سمير اليوسف... محمود درويش الشعر والشيوعية - الرومي

اخر الأخبار

السبت، 17 أكتوبر 2020

سمير اليوسف... محمود درويش الشعر والشيوعية




ما الذي يربط بين بعض أهم شعراء العالم في القرن العشرين، مثل التشيلي بابلو نيرودا واليوناني يانيس ريتسوس والفلسطيني محمود درويش والتركي ناظم حكمت والاسباني رافائيل البرتي والبيروني سيزار فاييخو والالماني برتولت برخت؟

أنهم كانوا جميعاً شيوعيين.

هل هناك صلة ما بين الشعر والشيوعية؟

بحسب الفيلسوف الفرنسي الآن باديو هناك صلة وصلة ضرورية أيضاً.

العالم واللغة ينتميان الى الجميع.

الشيوعية ترفض فكرة الملكية الخاصة وتقول بأن العالم ملك للجميع، وبحسب الشعار الشهير، من كلٍ حسب قدرته الى كلٍ حسب حاجته.

الشعر يتعامل مع أحد اهم الممتلكات العامة: اللغة. الشعراء يدفعون باللغة الى ان تقول ما يبدو بأنها غير قادرة على أن تقوله. من خلال المجاز يسمون ما لا أسم له بعد ومن ثم يضيفون ويغنون ما هو ملك الجميع.

محمود درويش كان عضوا في الحزب الشيوعي الاسرائيلي في مطلع حياته ولكن أهم ما كتب من شعر جاء بعد تركه للحزب المذكور ورحيله عن فلسطين نفسها والتزامه بمنظمة التحرير الفلسطينية.

الكثير مما كتبه محمود درويش هو عن فلسطين وهو ما أكسبه لقب "شاعر القضية الفلسطينية" ولكن هلّ كفّ محمود درويش أن يكون شاعراً شيوعيّاً بالمعنى الذي يقصده باديو؟

برأيي لا. أولاً لا تكف عن أن تكون شيوعياً بمجرد أن تتخلى عن عضويتك للحزب الشيوعي. ثانياً والأهم، ان القصيدة التي كتبها درويش لم تكن مقيدة بانتمائه الى منظمة التحرير أو الكتابة عن فلسطين. درويش ببساطة كان أكبر من المنظمة والقضية معاً. بالعكس كلتاهما اكتسبتا بُعداً انسانية فاق حدودهما الواقعية، السياسية والجغرافية. وهو الذي سيسمي لحظة النهاية بالنسبة اليهما. لا أحد آخر، لا سياسي ولا شاعر غيره، تجاسر على أن يعلن بأنها النهاية.

يتجلى هذا الأمر أشدّ ما يتجلى في ديوانه الأهم "احد عشر كوكباً" 1992. من منطلق قراءة سياسية للمعنى، قصائد هذا الديوان تعلن الموت السياسي لكل من المنظمة والقضية.

القصيدة الأقوى "خطبة الهندي الأحمر- ما قبل الأخيرة- أمام الرجل الأبيض" الخطبة المقصودة هي خطبة سياتل زعيم قبيلة "دواميش" الهندية في عام 1854.

مصوراً تصويراً مجازياً للحظة النهاية هذه، يستعير محمود درويش لحظة تاريخية كونية، هزيمة المجتمع الأهلي في أميركا الشمالية أمام العدوانية الأوروبية الوافدة، وبفعل التفوق التقني الحديث لهذه الأخيرة. لحظة موت الهندي الأحمر واستيلاء الرجل الأبيض على الأرض لكي ينتقل بها من حالة المشاعية الى حالة الملكية الخاصة ومن ثم يقيم عليها أكبر وأخطر قوة اقتصادية وسياسية وعسكرية في الكون.

شأن كل شاعر كبير، أو فنان كبير، يدرك درويش، وبخلاف الأدعياء والمتطفلين على الشعر، مثل ذلك التافه اللقيط أدونيس، ان حركة الارتقاء أو التسامي، في عملية الخلق انما هي حركة تنطلق من الأرض الى السماء، من التراب الى الروح، ومن اللغة الأهلية الى اللغة الكونية.

درويش في هذه القصيدة الرائعة لن يتكلم عن فلسطين برمزيتها المعتادة وانما عن أرض تسامت على استخداماتها السياسية والاقتصادية التي فُرضت عليها منذ أستولى الغزاة عليها. انها الأرض التي تربطها صلة قرابة روحية بمن يقيم عليها، تماما كم عبرّ السكان الاصليون في أميركا الشمالية عن علاقتهم بالأرض.

ومنذ السطر الأول في هذه القصيدة سنجد أنفسنا أمام لغة جديدة، ليس فقط قياساً على لغة درويش السابقة، وانما قياساً على ما كُتب في الشعر العربي:


"إذًا، نحْنُ منْ نَحْنُ في المسيسبّي. لَنَا مَا تَبَقّى لنا

مِن الأمْسِ /

لكنّ لَوْنَ السّماء تغيّر، والْبحر شَرْقًاً تغيّر، يا سيّد الْبيض! يا سيِّدَ

الخَيْل، ماذا تُريدُمِنَ الذّاهِبِينَ إلى شَجَرِ اللّيْل؟/

عالِيَةٌ رُوحُنَا، والمراعي مُقَدَّسةٌ، والنّجومْ

كلامٌ يضيءُ.. إذا أنْتَ حَدَّقْتَ فيهَا قَرأْتَ حكَايتَنَا كُلَّهَا:

وُلدْنَا هُنَا بَيْنَ ماءٍ ونارٍ.. ونولَدُ ثانيةً في الْغُيوم

على حافّة السّاحل اللاّزَوَرديّ بَعْدَ الْقيامَةِ.. عَمّا قليلْ

فلا تَقْتُلِ العُشْبَ أكثر، للْعُشبِ روحٌ يُدافعُ فيناعن الرّوحِ في

الأرضِ.."

الشيوعية فلسفة تقدمية ولكن تصوّرها لمرحلة الخلاص النهائي للبشرية يحيلنا على الأصل، المرحلة المشاعية، السابقة على ظهور الملكية الخاصة. هذه هي الأرض التي تحدث عنها الزعيم الهندي سياتل. وهذه هي الأرض التي يسميها محمود درويش في قصيدته.

بحسب تعريف الآن باديو، محمود درويش كان شاعراً شيوعياً.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق