية التي حقّقها الفهم اليومي لأنفسنا على يد جمهور يعمل دون أيّ صخب ثقافي أو عقدي حول دلالة ذلك. إنّ مسائل النفس و العالم و الإله التي قامت عليها السردية اللاهوتية الكبرى لأنفسنا، التي نسمّيها "الإسلام"، أيّ فكرة "النفس المخلوقة" و "العالم / الآية" و "الإله / الخالق" قد انسحبت من واجهة الفهم اليومي لأنفسنا و أنتج الجمهور بدلا عنها ظواهر حيوية بلا توقيع ميتافيزيقي.

إنّ حداثة الجمهور هي تنوير الإنسان الأخير: استعمال استطيقي لجسده، وسياسة حيوية لعالمه، واستثمار سردي لمقدساته، وذلك دونما حاجة إلى أيّ خطابة تأسيسية جديدة.

ولذلك علينا الاعتراف بأنّ "العربي" الحالي هو دنيوي على نحو جذري؛ إنّه جمهور بلا أيّ رسالة، يعيش على وقع حسّ "عولمي" ( global) معمّم، انقلب في وقت قياسي إلى قاسم "مشترك" تواصلي ( يختلف عن أيّ جهاز عمومي تصنعه دولة ما على قياسها) يربط بينه و بين جميع أطراف الإنسانية الحالية، وحوّل كلّ مفردات عقله إلى لغة لم يتكلمها من قبلُ. وإذا كنّا إلى وقت قريب نعيب على ثقافتنا كونها ثقافة بلا كوجيطو، أو على مجتمعنا أنّه لم يعرف مقولة "الفرد"، فإنّ العولمة قد أسقطت هذه الحاجة التاريخية علينا. لقد انقلب "العربي" الراهن إلى مواطن امبراطوري رغم أنفه، هو الذي كان يلوم نفسه بأنّه لم يُعامَل أبدا بوصفه مواطنا حقيقيا في نطاق الدولة-الأمة.

أنت "عولميّ" يا صاح ، أينما ولّيت وجهك . فما معنى أن تتنوّر في عصر الامبراطورية ؟ ما معنى أن تتوجّه في التفكير في عصر أسقط عليك صفات الثقافة والدين و العرق والوطن و اللغة ؟

لأوّل مرة يبدو أنّ الإنسان العامي على حق وأنّ الفلاسفة ينطقون عن الهوى. إنّ عصرنا الامبراطوري لا يتحمّل أيّ تأسيسية جديدة لأيّ عقل قومي منعزل عن المجرى الروحي للإنسانية الحالية. ولذلك فإنّ معنى "تجديد" الفكر العربي قد أصابه هو الآخر تغيّر جذري، نقترح أن نصوغه صيغة الأمر القطعي التالي:

"جدّد فكرك فقط بحسب القاعدة التي تمكّنك من أن تريد لها في نفس الوقت أن تصبح قانونا كونيا" للإنسانية جمعاء.

هذا أمر لا يبدو أنّ مجدّدي الفكر العربي قد التزموا به. وحتى نمتحنهم دفعة واحدة، علينا أن نسأل كلّ واحد منهم: إلى أيّ حدّ تعتقد أنّ ما قمت به من "نقد للعقل العربي" أو "نقد للعقل الإسلامي" أو أيّ نقد آخر، صالحٌ لأن يصبح قانونا كونيا للإنسانية الحالية ؟ هل أنت مشرّع جذري للإنسانية الحالية ؟

إنّ الصيغة الوحيدة لتجديد الفكر في أفق أيّ ثقافة من الثقافات الأساسية للإنسانية الحالية لا يتحقق أبدا إلاّ من خلال تنوير يفلح في احتمال الحسّ العولمي و السيطرة عليه و استعماله من داخل الضمير الكوني للإنسانية و ليس من خارجه مهما كانت أصالة التراث الذي نستند إليه.

خاتمة : من التسامح إلى الضيافة الكونية

يبدو أنّ السؤال "من نحن ؟" قد فقد اليوم كثيرا من أصالته. ولذلك علينا أن نسأل بدلا منه : ماذا نحن إذن ؟ هل صيغة من صيغ الإنسان الأخير في عصر الجماهير الامبراطورية ، بعد اهتزاز إطار الدولة-الأمة و انكشاف الأساس السردي للهويات و موت الإله الأخلاقي. نحن غرباء إذن ليس فقط عن الآخر الحضاري بل عن أنفسنا أيضا. ولذلك فتنوير الإنسان الأخير يوشك أن يكون في سرّه الساخر تأويلية للغريب أو للغرباء في عصر الامبراطورية. لقد أصاب جميع الثقافات و الفرديات الحية للإنسانية الحالية هالة من الغربة الموجبة، انقلبت معها الهويات و أشكال الانتماء إلى مغامرات حيوية بلا توقيع. كلّ أعضاء الإنسانية الحالية جمهور بلا توقيع، عيون لامتناهية من القراء لنصّ واحد لم يكتبه أحد، ولذلك فأيّ كان هو مؤلّفه الأصلي .

من أجل ذلك لا يبدو أنّ التسامح، الذي كان أحد المكاسب الأخلاقية للحداثة، ما يزال مفهوما وجيها للاضطلاع بالمشكل الذي يشير إليه وجودنا اليوم، بوصفه خرج دون وعي منّا من حداثة الكوجيطو إلى حداثة الجمهور. وبدلا من التسامح، نحن نرنو بوجوهنا إلى إحدى الآداب القديمة لأنفسنا، التي أعادها كانط ذات نصّ إلى الخدمة في أفق المحدثين، ونعني بالتحديد أدب "الضيافة".

أجل، لا يحتاج تنوير الإنسان الأخير إلى تسامح، لأنّه لم يعد يعني خروجه من الوصاية إلى حرية المعتقد، بل هو يحتاج إلى ضيافة، من أجل أنّه صار غريبا في بيته بلا رجعة. ولذلك فالسببان اللذان يمنعان الإنسان الأخير من التنوير لم يعودا الكسل و الجبن كما كان يظنّ كانط، بل الخوف و القلق اللذان اعتبرهما هيدغر مقامين كيانيين للدازين اليومي، الملقى به سلفا في مغامرة الإنسان الأخير.

إنّ خوفنا و قلقنا من وجودنا في العالم الحالي لم يعد مشكلا نفسيا أو ذاتيا، بل هو علامة روحية على نمط غير مسبوق من الغربة، هو غربة الأهلي بعد تجريده من السقف الرومانسي للوطن، والقذف به في الفضاء المتوحش للسلطة الحيوية للامبراطورية. لكنّ هذه الغربة، مثل جميع التغريبات السابقة، إنّما تمتلك في نفسها شروط حياتها: إنّه القدرة الفظيعة على آداب الضيافة، ضيافة الغريب بوصفها حقّا كونيا في التفرّد و التعدّد و التكثّر و السياحة في الأرض، الكوكب الميتافيزيقي الأخير، للحيوان الآدمي الذي عاد أخيرا إلى حظيرة الجمهور، عاريا من أيّ توقيع أخلاقي أو هَوَوِي باسمه، سواء كان الدين أو العرق أو الدولة-الأمة.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق