محمود درويش في باريس (1983-2008)



فاروق مردم بك


قال محمود درويش في العديد من مقابلاته إنّه وُلد شعريّاً على دفعات، وإنّ باريس كانت مكان مولده الشعريّ الحقيقيّ، فهي التي أتاحت له، كما قال، أن يُكرّس جلّ وقته للقراءة والكتابة، وأن يتأمّل أحوال الوطن والعالم وأشياء الحياة، بعيداً إلى حدٍّ ما عن هموم السياسة اليوميّة. كتب محمود في باريس "وردٌ أقلّ" و" ذاكرة للنسيان" و " هي أُغنية هي أغنية" و " أحد عشر كوكباً " و "أرى ما أريد" و "لماذا تركت الحصان وحيداً" وأغلب قصائد " سرير الغريبة"، وفيها بذر بذور " الجداريّة" و" لا تعتذر عمّا فعلت" و " كزهر اللوز أو أبعد" و " أثر الفراشة" التي نمت وأينعت في عمّان ورام الله. عاش في باريس بين 1983 و1995 أكثر من عشر سنين تخلّلتها إقامات قد تطول او تقصر في تونس، ولم تنقطعْ علاقته بالعاصمة الفرنسيّة بعد ذلك، منذ عودته إلى الوطن حتّى وفاته في 2008. وإذا كان من حقّنا ألّا نُوافق درويش في قسوته المُفرطة على شعره في مرحلتيه الجليليّة والبيروتيّة، وفيهما قصائد ايقونيّة، إذا صحّ التعبير، تتردّد دائماً في ذاكرتنا الجمعيّة، فلا بدّ لنا أيضاً من أن نأخذ مأخذ الجدّ تقييمه الذاتيّ لإنتاجه الباريسيّ.


صدرت اوّل ترجمة لشعر محمود درويش إلى الفرنسيّة في العام 1970، عن دار نشر لوسيرف الكاثوليكيّة، مُتزامنةً مع أوّل ما تُرجم لنجيب محفوظ (" زقاق المدقّ "). وتضمّنت هذه الترجمة الرائدة مُختاراتٍ من " أوراق الزيتون"، و "عاشق من فلسطين"، و " آخر الليل"، و"حبيبتي تنهض من نومها"، أي من جميع الدواوين التي نشرها درويش قبل خروجه من فلسطين في 1970، باستثناء "العصافير تموت في الجليل". مضى بعد ذلك زمنٌ طويل قبل أن تصدر في 1988، عن دار منوي، التي كانت قد احتضنت مجلّة الدراسات الفلسطينيّة (الفرنسيّة اللغة) منذ عددها الأوّل، أنطولوجيا وافرة بترجمة الشاعر المغربيّ عبد اللطيف اللعبي، عرّفت الجمهور الفرنسيّ بأعمال محمود حتّى خروجه من بيروت في 1982، وتبعتها في الدار نفسها كرّاسةٌ احتوت قصيدة " عابرون في كلامٍ عابر" والسجال الذي أثارته في إسرائيل، وبعدها بسنةٍ واحدة ترجمة اللعبي لديوان "وردٌ أقلّ ".  ولا شكّ في أنّ نشر هذه الكتب الثلاثة في فرنسا  بحضور محمود ركزت اسمه في المشهذ الثقافي الفرنسيّ، إلّا أنّ ما بوّأه فيه مكانته العالية كان التزام دار أكت سود في 1992 (ولم أكن بعد مديراً لسلسلتها العربيّة !)، بترجمة " أحد عشر كوكباً " و "ذاكرة للنسيان" ،  فنُشرا في 1994 ولقيا ترحيباً حارّاً في الصحافة وبيعت متهما ألوف النسخ، وتوالت تباعاً ترجمة أعماله بهمّة الصديق الياس صنبر، بُعيد صدورها باللغة العربيّة، واغتنت بأنطولوجيا ثانية في أهمّ سلسلة شعريّة في فرنسا (سلسلة" شعر" في دار غاليمار، في العام 2000)، واستمرّت بعد وفاته حتّى بلغ عدد كتبه المُتوفّرة في المكتبات الفرنسيّة واحداً وعشرين كتاباً. ويتعدّى هذا الرقم بكثير مجموع ما تُرجم إلى الإنكليزية أو الإسبانيّة أو غيرهما من اللغات.


