الأربعاء، 16 سبتمبر 2020

سالنجر حارس الشوفان: حارس الطفولة البريئة

SHARE




د. نادية هناوي


لم يكن الروائي سالنجر الوحيد الذي عبر في أدبه عن بشاعة الوجه الامبريالي للولايات المتحدة الأميركية وطابع الزيف لحياة المجتمع الذي أقامته، فجاك لندن قبله بأكثر من أربعة عقود عبَّر في روايته( العقب الحديدي) 1907 عن الصورة البشعة للثقافة الأميركية في ظل النظام الاحتكاري.


ورواية سالنجر( الحارس في حقل الشوفان The Catcher In The Rye ) التي صدرت عام 1951 ليست الوحيدة، فبالإضافة إلى قصصه القصيرة، له أربع روايات قصيرة هي فراثي وزوي 1963 واثنتان نشرتا معا هما شعاع عالي النظير ونجارون وسيمور عام 1963 ورواية هاربورت 16/1924 عام 1965. وقد نالت رواية "الحارس في حقل الشوفان" ـ الصادرة عن دار المدى بترجمة غالب هلسا ـ شهرة كبيرة وعدت أهم روايات القرن العشرين. وسنفهم السبب إذا علمنا أن الولايات المتحدة الأميركية كانت قد شهدت في النصف الأول من القرن العشرين انتشاراً واسعاً للأفكار اليسارية بين الأوساط الثقافية والأدبية والفنية.


وهو ما دعا الكونغرس الأميركي إلى إنشاء لجنة عرفت فيما بعد باسم ( المكارثية ) عام 1938 واستمر عملها إلى العام 1968 وكانت مهمتها مراقبة الأدباء والمثقفين الكبار والصغار والتقصي عن ميولهم التقدمية حتى أنها شنت هجوماً كبيراً على الكتّاب ذوي الاتجاهات اليسارية وحجبت كتب مكسيم غوركي وجان بول سارتر وسيجموند فرويد من المكتبات.


وقد أفصح بعض الكتّاب ومنهم ارنست هنغواي ورانسوم عن تبرمهم وضيقهم من ممارسات المكارثية التي كان من تبعاتها على المجتمع الأمريكي أن أصبح الفرد منغلقاً على نفسه، يُخفي آراءه خشية أن يساء فهمها فيتهم بالانتماء للشيوعية.


وهو ما تحاشت كثير من الأعمال الادبية والفنية طرقه والحديث عنه، واتجهت بدلاً من ذلك صوب تفخيم الشخصية الأميركية واظهارها بمظهر التفوق والقوة، باستثناء أعمال قليلة اتبعت أساليب الترميز والفنتزة والمحاكاة البارودية في التعبير عن حقيقة الفرد الأميركي ومنها رواية 'الحارس في حقل الشوفان" وبطلها مراهق اسمه هولدن كولفيلد كثير التبرم من الواقع الزائف، يكره كل شيء حتى نفسه، لكنه محب لأمرين اثنين فقط هما البراءة والقراءة، وبسبب ذلك انتقد الروايات المزيفة التي تخفي وجه أميركا الامبريالي.


ومن الأعمال الروائية التي تطامنت مع الرأسمالية وأغراضها الامبريالية، فانتقدها الكاتب على لسان بطله الصغير هي رواية( وداعاً للسلاح) لهمنغواي و(غاتسبي العظيم) لفيتزجيرالد ملقياً باللوم على ادب مجَّد أمريكا حتى صنعت القنبلة الذرية. بينما أشاد برنج لاردنر الصحفي صاحب القصص القصيرة الهجائية والفكاهية.


ولكن كيف تمكن سالنجر من أن يمرر أفكاره التقدمية المناوئة للمكارثية ؟ إن قدرة سالنجر توضحت في مخالفته الفنية للتوجهات السردية السائدة آنذاك ومنها الواقعية الموضوعية التي راجت كمذهب أدبي في ثلاثينيات القرن الماضي، فأبدلها بالرمزية والسخرية والهجاء أسلوبا به وجه نقده اللاذع للأدب الرسمي متخذا من عالم الصغار ميدانا ومن الأبوة والبنوة موضوعاً، ساخراً بذلك من جون شتاينبك والصورة النموذجية التي رسمها للأب في روايته( عناقيد الغضب) وهاجياً الصورة المثالية للابن في رواية( ديفيد كوبرفيلد) لديكنز، جاعلاً اسم بطله( هولدن كولفيلد ).


والمعروف أن اسناد البطولة الروائية للصغار أمر نادر في الأدب العالمي، وإذا ما وظِفت الطفولة؛ فإنها لا توظف كفاعل سردي مركزي وإنما توظف كتابع مخصوص بالتوجيه والارشاد كبقية التوابع الأخرى كالمرأة والمجنون والمنبوذ وما إلى ذلك من الهوامش الاجتماعية.


