في لبنان لا الثورة ثورة ولا الدولة دولة



ربيع الراوي- خاص

لا أخفي أني كنت أتجنب رصف الانشاء والاستشعار عن الانتفاضة اللبنانية، التي عُقد عليها الأمل الكبير في "بناء الوطن"، فأنا ميال إلى التشاؤل، ولا أشارك في التظاهرات لأسباب ربما تافهة، بل ميال الى الشعور اللاجدوى من أي تغيير في لبنان... "أنا رجعي"، طالما ان هذا البلد أشبه بـ"مرسح" دولي للرياح والرسائل والمشاريع والتسويات و"فتح لاند" و"قلب العروبة" و"جبهة الممانعة" و"طريق القدس" وسائر عشاق الانتصارات و"لا صوت يعلو فوق صوت المعركة"... وحين بدأت الانتفاضة اللبنانية التشرينية رفضاً لضريبة الواتس آب، كان شعار العبور الي الثورة بالنسبة إليّ، كشعار "عبور الى الدولة" عام 2005، فقد استغربت افراط أحد المعلقين السياسيين في التفاؤل وهو المعروف بتشاؤمه، اذ اعتبر التظاهرات "لحظة وطنية" على طريق التغيير شاتماً من ينتقدها، كأن الرتابة اللبنانية المديدة تجعل من سلسلة تظاهرات أملا كبيراً فوق العادة، لم يكن المعلق وحده من عاش "حلم يقظة الثورة"، فأحد الاعلاميين "الممانعين" والمبخرين لنظام الاسد والمسوقين لبياناته بتكليف مخابراتي، اعتبر الانتفاضة "أهم محطة تاريخية منذ تأسيس لبنان"، ولم يتردد في زيارة الخيم والتنظير والتقاط الصور مع قبضة الثورة، والقفز من محطة الى اخرى واعطاء الدروس بحثاً عن دور سياسي مرتقب وموعود، اما ذلك الفنان اليساري الشاب الذي ترك كندا وعاد ليكون في واجهة التظاهرات، قال إنه "كان ليجن لو لم يشارك في الثورة". كان الاحساس بالأمل كبيراً أمام هدير المتظاهرين في البلدات والمدن والشوارع العريضة والساحات... بالطبع كان الوضع في لبنان "عحفرة وبده دفرة" بالمعنى العامي، تضخم سعر الدولار اضعاف مضاعفة، وحل البروفسور حسان دياب ضيفا ثقيلا على السراي الحكومة والشاشات، بالتزامن مع كابوس الكورونا، وبات اللحم المشوي حلم الأثرياء، وما بعدها كان الانفجار الرهيب في مرفأ بيروت، كلها عوامل وأحداث ضخمة، جعلت الانتفاضة "كأن لم تكن"، اذ عاد فالمعلق السياسي الى تشاؤمه النوعي والمديد، وغاب الاعلامي الطامح، وذهب الفنان الثائر بحثاً عن مسلسل جديد.


 كانت الانتفاضة او الحراك مزيجاً من أقوام وثقافات وجماعات وافراد وعصبيات وايغوات واطياف طبقات وطوائف، منهم عاطلون عن العمل، ومنهم طبقة وسطى، وفقراء، ومنهم من سمنت اكتافهم من فساد مديد قبل أن يشح الفساد ويغدو الولاء للزعامة نقمة، طبعا دون أن ننسى أن التبدلات السياسية التي جعلت لبنان ينتقل من بلد يعيش على السياحة والاموال غير المشروعة والمساعدات والهبات المال السياسي (الايراني، السعودي، الاميركي) الى بلد يعيش شبه حصار اميركي، وعلاقته متوتر مع دول الخليج، ومحيطه ملتهب، وبنية نظامه ملتبسة معقدة، ويزيد تعقيدها تضخم قوة حزب الله وسطوته....