ولا أُبالغ إذا قلت إنّ مبيعات أكثر هذه الكتب منذ 1994 تتجاوز مبيعات أغلب الشعراء الأحياء، إنْ لم يكن جميعهم، بمن فيهم الطبقة الأولى من الفرنسيّين، ولا إنّ محمود كان الشاعر الوحيد القادر على حشد جُمهورٍ واسع من مُختلف الأعمار في الأمسيات الخاصّة به، من جامعة السوربون في باريس، في إطار مهرجان " الأجنبيّات الجميلات" الذي نظّمته وزارة الثقافة الفرنسيّة في 1997 للتعريف بالأدب الفلسطينيّ إلى المسارح الكبيرة في بوردو وتولوز والهافر وإكس أن بروفانس، وإلى الأوديون في باريس والمُدرّج الروماني في آرل. ولا يمرّ شهرٌ منذ وفاته لا تتلقّى فيه دار أكت سود عرضين أو أكثر من مُخرجين أو مُمثّلين أو موسيقيّين لقراءة قصيدةٍ أو مسرحتها أو تلحينها، وقد دُهشتُ في أيلول الماضي، في مهرجان معهد العالم العربيّ بمناسبة الذكرى العاشرة لغيابه، بسماع مُغنّين ومُمثّلين يُنشدون شعره بالفرنسيّة على وقع موسيقى الجاز والبلوز والروك، ممّا يعني حضوراً مستمرّاً باقياً.


 أسعدني الحظّ في الثمانينات، بعد أن استقرّ محمود في باريس، بالتعرّف إليه عن كثب، ولعلّنا التقينا في تلك السنوات مرّتين أو ثلاث في كلّ أسبوع، وحيدين أو برفقة بعض أصدقائه المُقرّبين مثل ليلى شهيد والياس صنبر وصبحي حديدي. وأسعدني الحظّ ثانيةً في التسعينات حين أصبحت ناشر ترجمات كتبه إلى الفرنسيّة، ومترجمَ أو المشاركَ في ترجمة ثلاثةٍ منها.  كنت أعمل منذ 1981 مع ليلى والياس في مجلّة الدراسات الفلسطينيّة التي كانت تُصدرها مؤسّسة الدراسات الفلسطينيّة باللغة الفرنسيّة، وكان محمود سنداً لنا في عملنا ومرجعاً أميناً، ثمّ تطوّرت علاقة كلٍّ منّا به إلى صداقةٍ شخصيّة متينة. وفي هذا الصدد، تحضرني بطبيعة الحال عشرات الذكريات عن حياته اليوميّة وعاداته المُتأصّلة ووفائه وسخائه وتعليقاته الجادّة أو الساخرة على الأحداث الكبيرة والصغيرة وأجوبته المُسكتة. ولو توفّر الوقت لرويت الكثير، على سبيل التفكهة، عن مُناوشاتنا التي استمرّت طويلاً، ولم تُحسم لصالحه أو لصالحي، في شأن المُفاضلة بين الفطبول البرازيلي والفطبول الأرجنتيني، أو في مسألة ولعنا، نحن الدمشقيّين، بالكزبرة الخضراء التي كان لا يستسيغها حتّى في طبخة الملوخيّة والبامية!


إلّا أنّ ما أودّ أن أتحدّث عنه الآن، تحت هذا العنوان الفضفاض، "محمود درويش في باريس"، يقتصر على الأهمّ، أعني محمود الشاعر، وعلى ما رأيتُه وسمعتُه منه في السنتين الأخيرتين من حياته.


...


