محمود درويش وجمهوره ونحن في الغابة المسحورة- وضاح شرارة





كان محمود درويش، شاعراً وكاتباً ربما امرءاً يومياً (ولا علم لي بالوجه الأخير)، محل إجماع "عربي". ولم يكن خلافياً، بحسب نسبة كان من أول مشيعيها، ومن أكثر مستعمليها استعمالاً لها. فاستقبله الجمهور، أينما حل أو حط استقبال الأهل المقيمين الابن العائد من السفر والرحلة. ولم تشق عودته، او زيارته بين الوقت والوقت، الأهلَ حزبين، على خلاف عودة الابن الضال. ولم تغلق عاصمة عربية، لا في المشرق ولا في المغرب، بواباتها، لا بوابات السرايات ولا بوابات "الأسواق" والأرباع والخطط، في وجهه. وعلى خلاف قوله: "يحبونني ميتاً..."، أحبه "العرب" حياً، ربما "ليقولوا: لقد كان منا، وكان لنا"، على قوله حادساً حدساً ثاقباً في أهواء الجمهور ـ وهو ممن صنعوا هذه الأهواء، وكانت له يد في صناعة الجمهور قد لا تكون قصيرة. و"كان" هذه، على ما هو جلي، نافلة. وحاضر "يحبونني" هو الصواب في محياه ومماته. ومشهد "يحبونني ميتاً" (وهي بعض "ورد اقل")، ويفترض انه يروي "اغتيال الشاعر في ختام محاكمة تحاكي محاكمة الناصري، متحول ومفتعل من ألفه الى يائه.


وهو حقاً "منا" و"لنا". ولم يحمله قول الشعر وكتابته، إذا صح ان محمود درويش "كتب" الشعر، على الهيام في واد، فكيف بالهيام في "كل واد". وواديه، إذا لا بد من واد، هو في القلب من "بلدنا" و"أرضنا"، ومقام الركن من هذه وتلك. ولا ريب في ان طرفة بن العبد، ودرويش رجا الموتَ انتظاره الى حين الفراغ من قراءته، ليس المفرد إفراد البعير المريض والمتداوي على رغمه بالزفت والقطران. فهو قرين "الوجوديين"، و"حريتهم" و"نبيذهم الفرنسي" الذي يقع عليه قارئ الشاعر، او سامعه، في مواضع كثيرة من شعره. وهو أحصى في وصيته الطويلة والمفصلة، قبل ثمانية أعوام من رحيله، "تدابير جنازته". فنص: "حبوني بحرف النون، حيث تعب روحي سورة الرحمن في القرآن". وطلب إلى مشيعيه ان "امشوا صامتين معي على خطوات أجدادي". وزعم من قبل انه لا يريد من الشمس أكثر من ذهب "سال من كلمات الآذان" ("لماذا تركت الحصان وحيداً"). ومن هذا شأنه، أو هو قال ان هذا شأنه، ليس بينه وبين طرفة بن العبد أو بينه وبين الهائمين في وديان عبقر والملعونين الضالين، نسب ولا آصرة.


فالنون وسورة الرحمن وخطوات الأجداد وذهب كلمات الآذان السائل، إلى ما لا يحصى من أفعال الانتساب في مبتدأ قوله الشعر ("سجل: أنا عربي!"، "وطني ليس حقيبة"...)، كلها لا تخرج من الإجماع ولا عليه، ولا تنكر الجماعة، ولا لغتها وأخيلتها وصورها وما توكل إليه الجماعة جلاء او اصطناع المرآة التي ترى الى نفسها فيها على أبهى صورة، وتنتشي. والإجماع على صاحب "جدارية" و"سرير الغريبة"، وصاحب "آخر الليل" من قبلهما، إجماع نشوة ومنتشين. وفي كثير من شعره يبدو الشاعر الفلسطيني مكلماً نفسه ومنصتاً إليها على نحو ما يسمع الواحد صوته حين يتكلم، من داخل ومن حنجرته، على قول اندريه مالرو في روايته "الكينة الإنسانية" ("الشرط الإنساني"، على ما يكرر بعضهم). وهو في هذا يبدو مطمئناً الى وحدة صيغة المتكلم الواحد وصيغة المتكلم الجمع، أو الجميع أو الجماعة. ويبدو مطمئناً الى وحدة الحي والإنسي والفلسطيني العربي المسلم (من طريق القرآن ولغته، على ما أحسب).