كانت الانتفاضة بعد اندلالها حلم الكثيرين بالخلاص من عفن سياسي عمره عقود، لكن الانتفاضة في مسارها وقفت على الحافة، فكان سهلا اسقاط سعد الحريري أو اعلان استقالته، لكن الاقتراب من نبيه بري اشبه ببرميل بارود، والحكي عن نصرالله خطر على الكون، والتفكير بعون يضر بالوجود المسيحي ومقام رئاسة الجمهورية... ولم تنتج الانتفاضة رأسا منظماً في مواجهة "المنظومة" المسيطرة، بقيت أفقية تتحرك افقيا بلا افق، بلا عقل سياسي... ولم تلجأ الى "فن الممكن"، بقيت تدور في "فن المستحيل (او كلام الثورة والرطانة)"، أو هي انتفاضات في انتفاضة، وثورات في ثورة، وحين لجأت مجموعة أو مجموعتين الى خطوة في السياسة (بغض النظر عن القيمة الفعلية للخطوات)، كانت ردة الفعل الثقافية، "ابرام" الحكم الثوري بحق المجموعات، ودعوة الى طردهم خارج الميدان..

أما رياح الانتفاضة كان وضع التباس بائن، كانت القوات تريدها انتفاضة ضد العونية والباسيلية، العونية يردونها ثورة ضد الحريري، وحزب الله يريدها ضد جعجع، واميركا تريدها ضد حزب الله. هي لعبة توظيفات، وكان هناك من يطمح أن تكون الضاحية وطرابلس وجل الديب وبعلبك معاً، لكن ذئاب التفرقة كانت أقوى من طموح الحالمين... لم يستمر طويلاً ذلك الوقع المثالي والطوباوي،  سرعان ما تببدد كل شيء وظهر الواقع الوقح... كان بعض اقطاب  السياسية (عون، جعجع، بري، جنبلاط، باسيل، فرنجية...) يعترضون على شعار "كلن يعني كلن"، باعتبار انهم منزهين من الفساد وما يفعلونه في يومايتهم السياسة من تنفيعات وصفقات وتسويات، يندرج في خانة الشفافية... لا يدركون انهم ينتمون الى اخطر من هذا الشعار بكثير، فالفساد سهل مقارنة بفعائل الحرب وكوراثها ومجازرها وحواجزها ومضارها النفسها. الفساد سهل أما تاريخ شخصيات لقبت بامراء الحرب.



قيل إن الثورة "كسرت حاجز الخوف"، وهذا صحيح، فبرغم التهويل بالنظام البوليسي والعسكريتاري والدعوات على فنجان القهوة في المكاتب، لكن كل ذلك لم ينفع في شيء. فالعالم الافتراضي فرض نفسه، وحرية القول فرضت نفسها في تعرية الاشخاص وتفكيك المقدسات والاقنومات... مات زمن الخط الاحمر، اذ يمكن ان نقرأ تغريدة تطال رئيس الجمهورية وزعيم حزب الله وقائد القوات وزعيم المسقبل ورئيس الحركة، و"معشر الفسابكة"، انتقل كما هو من الفايسوك الى الشارع وناسه وجموعاته وحتى لافتاته، سواء اللغة المهذبة أو النابية... ووقع شتم الـ"هيلا هو" في الساحات والملاهي، كان أقوى من جدار الصوت، وفي الوقت نفسه أُنتج على هامش الانتفاضة وقبلها على هامش 14 اذار، رهطا من الاصوات الخنفشارية البائسة والرثة والحالمة، كانت علامة فارقة على بؤس الجماعة السياسية المهيمنة على الحكم، وكانت موضع تساؤل ما الذي يجعل شربل خليل ومي خريش في واجهة العونيين، أو سالم زهران ناطقاً بلسان المقاومة، او شارل جبور مفوهاً بلسان القوات، دون ان ننسى رثاثة بعض المجموعات الهامشية.

عام مضى على انتفاضة مشت حتى منتصف الطريق وتوقفتْ، ومن خلالها نستطيع القول، أنه في لبنان، لا الثورة ثورة، ولا الدولة دولة، ولا المقاومة مقاومة، فقط الفساد متأصل وجذري، ربما جذوره تعود الى ما قبل تأسيس لبنان الكبير.وبعد سنة على الانتفاضة، من كان يمنع ذكر دولة اسرائيل في محاضرة عابرة، ذهب الى التفاوض مع اسرائيل، فسبحان مبدل الاحوال، ولا حول ولا قوة...  


تعليقات