قلّما غاب الشعر عن ذهن محمود. كان يستنفر له حواسّه الخمس، ويتعقبّه طوال يومه في كلّ ما حوله، ويبحث عن ماهيّته في أشعار العرب الجاهليّين والعبّاسيّين والمعاصرين، وفيما ازدحمت به مكتبته من دواوين الشعر العالمي بالإنكليزيّة والعربيّة والعبريّة. قاده انشغاله بالإيقاع ("يختارُني الإيقاعُ، يشرقُ بي" كما كتب في أولي قصائد "لا تعتذر عمّا فعلت") إلى مُهادنة العروض وتطويع التفعيلة، وإلى التولّع بجرس الألفاظ، ثمّ إلى التعوّد على التنقيب اليوميّ في مُعجم " لسان العرب" عن الحقل الدلاليّ لكلمة ما خطرت له. وقد يذكر صبحي كيف كان محمود يروي لنا كلّما التقينا، باندهاشٍ ومتعة، ما اكتشفه في مُغامراته اللغويّة في رحاب ابن منظور. وربّما كان سعيُه الدائب إلى تعريف ما هو شعريٌّ في الشعر، بأغراضه المستجدّة وأدواته وصنعته، سببَ ما لا يعرفه عامّة جُمهوره من قلقه وحيرته وشكّه وجهده في الاطّلاع على رأي أصدقائه الموثوقين فيما انتهى من كتابته، ونادراً ما رضي عنه تماماً. ألمْ يسألْ صديقه يانيس ريتسوس في قصيدة " كحادثةٍ غامضة" (من ديوان " لا تعتذر عمّا فعلت"): "قلتُ ما الشعر؟ ما الشعرُ في آخر الأمر؟ / قال: هو الحدثُ الغامض، الشعر يا الشعرُ يا صاحبي هو ذلك الحنين الذي لا يُفسَّر / إذ يجعل الشيء طيفاً، وإذ يجعل الطيف شيئاً / ولكنّه قد يُفسِّر حاجتنا لاقتسام الجمال العموميّ.../ " ويُخيّل لي عندما اقرأ هذا المقطع أنّه هو الذي اجاب عن سؤاله، وليس ريتسوس...


كان محمود يقول لنا إنّ القصيدة تبدأ عنده بإيقاعها ثمّ تكتسي بالكلمات والصور. ولكن ما هو الإيقاع، يسأل، وما هي ضوابطه، وما الذي يُميّز إيقاع الشعر عن إيقاع النثر؟ أعتقد أنّ هذه الأسئلة الصعبة حكمت علاقته التي قد تبدو ملتبسةً بقصيدة النثر فجعلته يتمسّك دائماً بالتفعيلة إلى حدّ الالتزام بإحداها، فعولن، في ديوان " وردٌ أقلّ " من أوّله إلى آخره، ويعمل غالباً، في ترتيب سطوره الشعريّة، على إخفائها. ولذلك أيضاً لم يتنكّر للقافية، ولكنّه حشرها في كثيرٍ من قصائده في غير موضعها المعتاد في آخر السطر. كان يُتابع إنتاج شعراء النثر المُجيدين، وسمعتُه غير مرّةٍ يُشيد بهم، ويبدو لي أنّه حاورهم في بعض قصائده. ولا أدلّ على انشغاله بتحدّي قصيدة النثر التي هيمنت شيئاً فشيئاً منذ السبعينات من افتتاحه ديوان " كزهر اللوز أو أبعد" بجملةٍ من "كتاب الإمتاع والمؤانسة" لأبي حيّان التوحيدي: " أحسن الكلام ما قامت صورته بين نظمٍ كأنّه نثر، ونثرٍ كأنّه نظم."


ومن أمتع ذكرياتي عن محمود في أمر الشعر والشعراء رحلتنا في آب 2007 إلى مدينة ستروغا، على الضفّة الشماليّة لبحيرة أوهريد، في جمهورية مقدونيا، حيث مُنح جائزة التاج الذهبي للشعر، بعد نخبة من كبار شعراء القرن العشرين، ولحق بنا بعد وصولنا بيومين الصديقان سمير ووسام جبران.  وكان من طقوس الاحتفال أن يزرع الشاعر شجرةً باسمة في حديقة البلديّة، وان يُشارك بقصيدةٍ في أمسيةٍ شعريّة جماعيّة، ثمّ أن يقرأ، باعتباره ضيف الشرف، منتخباتٍ من شعره تُرجمت إلى لغة البلد المُضيف، وذلك في كنيسة أوهريد البيزنطيّة البديعة. وقد اتاحت لي الأيّام الأربعة التي أمضيناها في ستروغا، وخصوصاً نزهتنا في "حديقة الشعراء"، فرصةً فريدة لسؤاله عن علاقته بالشعراء الذين تُوِّجوا قبله، على أن نعود إليهم فيما بعد في مقابلةٍ طويلة لمجلّة الدراسات الفلسطينيّة – مقابلةٍ لم تتمّ مع الأسف، إلّا أنّي استعدت ما تذكّرته من حوارنا في مقالةٍ لمجلّةٍ فرنسيّة.


