شربل داغر... الرسول بين خبر وصورة صفات جسمانية للرسول (2 من 2). - الرومي

الخميس، 29 أكتوبر 2020

شربل داغر... الرسول بين خبر وصورة صفات جسمانية للرسول (2 من 2).






(أنهيت، في السنة المنصرمة، كتابًا عن الفن والفقه، وعن الصراع على الصورة. أكتفي، أدناه، في تدوينتين متتاليتين، بنشر أجزاء من الفصل الثامن من الكتاب، وتخص "مسألة" تصوير الرسول الني تختلف، في المدونة، بين أخبارها وإنتاجاتها، عما هي عليه في إعلام يهوى وينشر تلفيق الأخبار، أو يتسرع في شدّ معانيها، بما يناسب السياسة والعنف وكره الآخر.

هنا، التدوينة الثانية والأخيرة).

يشتمل كتاب الحسين بن مسعود البغوي (432 هـ-516 هـ)، "الأنوار في شمائل النبي المختار" أوصافًا عديدة في جسمانية الرسول، ومنها في هيئته : كان علي بن أبي طالب إذا وصف الرسول قال : "لم يكن بالطويل الممغط (أي : البائن الطويل)، ولا بالقصير المتردد. وكان رَبْعة من القوم، ولم يكن بالجعد القَطَط، ولا بالسَبط، كان جعدًا رجلًا، ولم يكن بالمطهم (أي : المنتفخ الوجه)، ولا بالمكلثم، وكان في وجهه تدوير، أبيض مشرَّب، أدعج (أي : شدة سواد العين) العينين، أهدب (أي : طويل) الأشفار (أي : الأهداب)، جليل المشاش (أي : عظيم رؤوس العظام)، والكتِد (أي : مجتمع الكتفين)، أجرد ذو مسربة، شئن الكفين والقدمين، إذا مشى تقلع كأنما ينحط في صبب، وإذا التفتَ التفتَ معًا".

كما كان النبي، "إذا مشى مشى مشيًا مجتمعًا يُغرف أنه ليس بمشي عاجز ولا كسلان". فقد كان "يطأ بقدميه ليس له أخمص (أي : موضع لا يلصق بالأرض عند الوطء)، يُقبل جميعًا ويُدبر جميعًا، لم أرَ مثله". وكان أيضًا "إذا مشى كأنما يمشي في صبوب (أي : من مكان مرتفع)".

وتَنقل مرويات أخرى عن كيفيات جلوسه : "رأيت رسول الله (صلعم) بفناء الكعبة محتبيًا (أي : ما يشير إلى جلسة الأقوياء) بيده"؛ كما يروي آخر عنه أنه رآه وهو "قاعد القرفصاء"؛ وكان "إذا جلس في المجلس احتبى بيديه".

ومما ورد في الكتاب، عن لباس الرسول، أحاديث وذكرٌ لـ: الحبرة، والقميص؛ وأنه "ما اتخذَ قميصًا له زر"؛ وكان له قميص قطني، "قصير الطول، قصير الكمين"؛ وكان كمُّه "إلى الرصغ" (أي : الرسغ)؛ وكان يلبس قميصًا "فوق الكعبين، مستوي الكمين بأطراف أصابعه"؛ وعليه – مرة – "ثوب قطر" (نسبة إلى قطر) قد توشح به".

وهناك أوصاف غيرها تتكفل بتعبيرات الرسول الوجهية والانفعالية : "كان النبي (صلعم) إذا سُرَّ استنار وجهُه كأنه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه". وكان "يعرف رضاءه وغضبه بوجهه، كان إذا رضي فكأنما مُلاحك الجدر وجهه، وإذا غضب خُفَّ لونُه واسودَّ، وقال أبو بكر : سمعتُ أبا الحكم الليثي يقول : هي المرآة توضع في الشمس فيرى ضوءها على الجدار، يعني قوله ملاحك الجدر". وهو ما تنقله عائشة بدورها : "ما رأيتُ رسول الله (صلعم) مستجمعًا قط ضاحكًا حتى أرى منه لهواته (أي : جمع لهاق، وهي قطعة لحم في أقصى الحلق)، إنما كان يبتسم". ومما نقل أيضًا : "ما رأيت أحدًا أكثر تبسمًا من الرسول"، "وأكثر مزاحَا" (ص 247). كما نجد غيرها : "كان (الرسول) إذا غضب أعرض وأشاح، وإذا فرح غضَّ طرفه، جل ضحكه التبسم. يفتر عن مثل حبة الغمام"...