وآية هذا توالدُ الاستعارات من الاستعارات، وتحدرها منها "صليبة"، أي من صلبها مباشرة، ومن غير وسيط أو دخيل يشكك في النسب أو يستدخل سلسلة رواة الأثر وحملته أباً عن جد، أو آباء عن أجداد ("على خطوات أجدادي"). فيتماسك الكلام، أو القول، بنسبه الذي لا يفارقه، ولا ينفك صاحب "لماذا تركت الحصان وحيداً" يرد إليه، وينصب شاراته فوق مضارب القول، ويرفعه على سارياتها. وفي أحدى قصائد "لماذا تركت الحصان..."، "في يدي غيمة"، مصدق للزعم هذا. فالقصيدة تروي ولادة ملكية (أو مولداً)، ولا تفارق الخيل الولادات الملكية، ولا تفارقها السروج، ولا ترتيب الناس على عارفين ولا على من "لا يعرفون لماذا" عليهم ان يسرجوا الخيل "في السهل". والوليد الملكي يولد في "مكان معد لمولده" هو "تلة من رياحين اجداده". ورياحين الأجداد قد تكون "خطواتهم"، على ما هي الحال في "جدارية"، أي مثالاتهم وطريقتهم ومناهجهم، ووديعة داخلهم في خارجهم ("لأُوْدع داخلي في خارجي"، على قوله في "جدارية")، إذا مال التأويل الى المعنى. وقد تكون رياحينهم القمح الذي امتلأت به أرواحهم، والأرض التي امتصتهم ملحاً ونثرتهم حشيشاً للحصان والغزالة".


ويحد الرياحين، وتلفتها، أفقا الفتوح الملكية وحدّاهما: الشرق والغرب. فلله المشارق والمغارب. الاسكندر، ويترجح نسبه على بعض الروايات العربية بين أبوة دارا (الفارسي) وأبوة فيليبوس (الرومي)، وهما اصلا الملك العظيم أو الامبراطورية، الاسكندر هذا "دوّخ" المشرق والمغرب. والمواقع والحروب الكبيرة يقودها القواد العظام من أعلى تلة. وعلامة المولد الثانية أو الثالثة إذا احتسبت الخيل واحتسب إسراجها، "زيتون قرب زيتونة". والزيتونة من سورة النور بمنزلة النون من سورة الرحمن. وهي "لا شرقية ولا غربية"، وهذا من دواعي التداعي. والزيتونة من بنات اللغة العربية القرآنية. فهي "في المصاحف"، محلاً وتعريفاً. وتتولى، حيث هي، إعلاء "سطح اللغة"، ومؤاخاة التلة الملكية والمشرفة على السهل والخيل. وللزيتونة نسب بالنور "يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه ناره نور على نور...". وهي كناية عن الكناية، أو التكنية والاستعارة من غير مس، على ما في الآية. ومن علامات إعداد المكان "لمولده": الدخان من اللازورد. ودخان القصيدة سماوي: "ثم استوى إلى السماء وهي دخان..." (من "فصلت")، "فارتقب يوم يأتي السماء بدخان مبين" (من سورة "الدخان")، وعلوي. ولئن انتفى اللازورد من ألفاظ التنزيل، فدخان السورتين يلحقه بالألفاظ هذه، وهي معجم شاعر المولد والموت ومنجمه، ومعينه ودليله ومرشده.


ودخان اللازورد السماوي، بجوار "سطوح اللغة" العالية، والزيتونة والتلة والشرق والغرب، لا يفتأ يعلو ويرتقي الى جوار الملأ الأعلى. فهو، الدخان "يؤثث هذا النهار لمسألة لا تخص سوى الله". والحق ان صحبة محمود درويش، والعين على الكتاب وسوره وآياته اتقاء الزلل والضلال "اللغويين" والشعريين، تلتبس حين يبلغ القارئ ما يلقيه الشاعر على عاتق النهار من تأثيث لمسألة تخصه سبحانه وتعالى وحده. وأحسب ان واصل من عطاء والنظام والجبائي، ودعك من الأشعري وأصحابه، قليلو العون والأود لمن حمّل نفسه مؤونة فهم "التأثيث" هذا. ولو حمله على "التأسيس"، لفظاً أو معنى، لم يشفع له، ولم يخفف حمله. فمسألة الفهم عن خالق "ليس كمثله شيء" معضلة لم تكف عن إرهاق المتكلمين والمتصوفة والمفسرين، ولم تعف عن بينيديكتوس السادس عشر، فكيف بها اذا لبست لباس "التأثيث"، وتركت لباس الخلق والتخيير والتسيير والقدر والجبر واللوح المحفوظ المعروف والمشهور. وانعطاف الشاعر الى الإلفة اليومية في تناول المسألة الجسيمة وجه من وجوه بلاغته. فهو يتعمد الخروج عن "مصطلح" يبدو انه استقر في عموده وحضنه، وجعل همه استيفاء بنائه المتجانس والاصطلاحي، الى عمود لفظي واصطلاحي آخر يستعير حجارته من معين آخر، ومقلع مختلف. ففي "جدارية"، بعد حرف النون وسورة الرحمن والأجداد، ييمم القول من طريق الناي "الأزلي"، الى وجه رعوي وأرضي، فيروزي أو رحباني، معالمه البنفسج على القبر، وليس سعف النخيل، والسنابل على التابوت، وليس على النعش وشقائق النعمان، الفينيقية الأدونيسية والعشتروتية. ويمهد هذا الى إعداد "الحقيبة": "فرشاة أسناني، وصابوني، وماكنة الحلاقة، والكولونيا، والكباب". وينزل المتكلم من علياء النون، وسر النقطة في السماء المقلوبة، وائتلاف فعل الخلق من متحرك وساكن في "كن"، ليحط ويترجل في نثر الدعاية التلفزيونية، وفي محادثة الموت حديث دعابة: "هل المناخ هناك معتدل؟"، أو يقصد الدعابة.


ويفضي هذا الى آذار، الشهر الذي ولد فيه الشاعر. وإذا لم يقع شاعر الشهر "المدلل" على رجع قرآني لشهره، لم تعيه دعوةُ رجعِه الإنجيلي، من خبيز يستقبل الصوم، وكنيسة وامرأة تصرخ في البرية وشجر سنديان. ويقول روائي المولد: "يولد الآن طفل/ وصرخته/ في شقوق المكان". وإذا لم يقل: "يولد لنا طفل"، على ما يكتب الإنجيليون، فربما لعسر استدراج الملوك المجوس مرة أخرى، على رغم القناع الذي ألبسه صدام حسين الأعداء الجيران في "قادسيته" المكررة، من غير هزل ولا كوميديا على رغم هيغيل وتلميذه "اليساري". ويقرب القول "الشعري" المتباعدَ على نحو لا يأتلف منه وجه. فولادة الطفل وصرخته في شقوق المكان تكني عن طباق الولادة والهرم، وطباق استهلال الحياة وتآكلها واندثارها، كناية جافة وقصيرة الباع. وحمل فلسطين المولود الجديد والشاعر "الصارخ" من بعد، على مكان متشقق يطوي من غير روية، ولا رواية، استهلال القصيدة خيلاً وتلة ولازورداً وآذاراً...

ويكر الافتعال ويتداعى، ويجر بعضه بعضاً. فيعود الشاعر من الكلام الملحمي والنبوي الى ضمير متكلم فرد و"نفسي" يسرد سيرة انانية ونرجسية تؤذن بقرب نزار قباني، ونزوله ضيفاً أشعبياً على المجلس. فحذر صرخة الوليد "لا يلائم طيش النباتات". أيها الزيتونة؟ أم الرياحين؟ أم السنديان؟ أتوصف هذه بالطيش، وينكر عليها طيشها؟ والحذر يستدعي المطر: "في صرختي مطر"، على مثال كثير في قول محمود درويش، ينصب الأصوات رسماً ودليلاً (شارع واضح، حلم مالح، قمر جارح، حائط سابح... في "لحن غجري" من "حصار لمدائح البحر"). ومن المطر المقحم في الصرخة، وعليها، ينطلق القول كالسهم الى مشهد يوسفي يلح في أشعار صاحب "ورد أقل" و"أحد عشر كوكباً"، يخرجه الشاعر ويقسر السامع عليه عنوة. فمن المطر الى الأخوة والذئب، وإلى الملائكة والأسماء مراعي غزلان أو برزخ من غير وصل، لولا طيف ابن يعقوب المدلل، ورؤيا فرعون البقرات السمان في منامه، وتأويل خازن المعاني ثم خازن الحنطة المنام الملكي، الجزء الواحد من ستة وثلاثين جزءاً من النبوة. فالسمنة بنت المطر، والعجفة "بنت" الجفاف والإمساك الأقطعين والعقيمين، ويوسف ابن ابيه، وأخو إخوته. وإخوته اخوة الذئب ـ على رغم السؤال العربي الماكر: "أخوك أم الذئب؟"، كناية عن شدة اشتباه الوقت، وتلبيسه التصرف والتثبيت على الرائي الحائر بين ما يفترضان نقيضين أو ضدين.