سألته مثلاً عن الشاعر البريطاني الأمريكي أودن في ظلّ الشجرة التي زرعها في 1971، فقال: " غريبٌ أمر الشعراء! هذا شاعرٌ عظيم لم يقرأه أكثر هواة الشعر في بلادنا حيث طغت شهرة إليوت، وربّما قلّ الاهتمام به حتّى في البلدان الناطقة بالإنكليزيّة، إلى أن ذاع صيته من جديد في العالم أجمع، بعد وفاته، بفضل قصيدةٍ واحدة قرأها ممثّلٌ شابٌّ في أحد الأفلام السينمائيّة"، وأضاف مبتسماً: "وليس بفضل تاجه الذهبيّ!" (والقصيدة المعنيّة هي " المرثية" الرائعة في فيلم مارك نيويل "أربعة أعراس وجنازة").


طالت بعد ذلك وقفتنا أمام شجرة بابلو نيرودا: " هذا بحر، محيط، مثل الباسيفيكي!" قال محمود. لم يذكرْ القصائد السورياليّة الأولى التي جمعها نيرودا في كتاب " الإقامة في الأرض" ولكنّه استفاض في التعبير عن إعجابه بملحميّة "النشيد الشامل"، وأكثر منها بغنائيّة " عشرون قصيدة حبّ وأغنية يائسة " و "مائة قصيدة حبّ". هل أراد أن يُحاوره في السوناتات الستّ التي تضمّنها ديوانُ "سرير الغريبة" ؟ " ربّما، لم لا ؟ وفي قصائد أخرى أيضاً، قد تجد في شعري أصداء نيرودا وغيره، لا أستطيع أن أحدّد لك كيف يتردّد صدى شاعرٍ ما في شعر شاعرٍ آخر. يكتب الكتّاب دائماً على كتاباتٍ سابقة. أليس هذا ما يقوله النُقّاد؟ "


وماذا عن ريتسوس الذي زرع شجرته في العام 1985؟ قال: " أنت تعرف كم أحبّ ريتسوس، وكم تدهشني قدرته على طرح المسائل الوجوديّة العميقة وعلى استخدام الأساطير ببساطةٍ آسرة في قصائده اليوميّة". تأكّدتُ من أنّه كان أقرب الشعراء إلى قلبه في تلك المرحلة من مسيرته الشعريّة، على الرغم من إعجابه الشديد بديريك والكوت، حين ادّعيت أنّ في بعض قصائد " لا تعتذر عمّا فعلت" و "كزهر اللوز أو أكثر"، شيئاً من ريتسوس ، ولم يحتجّ !


أتذكّر بدقّةٍ ثلاث محطّاتٍ أخرى في حديقة الشعراء، أوّلها تحت شجرة الشاعر الروسيّ أندريي فوزنيسينسكي المزروعة في العام 1984. سألت محمود لماذا لا يذكر في أحاديثه الشعر الروسي المعاصر على الرغم من أنّه عاش في موسكو في زمنٍ كانت فيه شعبيّة شعراءُ مثل فوزنيسينسكي وإيفتوشينكو وبيلّا أحمدولينا تضاهي شعبيّة نجوم الروك في بريطانيا أو الولايات المتّحدة.  " السبب، قال، أنّي كنت لا أعرف من اللغة الروسيّة إلّا بضع كلمات، ولم يكن هؤلاء الشعراء قد تُرجموا إلى العربيّة". لم أقنع بجوابه، فأضاف: " الحقيقة أنّي كنت شيوعيّاً آنذاك، وكانوا، هم، من المنشقّين المغضوب عليهم! ويمكن أن أقول هذا أيضاً عن جوزف برودسكي الذي نال التاج الذهبيّ، ولم أقرأ بعض شعره إلّا في السنوات الأخيرة. فهمت أنّه كان حريصاً جدّاً على الكتابة وفق قواعد عروضيّة دقيقة ممّا أثار اهتمامي، ولذا عجبت من السهولة التي هاجر فيها من اللغة الروسيّة إلى اللغة الإنكليزيّة".


في المحطّة الثانية، أمام شجرة الشاعر الإسرائيلي يهودا عميحاي، الذي حاز على التاج الذهبيّ في 1995، ردّد محمود ما قاله آنفاً في حواره الطويل مع عبده وازن عن استئثار اللغة بالمكان: " أتساءل حين أقرأ شعره عمّا إذا كانت الأرض التي يُسمّيها إسرائيل هي التي نسمّيها فلسطين. يصفها ببراعة، ولكّنّها في الحقيقة أرضٌ أُخرى تُغطّي معالم أرضي وتُخفيها."


سألته أخيراً عن إيف بونفوا، كبير الشعراء الفرنسيّين الأحياء، المُتوّج في 1999، هل قابله في أثناء إقامته الطويلة في باريس، فاكتفى بالتعبير عن أساه لأنّه لم يتعلّم من الفرنسيّة ما يكفي لقراءة الشعر الفرنسي بلغته الأصليّة: " يُهمّني ايقاع الشعر قبل كلّ شيء، كما تعلم، ولكلّ لغةٍ إيقاعٌ يصعب، بل يستحيل، على أبرع المُترجمين إعادة إنتاجه"


هذا الإيقاع الخاصّ بكلّ لغة هو ما حاولنا أن تنبيّنه في الأمسية الجماعيّة التي شارك فيها محمود أمام حشدٍ كبير من هواة الشعر، وألقى فيها أكثر من عشرين شاعراً قصائد بلغتهم. وحين انتهى الحفل، قلت له ونحن في الطريق إلى الفندق إنّ موسيقى اللغات الروسيّة والإنكليزيّة والإيطاليّة، وأنا لا أفهمها، أخّاذةٌ فعلاً، فتوقّف عن السير، ونظر إليّ مُفتعلاً الغضب: " واللغة العربيّة، يا ابن ال...، واللغة العربيّة؟ سأفضحك في باريس! "


....


غادرنا محمود إلى عمّان، ثمّ إلى رام الله، وعاد إلى باريس في أواخر أيلول، بمناسبة صدور الترجمة الفرنسيّة لمجموعة " كزهر اللوز أو أبعد"، مُلبّياً دعوةً من مسرح الأوديون ومن دار أكت سود إلى أمسيةٍ في 7 تشرين الأوّل يقرأ فيها بعض قصائده الأخيرة، ويقرأها بالفرنسيّة الممثّل القدير ديدييه ساندر، ويُرافقهما على العود الأَخَوان سمير ووسام جبران. ولن أنسى ما حييت نظرات محمود القلقة حين زار المسرح أوّل مرّة، متسائلاً عمّا إذا كان سيحظى بجمهورٍ يملأ نصف مقاعده، ولا دهشته حين رأى الإعلانات عن الأمسية في شوارع باريس، بعد يومين، وقد لُصقت عليها كلمة " كومبليه"، أي أنّ جميع تذاكر الدخول نفدت – هذا مع العلم بأنّ المسرح يتّسع لألف شخص وأنّ سعر البطاقة كان اثني عشر يورو! – ولا سعادته الغامرة، وسعادتنا، بمشهد العلم الفلسطيني وهو يُرفرف، يوم اللقاء الموعود مع الجمهور الفرنسيّ، على سطح المسرح، بجوار العلمين الفرنسي والأوروبي. حلّق محمود عالياً في تلك الأمسية، وكاد أن يبكي ويُبكينا في ختامها وهو يقرأ آخر أبيات" الجداريّة" بصوتٍ مًتهدّج، وكأنّه يودّعنا: " هذا البحرُ لي/ هذا الهواءُ الرطبُ لي/ واسمي وإن أخطأتُ لفظَ اسْمي على التابوت لي/ أمّا أنا – وقد امتلأتُ بكلّ أسباب الرحيل - / فلستُ لي / أنا لستُ لي/ أنا لستُ لي...


كان محمود يُدرك في قرارة نفسه، كما يظهر في شعره الأخير، أنّ إقامته في الأرض لن تدوم طويلاً، وكان بعض أصدقائه يُدركون ذلك مثله ويخشونه ويتحاشون الكلام عنه، معه أو فيما بينهم، إلى أن صارحه طبيبه الجرّاح، في حزيران 2008، بعد النظر في نتائج فحوصه الطبيّة الدقيقة، بأنّ الموت قد يدهمه بعد أسابيع أو أشهر قليلة، ونصحه بأن يُقاومه بالاستمتاع ما استطاع بكلّ دقيقة من أيّامه الباقية، وبأن لا يسعى إلى النجاة منه بعمليّة جراحيّة جديدة لا يُمكن، برأيه، وهو الذي أجرى له العمليّة السابقة، أن يُكتب لها النجاح. أذكر أنّنا كنّا على موعدٍ مع محمود في مساء ذلك اليوم، لحضور ندوةٍ لسعدي يوسف، فلم يُخلف الموعد على الرغم ممّا هو فيه، وتهلّل وجهه عندما استقبله سعدي، وتعانقا، ولم ينبس بكلمةٍ عمّا قاله الطبيب ولكنْ عرفنا فحواه من الصديقة ليلى شهيد التي رافقته في الزيارة.