لا يختلف كتاب القاضي عياض، أبي الفضل عياض بن موسى بن عياض اليخصبي (467 هـ -544 هـ)، "الشفا بتعريف حقوق المصطفى"، عن سابقيه، إذ يعود إلى المرويات عينها، ويستدل بآراء مفسرين ومحدِّثين وفقهاء، ما يدخل في صورة مؤكدة في "التعظيم المسبق" لما لهيئته أن تكون عليه : "فاعلمْ (...) أنكَ إذا نظرتَ إلى خصال الكمال التي هي غير مكتَسَبة، وفي جِبلة الخِلقة، وجَدْتَه حائزًا لجميعها، محيطًا بشتات محاسنها، دون خلاف بين نقلة الأخبار لذلك". وهو ما يستكمله القاضي عياض إذ ينصرف إلى الوصف الجسماني : "أما الصورة وجمالها، وتناسبُ أعضائه في حُسنها، فقد جاءت الآثار الصحيحة والمشهورة الكثيرة بذلك، من حديث علي، وأنس بن مالك، وأبي هريرة، والبراء بن عازب، وعائشة أم المؤمنين (...) وغيرهم، من أنه (صلعم) كان أزهرَ اللون، أدعج، أنجل، أشكل، أهدب الأشفار، أبلج، أزجّ، أقنى، أفلج، مدور الوجه، واسع الجبين، كثّ اللحية تملًا صدره، سواءً البطن والصدر، واسع الصدر، عظيم المنكبين، ضخم العظام، عَبْلَ العضدين والذراعين والأسافل، رحب الكفين والقدمين، سائل الأطراف، أنور المتجرد، دقيق المَسْرُبة، ربعةَ القد، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير المتردد، ومع ذلك فلم يكن يماشيه أحد ينسب إلى الطول إلا طاله (صلعم)، رَجِلَ الشَّعر، إذا افترَّ ضاحكًا، افترَّ عن مِثْل سنا البرق، وعن مثل حَبِّ الغمام، إذا تكلم رُئيَ كالنور يخرج من ثناياه، أحسنَ الناس عنقًا، ليس بمُطَهَّم (أي السمين الفاحش) ولا مُكَلْثَم (أي البادن كثير اللحم)، متماسك البدن، ضَرْب اللحم (أي : قليل لحم البدن)".

وهو ما يجده الدارس في أوصاف كثيرين : قال البراء بن عازب : "ما رأيت من ذي لَمَة (أي : ما طال من شعر الرأس في أحد جانبيه) في حلة حمراء أحسن من رسول الله (صلعم)". وقال أبو هريرة : "ما رأيتُ شيئًا أحسن من رسول الله (صلعم)، كأن الشمس تجري في وجهه، وإذا ضحك يتلألأ في الجُدُر (أي : جمع جدار)".

قال جابر بن سمرة عن رجل : "كان وجهه (صلعم) مثل السيف، فقال : لا، بل مثل الشمس والقمر. وكان مستديرًا". وورد في حديث ابن أبي هالة : "يتلألأ وجهه تلألأَ القمر ليلة البدر". كما حدث سفيان بن العاص وغيره وصولًا إلى أنس : "ما شممتُ عنبرًا قط، ولا مِسكًا، ولا شيئًا أطيب من ريح ؤسول الله (صلعم)". كما قال جابر بن سمرة أن الرسول مسح خده، "فوجدتُ ليده بَرْدًا وريحًا، كأنما أخرجها من جونة (أي : صندوق خشبي صغير للعطر) عطّار". وقال غيره : "مسَّها بطيب أو لم يمسها، يُصافح المصافَحَ فيظل يومه يجد ريحها؛ ويضع يده على رأس الصبي فيُعرف من بين الصبيان بريحها". وحكى البيهقي عن عائشة أنه كان (الرسول) إذا أراد أن يتغوط، "انشقت الأرض فابتلعت غائطه وبوْله، وفاحت لذلك رائحة طيبة"، وغيرها من الأحاديث الموافقة.

وقال الحسن بن علي عن خاله هند أبي هالة عن "حلية" الرسول (ذكرَه الترمذي) : "كان رسول الله (صلعم) فخمًا مفخمًا، يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر، أطول من المربوع، وأقصر من المشذَّب، عظيم الهامة، رَجِلَ الشعر؛ إن انفرقت عقيقته فرق، وإلا فلا يجاوز شعره شحمة أذنه، إذا هو وَفَره، أزهرَ اللون، واسع الجبين، أزَجَ الحواجب، سوابغ (أي : طوال كاملة)، من غير قَرَن (أي : اقتران واتصال)، بينهما عِرْقُ يُدِرُه الغضب (أي : يظهره لعليان الدم بالغضب بعد ما كان خفيًّا)، أقنى العِرْنين، له نور يعلوه، ويَحسبه من لم يتأمله أشمّ، كثَّ اللحية، أدعج، سهل الخدين، ضليع الفم، أشنبَ، مفلَّجَ الأسنان، دقيق المسْرَبة، كأن عنقه جِيدُ دُميةٍ في صفاء القضة، معتدل الخَلق، بادنًا، متماسكًا، سواء البطن والصدر، مشيح الصدر، بعيدَ ما بين المنكبين، ضخم الكراديس، أنور المتجرد (أي : ما خفي من البدن)، موصول ما بين اللبَّة والسرة بشعر يجري كالخط، عاري الثديين، ما سوى ذلك (أي : ما سوى الشعر...)، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر، طويل الزندين، رحب الراحة، شئِنَ الكفين (أي : الضخم الممتلىء) والقدمين، سائل الأطراف، سبط العصب (أي : ممتد)، خُصان الأخمصين، مَسِح القديمن، ينبو عنهما الماء، إذا زال زال تقلعًا، ويخطو تكفأً، ويمشي هَوْنًا، ذَريع المشية، إذا مشى كأنما ينحطُّ من صبب، وإذا التفت التفتَ جميعًا (أي : يحرك جميع بدنه في الوقت عينه)، خافضَ الطرف (أي : العين)، نظرُه إلى الارض أطول من نظره إلى السماء، جلُّ نظره للملاحظة، يسوق أصحابه، ويبدأ من لقَِيه بالسلام".

الصور : 

مزوقة في مخطوط إسلامي يعود إلى العام 1307 م. للمصور رشيد الدين فضل الله.

النبي بين الأنبياء في كتاب مصور يعود إلى القرن السادس عشر.

معراج الرسول لنظامي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق