باول تسيلان والكتابة بلغة العدو

حسونة المصباحي


فى فاتح ماي/ ايار 1970، طافت على سطح نهر "السين" فى باريس جثة تبيّن بعد مرور وقت قليل على ذلك، انها جثة الشاعر باول تسيلان الذى عاش الاغتراب فى أعمق معانيه.

فقد ولد عقب انهيار الامبراطورية النمساوية- الهنغارية، فى منطقة تقع بين اوكرانيا وبولونيا وما كان يسمى بتشيكو سلوفاكيا وهنغاريا ورومانيا.

ورغم أنه ولد بعيدا عن المانيا فإنه كتب بلغة غوته وشيللر، وظلّ يمارس ذلك حتى بعد أن مات والداه فى أحد المعسكرات النازية خلال الحرب الكونية الثانية. وعلى مدى عقود طويلة، عاش باول تسيلان الترحال المتواصل، متنقلا بين البلدان واللغات.

وعندما ضاقت نفسه بذلك، فضل الانتحار غرقا فى نهر "السين" تاركا أعمالا شعرية، لا يزال يعتبرها كبار النقاد الغربيين من أعمق وأهم الأعمال الشعرية التى عرفتها أوروبا فى النصف الثانى من القرن العشرين.. وقبل أن نستعرض بعض الجوانب المهمة فى حياته، وفى مسيرته الابداعية علينا أن نشير إلى أنه ثمة شيء يجذب عددا لا بأس به من شعراء قصيدة النثر العربية، خصوصا الذين يعيشون منهم فى المنافي، لباول تسيلان. ولعل ذلك يعود إلى أن هؤلاء الشعراء لهم رغبة شديدة فى أن "يتماثلوا" مع هذا الشاعر ومع تجربته فى البعض من جوانبها على الأقل. فمثلا هم يشعرون أنهم مثله مسلوبو الهوية، منفيون حتى فى داخل أوطانهم، وأنهم بلا تراث وبلا أجداد، وأنهم عراة أمام مصير أقل ما يقال فيه أنه مصير صعب ومحفوف بالمخاطر.

ومثله أيضا هم يتامى بامتياز. الشيء الوحيد الذى تبقّى لهم هو اللغة. وحتى هذه اللغة فانها تبدو كما لو أنها تتعارض مع اللغة الأم، ومضادة لها.

ولأنها تجردت من جميع الايحاءات والرموز، فإن هذه اللغة تبدو فقيرة وجافة. وكان الشاعر العراقى عبد القادر الجنابي، المقيم فى باريس منذ السبعينات من أوائل شعراء قصيدة النثر العرب الذى تحمّس لباول تسيلان اذ ترجم له عن الفرنسية مختارات من القصائد. وقبل نحو أربعة أعوام قام الشاعر العراقى خالد المعالى المقيم فى كولونيا باصدار مجلد احتوى على مختارات من قصائد باول تسيلان، وهكذا أمكن من خلال هذه الترجمات التعرف على هذا الشاعر الذى كتب بـ "لغة العدو" الذى فتك بعائلته وشرده فى الأرض بلا أى سلاح غير تلك اللغة التى منحها إياه حالما فتح عينيه على العالم. وإثر انتحار باول تسيلان، كتب الشاعر الفرنسى الكبير هنرى ميشو قصيدة فى رثائه وفيها يقول:

فى طريق الحياة، لاقى باول تسيلان حواجز كثيرة، حواجز جد كبيرة، العديد منها كان يستحيل اجتيازه، ومنها حاجز أخير كان من المستحيل اجتيازه حقا. فى هذه الفترة العصيبة التقينا، من غير أن نتلاقى تخاطبنا لكى لا نتكلم. ما هو خطير كان لديه بالغ الخطورة وإلى ذلك ما كان يسمح لى بالدخول. ليوقف صديقا، كانت له بسمة، غالبا، بسمة اجتازت الغرق مرارا.

كنا نتظاهر بأنا نواجه قبل كل شيء مشاكل مدارها اللغة. ولد باول تسيلان الذى كان يدعى فى البداية باول أنتشل فى بوكوفينا برومانيا وذلك عام 1920. وتبدو السنوات العشرون الأولى من حياته وكأنها خالية كليا من تلك الأحداث المؤلمة والسوداء التى سوف تداهمه فى ما بعد.

وأثناء الدراسة الثانوية، قرأ بعض أعلام الأدب الكلاسيكى العالمى من أمثال شكسبير وغوته وهولدرين واينار ماريا ريلكه وفرانزكافكا وفلوبير وبودلير.