وفي تمّوز، بعد أيّام قضاها بين عمّان ورام الله، عاد محمود إلى باريس بدعوةٍ من دار أكت سود بمناسبة الذكرى الثلاثين لتأسيسها، وكانت قد اتّفقت معه، ومع ديدييه ساندر والأخوين جبران، على أمسيةٍ في 14 تمّوز في المسرح الروماني الكبير في مدينة آرل. استقبلتُه في المطار قبل الموعد بيومين، ورافقته في القطار إلى آرل في اليوم التالي، وكان متجهّماً طوال الرحلة، ولم تنبسط أساريره عندما زرنا المسرح المهيب برفقة ليلى والياس، بل انتهرنا غاضباً: " هل أتيتم بي من عمّان لتبهدلوني؟ هذا المسرح يتّسع لألفي شخص، من يعرفني في هذه المدينة الصغيرة؟ " وبقي على حاله، متأفّفاً من كلّ شيء، حتّى في لقائه مع الصحافة يوم الأمسية، إلى أن رأى بأمّ عينيه، ونحن في طريقنا إلى المسرح، طابوراً من مئات الأمتار أمام شبّاك التذاكر، فابتسم ابتسامةً باهتة واتّجه ببطءٍ إلى المدخل حيث كانت تنتظره مُنظّمة اللقاء. وقد اجتمعتْ يومها للاحتفاء بمحمود جميعُ أسباب النجاح: عذوبة الجوّ، طيوف شمس الأصيل، ترحيب الجمهور الذي غصّت به مقاعد المسرح الحجريّة، تألّقُ الأخوين جبران في العزف. وما إن انتهى من قراءة قصائده حتّى ضجّ المسرح بالتصفيق والهتاف وتوجّه الجمهور بالمئات إلى المنصّة في حركةٍ عفويّة قال محمود إنّه لم يُحيَّ بمثلها من قبل، ومن جميل المُصادفات أنْ بدأت آنذاك الألعاب الناريّة في سماء أرل، كما جرت العادة في 14 تمّوز، يوم العيد الوطني، ممّا أشعرنا جميعاً بأنّا في لحظةٍ فريدة يصعب أن تتكرّر.


آخر ما أتذكّره عن محمود حديثنا المُقتضب في قطار العودة إلى باريس، في 15 تمّوز. كان ينظر من النافذة ساهماً لا يتكلّم، وبعد ساعتين أو اكثر لم أحاول فيهما أن أستدرجه إلى الكلام عمّا يشغله ويشغلني، أعني تلك القنبلة الموقوتة اللعينة التي قد تنفجر اليوم أوغداً أو بعد غد في جسمه النحيل، قال لي فجأة: " شكرأ، قلْ لهم شكراً ، كانت حقّاً أمسيةً جميلة، وربّما الأخيرة"، فأجبتُ مُتلعثماً: "لا، مستحيل، لن تكون الأخيرة، لا يحقّ لك ..." ولم أستطع أن أُكمل جملتي، وصمتنا حتّى وصولنا إلى باريس حيث كان صبحي بانتظارنا، فتعشّينا معاً، وتكلّمنا في أمورٍ شتّى ما عدا الأمر الأهمّ، وودّعناه على باب فندقه في حيّ سان جرمان، على أن نلتقي من جديد في تشرين الأوّل القادم على أبعد تقدير،  بمناسبة مهرجان الثقافة الفلسطينيّة، "مسارات" ، في بلجيكا، وكان محمود رئيسه الفخريّ - ولم نلتقِ...


كُتب لي، مع ذلك، لقاءٌ معه لا يُشبه أيّ لقاءٍ آخر، بتدبيرٍ من ليلى والياس، إذ حُمّلت حملاً ثقيلاً لم يخطرْ يوماً ببالي، هو أن أقرأ في المهرجان المذكور مختاراتٍ من شعره، في اليوم الذي كان سيقرأ فيه، وبرفقة ديدييه ساندر والأخوين جبران، كما اعتاد وكما كان مُتّفقاً معه من قبل. ولا أعرف حتّى الآن كيف قبلت، وكيف ضبطتُ مشاعري المُتضاربة بالفقد والرهبة والخجل والفخر، وكيف تمكّنت من الوقوف حيث كان سيقف لو أمهله الموت، وكيف قرأت. ما أذكره فقط هو أنّي ما إنْ أتممتُ ما كُلّفتُ به حتّى انتحيت جانباً بعينين دامعتين، وأنّ محمود همس في أُذني مُواسياً: " لا تعتذرْ عمّا فعلت"!

تعليقات