وينتهي صاحب السيرة الى اصدقائه، بعد إخوته، وبعد الملائكة. وهؤلاء هم بعض جهاز الأنبياء الأولاد والرعاة. فإذا "رف" الأصدقاء، ليلاً أم نهاراً لا فرق، استعار لهم الشاعر آلة رفيفهم من الملائكة، ولم يتكلف مؤونة ثقيلة كتلك التي (لم يـ)تكلفها في وصلة المطر بالأخوة، أو حمّلها السامع. وأقول أن صاحب "سرير الغريبة" كلف الجمهور السامع مؤونة ثقيلة، وأرجع في قولي وظني الآثمين. فما يلفت من قول ولد البروة الجليلي الفلسطيني و"صرخته"، وفيهما، تقلبُ شعره على أوجه متفرقة من غير ان يحمل التفرق الشاعر على جمع شتات قوله، وضمه في نسيج واحد أو متصل. والحق ان الشتات لا يفضي الى تشعث ونفره، ولا الى تركيب. فالقول يسبح في ماء واحدة، أو يجري في مجرى هو وليد جريه، وصنيع الجري هذا. فهو كالماء المنسكب على صعيد رمل، أينما ذهب امتصه الرمل. ولم يقيّض له الذهاب بعيداً، ولا أتاح له حفر مجرى، فغاض قبل "الجري". وتفرق الأوجه التي يتقلب بينها القول هو (التفرق) تشبيه. فالوجه الواحد، القرآني أو الإنجيلي أو الأرضي أو اليومي التلفزيوني او النزاري (القباني)، قائم برأسه، ومنصرف الى وجهه، إذا جاز القول الهيهي، وبلاغته، أو شعريته، وهما واحد، كلاهما ناجم عن استيفاء الوجه هذا مبانيه وأصوله، وعوده على بدئها، واستنفاده أغراضه في عوده.

ففي الجزء المتبقي من القصيدة يسأل الشاعر نفسه: "هل أقول لأمي الحقيقة". وهي قولة البنت البكر في اغاني نجاة الصغيرة أو فايزة أحمد.

و"الحقيقة"، بحسب الفلسطيني "الصارخ" في أخاديد ارض النبؤات، تنطق بفم شاعر الياسمين الدمشقي ولسانه: "لي أخوة يضعون على شرفتي قمراً". وهذه واحدة من "طفولة نهد" "اخوة ينسجون بإبرتهم معطف الأقحوان". وهذه ثانية "أنت لي". فإذا سحب رجل أبيض الماء من بئره، اليوسفية واليعقوبية والذئبية والأخوية، وأخذ الولد المدلل من يده ليرى الولدُ نفسه كيف يكبر "كالفرفمينة"، ويراها قمرين: واحداً في الأعالي و"آخر في الماء يسبح". وهل يرى الولد في مرآة العالم غير نفسه ورجعها؟ ـ شهق الجمهور إعجاباً وحباً وانتشاء، وشد نفسه إلى صدره، وبكى قلباً (من جاذبية صدقي) وقالباً على رؤوس الأشهاد حقاً (وأشهادنا هي عناوين الصحف وشريط أخبار الشاشات الدائري).


فليس على الجمهور السامع، وهو غير القراء الذين قد لا يأتلف منهم جمهور، إلا ترك نفسه، الواحدة والمجتمعة، الى هدهدة المتنقل بين أغصان شجر جمعتها إدارة "ديزني لاند" من اشجار متفرقة، ويخالها الجمهور غابة ملتفة، ولا يعاند تخييلها على هذه الشاكلة. وإذا بالملاحم، من عهد عاد او بعده بقليل، تنقلب أشرطة صور متحركة يرقص فيها الدب بالو، ويناجي الفهد باغيرا، ويرعى الاثنان الولد موغلي في انتظار طرزان و"صديقته" والشامبانزي والجمهور

تعليقات