وعقب حصوله على شهادة الباكلوريا، سافر إلى فرنسا عبر برلين ليدرس الطب فى مدينة "تور" حيث ظل هناك سنة عرف فيها البؤس والوحدة فى أوحش مظاهرهما، وخلالها التقى بطلبة إسبان تروتسكيين وجمهوريين فارّين من الحرب الأهلية التى كانت تحرق الأخضر واليابس فى بلادهم. وفى بداية صيف 1939 عاد إلى رومانيا لقضاء عطلة الصيف غير أن الحرب اندلعت فى خريف ذلك العام "الأصفر" على حد تعبير أحد الشعراء، مجبرة إياه على المكوث فى بلاده.

وعند احتلال الروس لمسقط رأسه بوكوفينا وذلك عام 1940، تعلّم باول تسيلان اللغة الروسية وشرع فى ترجمة ايسنين. وإثر سقوط وثيقة "الوفاق السوفياتية الجرمانية" التى أمضاها كل من هيتلر وستالين، غادر الروس بوكوفينا وذلك فى صيف عام 1941، واستولى الحلف الفاشى الرومانى – الألمانى على السلطة.

وعندئذ بدأت المتاعب الكبيرة بالنسبة إلى باول تسيلان وعائلته وجميع أبناء جنسه من اليهود. وفى عام 1942، توفى والده بالتيفوس فى أحد معسكرات الاعتقال النازية.

ولم تلبث أمه أن قتلت برصاصة فى العنق. أما هو فقد سيق مع آلاف الشبان اليهود إلى أحد معسكرات العمل الاجباري. ولكى يتمكن من تحمل العذاب اليومى الذى كان مسلطا عليه، لم يجد باول تسيلان ملجأ آخر غير الكتابة. فشرع يكتب فى الخفاء، ويحفر فى الكلمات بحثا عما يمكن أن يضيء تلك العتمة التى تحيط به، ويمنح معنى للعدم الممتد أمامه بلا نهاية.. ومعبرا عن المعاناة اليومية فى معسكر العمل الاجباري، كتب باول تسيلان قصيدة عنوانها "تسلسل الموت" وفيها يقول:

حليب الصبح الأسود نشربه مساء

نشربه ظهرا وصباحا ونشربه ليلا

نشرب ونشرب

نحفر قبرا فى الأعالى حيث يتمدد المرء بسعة

رجل يسكن فى البيت، يلعب مع الأفاعى يكتب

يكتب حينما يحل الغسق فى المانيا شعرك الذهبى مارجريتا

يدوّنه ويخطو أمام البيت والنجوم تومض ينادى صافرا كلابه

ينادى صافرا يهوده من أجل الظهور ويأمر بان يحفر

قبر فى الأرض ويأمرنا بأن نعزف للرقص

وفى القصائد التى كتبها باول تسيلان بين 1938 و1944، تبدو تأثيرات شعراء من أمثال ريلكة وتراكل وهولدرلين وستيفان جيورج والسالاسكر شولر واضحة بينة. مع ذلك كان له فى هذه القصائد حضوره الخاص، ونغمته الدالة على شاعريته وهى تنضج على نار هادئة.

فى عام 1944، عاد باول تسيلان إلى بوكوفينا التى لم تلبث أن وقعت تحت الاحتلال السوفياتي. وحالما وضعت الحرب الكونية أوزارها عمل قارئا لدى ناشر فى العاصمة الرومانية بوخارست متخصصا فى الأدب الروسي.

فى الآن نفسه واصل دراسته الجامعية، مركزا جهوده على تعلم اللغة الانجليزية. وفى هذه المرحلة من حياته اكتشف السورياليين، وتأثر بهم. وهذا ما يتجلى فى جملة من القصائد مثل "أغنية امرأة فى الظل" التى يقول فيها:

عندما تجيء الصموتة لقطع أزهار الخزامى

من الذى يربح؟

ومن الذى يخسر؟

ومن الذى يذهب إلى النافذة

ومن هو الأول الذى ينطلق باسم الصموتة

هناك من يحمل خصلات شعري

يحملها كما يحمل الأموات على الأيدى

يحملها كما كانت السماء تحملها فى تلك السنة التي

كنت فيها عاشقة

يحملها بخيلاء على هذا الشكل...

هذا يربح

وهذا يخر

وهذا يذهب إلى النافذة

وهذا لا ينطق باسم الصموتة

ولم يكن من الغريب فى شيء أن يتأثر باول تسيلان بالسوريالية. ففى بوخارست، حيث كان يعمل ويدرس، ظهرت البوادر الأولى لهذه الحركة الأدبية الطلائعية متمثلة فى كل من تريستان تزارا ويوجين يونيسكو، وفورونكا، وسيوران وغيرهم. وفى نهايات عام 1947، وبمساعدة المهربين، غادر باول تسيلان رومانيا سرا باتجاه العاصمة النمساوية فيينا، غير أنه لم يعثر هناك على ما يمكن أن يداوى جراحه، ويحرّضه على مواصلة عمله الابداعي.

مع ذلك، تمكن من أن ينشر البعض من قصائده فى مجلة أدبية تحمل اسم "PLAN" وارتبط بعلاقة غرامية مع طالبة شابة تدعى اينغيبورع باخمان كانت تعد اطروحة حول فلسفة هايدغر. وسوف تصبح هذه الطالبة شاعرة وكاتبة مشهورة فى ما بعد. وسوف تعرف هى أيضا نهاية مأساوية اذ أنها ماتت محترقة فى روما فى 16 أكتوبر/تشرين الأول 1973.

فى صيف عام 1948، وصل باول تسيلان إلى باريس ومنذ البداية بدت له المدينة الأكثر انسجاما وتوافقا مع طموحاته ومشاريعه الأدبية. مع ذلك كان عليه أن يواجه العديد من المصاعب والعراقيل.

ولكى يعتاش، شرع يعطى دروسا فى اللغة الألمانية ويقوم بترجمة البعض من أعمال جان كوكتو وغيوم أبولينير. فى الآن نفسه انتسب إلى جامعة السربون التى ظل يتردد عليها حتى عام 1953، وقد فكر فى اعداد اطروحة عن كافكا غير أنه تخلى عن ذلك ربما بسبب المتاعب المادية التى كان يواجهها آنذاك.

وفى نهايات عام 1952، تزوج باول تسيلان من الفنانة جيزال ليترانج، وأصدر فى مدينة شتوتغارت الالمانية ديوانا حمل عنوان "خشخاش وذاكرة" وفى قصيدة "فى مصر"، وهى واحدة من قصائد الديوان المذكور، يقول باول تسيلان:

عليك أن تقول لعين الغريبة: كونى الماء

عليك أن تبحث فى عين الغريبة عن اللاتى تعرف أنهن فى الماء

سميهن: راعوت!نعمى!مريم!

انظرن.. ها أنا أرقد مع الغريبة!

عليك أن تجعل الغريبة التى بجنبك أجملهن

وأفضلهن زينة

زيّنها بلوعه ذكرى راعوت ومريم ونعمى

وقل للغريبة:

انظري.. ها أنا أرقد معهن!

وفى قصيدة "كورونا" التى من نفس الديوان، يقول باول تسيلان:

من يدى يأكل الخريف ورقته: نحن صديقان

نحن نخلص الوقت من قشرة الجوز: نحن صديقان

نحن نخلص الوقت من قشرة الجوز ونعلمه المشي

الوقت يعود إلى قشرة الجوز

فى المرآة يوم الأحد

فى الحلم نحن نرقد

الفم يتكلم دون أن يكذب

عينى تهفو إلى كفل المحبوبة

كل واحد منا ينظر إلى الآخر

نحن نتبادل الحديث بكلمات غامضة

ونحن نتحاب كخشخاش وذاكرة

ونحن ننام كالخمر فى المحار

وكالبحر فى شعاع الدم المنبثق من القمر

نحن هنا متحاضنان عند النافذة، وهم ينظرون

إلينا من الشارع:

لقد حان الوقت لكى نعرف!

حان الوقت لكى تقرر الحجرة أخيرا أن نزهر

وعلى قلبها أن ينبض فى غياب الراحة

حان الوقت لكى يحين

حان الوقت!

وفى عام 1955، أصدر باول تسيلان ديوانا ثانيا أسماه: "من عتبة إلى عتبة" وفى احدى قصائد هذا الديوان وعنوانها "الصيف" هو يقول:

بالتأكيد قبل المساء

يدخل بيتك ذلك الذى تبادل التحية مع العتمة

وبالتأكيد قبل طلوع النهار ينهض

وقبل أن يغادر يؤجج رقادا،

رقادا يرنّ بخطواته:

تسمعه يجتاز الأبعاد بخطوات واسعة

ويطلق هناك بعيدا بعيدا روحك

بهذين الديوانين "خشخاش وذاكرة" و"من عتبة إلى عتبة" قطع باول تسيلان المجروح القلب والروح بسبب الماضى الأسود، شوطا مديدا وهاما فى مجال تطوير تجربته الشعرية، واجدا لنفسه طريقا خاصا به وحده، وناحتا لغة متميزة لفتت له أنظار كبار النقاد الألمان.

وقد كتب أحدهم يقول: "ما نلاحظه فى ديوانى "خشخاش وذاكرة" و"من عتبة إلى عتبة" هو أن باول تسيلان بدأ يتخلى شيئا فشيئا عن الأوزان الكلاسيكية القديمة، ويكثف قصائده أكثر فأكثر، ويمنح لكل كلمة النغم الخاص بها، ويبنى قصيدته بناء محكما بحيث يكفى أن تزيل كلمة منها حتى تتداعى للسقوط.. ومن المؤكد أن هذا النضج الذى اكتسبه باول تسيلان فى ديوانيه المذكورين كان ثمرة احتكاكه من خلال الترجمات التى كان يقوم بها بشعراء عالميين كبار من أمثال رنيه شار وبول فاليرى وجيل سوبرفيال وهنرى ميشو والكسندر بلوك وماندالشتام، وايسنين واونغراتى وغيرهم.

وانطلاقا من أواخر الخمسينات، سوف يزداد إنتاج باول تسيلان غزارة، وسوف يسجل حضوره بقوة فى المشهد الشعرى للناطقين بلغة غوته وشيللر وهولدرلين، ففى عام 1959 أصدر مجموعة شعرية جديدة بعنوان "شبكية الكلمات" وبعد ذلك بأربعة أعوام، وتحديدا فى عام 1963، أصدر "زهرة لا أحد" مهديا اياها للشاعر الروسى الكبير ماندالشتام الذى مات جوعا فى سيبيريا بعد أن نفاه ستالين إلى هناك بسبب قصيدة قصيرة هجاه فيها هجاء مقذعا. وفى واحدة من قصائد هذا الديوان يقول باول تسيلان:

لا أحد سيجبلنا ثانية من الرمل والطمي

لا أحد سيهمس بالكلمة لغبارنا

لا احد

بوركت أنت، أيها اللاأحد

اكراما لك نريد أن نزهر

قبالتك ورغما عنك..

لاشيء هكذا كنا، وهكذا نحن، وهكذا سنظل

مزهرين: زهرة العدم، زهرة لا أحد

وفى قصيدة موندورلا، يقول باول تسيلان:

فى اللوزة، ماذا فى اللوزة؟

العدم. العدم

فى العدم، من ذا الذى هو هناك، ومنتصب؟ الملك

الذى هناك هو الملك انه هناك وسيظل كائنا

خصلة اليهودي، انك لن تشيبي

وعينك.. لأى وجهة تنظر عينك؟

عينك تبقى بمواجهة العدم

تبقى بجانب الملك

هكذا تبقى لأنها هكذا، وهكذا ستظل

خصلة الكائن، انك لن تشيبي

لوزة فارغة، ملك أزرق

وبالرغم من احرازه على جائزة "بوخنر" الألمانية المرموقة، والتى لا تمنح الا لمن اثبتوا قدرة كبيرة فى مجال الكتابة والإبداع، وبالرغم من أنه بات يحظى بالتقدير والاحترام والتبجيل فى الأوساط الأدبية فى كل من المانيا وفرنسا، فان باول تسيلان ظل مشدودا إلى ماضيه المروّع الشيء الذى كان يسبب له عذابات يومية، وبين وقت وآخر أزمات نفسية حادة، وانهيارات عصبية. وفى أغلب القصائد التى كان يكتبها، ظلت فكرة تذنيب الألمان بشأن ما وقع لوالديه، وبشأن "الهولوكوست" عموما حاضرة بقوة. وملمحا إلى ذلك، هو يخاطب فى احدى هذه القصائد امرأة المانية تدعى "ماريانا" قائلا:

شعرك بلا ليلك، وجهك من زجاج مرآة

الغيمة تمرّ من عين لعين، كسدوم نحو بابل

كورقة تهدّ البرج وتعربد حول عروق الكبريت!

عندما يرجفك برق حول فصل، تلك الهوة

مع بقايا الكمان

وواحد باسنان ثلجية يقود القوس: آه رنين القصب احمل!

معشوقة أيضا، أنت القصب ونحن المطر

جسدك نبيذ لا مثيل له، ونحن عشرة نعب الشراب

قلبك مركب من القمح ونحن المجدفين نجرّه نحو الليل

ابريق صغير أزرق أنت، تقفزين خفيفة فوقنا

ونحن، نحن ننام..


المصدر : العرب

تعليقات