وقد خالف سالنجر كل هذه المواضعات حين جعل بطله مراهقاً، له مشاعره وقراراته متحرراً ومتمرداً وحاد الطبع نزقاً، مرمزاً به إلى الطبقات الشعبية المتشكلة من أعراق وقوميات شتى أهملها الأدب الرسمي الأميركي، كي لا تتشوه الصورة البراقة للنظام الاحتكاري ولا يفتضح ما فيه من زيف واستغلال واستكبار.


وبسبب هذا الموقف من المهمشين لاقت رواية( الحارس في حقل الشوفان ) نجاحاً منقطع النظير وطبعت طبعات كثيرة وأثرت في جيل أميركي كامل، حتى أنه صار ينادي( كلنا هولدن كولفيلد) وغدت الرواية مرجعاً مهماً في الثقافة الأميركية المعاصرة مما يعرف بثقافة البوب.


أما لماذا شبهت رواية( الحارس في حقل الشوفان) برواية يولسيس لجيمس جويس، فلأن أزمة البطل أزمة مكانية، حتى شكلت الأمكنة ( البيت / المدرسة / القطار / سيارة الأجرة/ الفندق/ الملهى / المتحف/ حديقة الحيوانات/ مدينة الالعاب) بؤرة الحدث السردي في الرواية التي اتخذت بنيتها صيغة دائرية، إذ بدأ البطل /السارد وهو يخاطب المسرود له( إذا كنتُ أثرتُ اهتمامك بالفعل، فاغلب الظن أن أول ما ترغب في معرفته هو المكان الذي ولدت فيه) وانتهى عند النقطة نفسها وهو يخاطبه أيضا( لا تروي ما حدث لك مثلما فقلت أنا لأي إنسان لأنك حين تفعل ذلك فلسوف تفتقد كل الناس) ص310 .


هذا أولاً وثانياً لأن سالنجر وظف تيار الوعي في تصعيد التأزم النفسي كما فعل جويس مع بطله بلوم مظهرا البطل ضائعاً داخل متاهة لا نهاية لها، لكن مع فارق جوهري، به استطاع سالنجر التخلص من تأثير جويس عليه وهو استعماله تقانة( الحلم ) التي بها البطل يتخيل بينما هو إزاء موقف واقعي صانعاً عالماً حلمياً متحولاً من السرد السيري إلى التخييل الذاتي Autofiction عبر تكرار الفعل( أتصور) كقوله:" أصور لنفسي هؤلاء الاطفال يلعبون لعبة ما في حقل الشوفان الكبير .. لا أحد غيرهم لا أحد من الكبار أعني عداي أنا وأنا واقف على حافة هضبة جنونية ومهمتي الإمساك بكل من يحاول الصعود الى الهضبة. أن اتقدم وأمسك بهم.. بهذا أصبح الحارس في حقل الشوفان. أعلم أن هذا شيء جنوني. وهذا هو الشيء الوحيد الذي أحب أن أكونه"


الى جانب تكرار فعل التذكر ( تذكرت ، اتذكر ) مع بنية زمانية استرجاعية تارة واستباقية تارة أخرى، تتخللها وقفات وصفية وحوارات خارجية مباشرة وغير مباشرة ومونولوجات داخلية ومشاهد سردية عملت على تسريع الزمان أو تبطيئه.


ولأن الهيمنة المكانية واضحة، يحاول البطل التملص منها عبر كرهه لها، واصفاً المكان بأنه مشرحة الجثث، مشخصاً ما فيه من الزيف وما يشوب حيواته من النفاق والخداع، بادئاً بالبيت وما تسوده من برودة عاطفية وماراً بالمدرسة التي" كلما ارتفعت تكاليف المدرسة ومستواها الاجتماعي زاد عدد اللصوص فيها" فيقطن في شقة في فندق لكنه سرعان ما ينفر منه حين يشاهد الشذوذ والغباء وعدم الاعتبار للقيمة الإنسانية" هم يقدمون المشروب حتى لمن عمره ست سنوات فالأضواء خافتة ولا أحد يهتم بمعرفة عمرك حتى لو كنت مدمن مخدرات" وهكذا يظل كولفيلد حازماً حقائبه منتقلاً من مكان الى آخر.


ويعمل التوظيف للغة الطفولية المبسطة على تدعيم مركزية الطفولة في الرواية فتكثر ألفاظ الهجاء والبذاءة، وتتكرر الأوصاف النابية التي لا تخلو من فضاضة وسلبية مثل ( لعين/ فظ/ كئيب/ أجرب/ مقرف / مزيف/ ابن الزانية/ بغيض/ مجنون.. الخ ) وإذا لم يجد البطل أحدا يهجوه؛ فإنه يهجو نفسه في إشارة إلى النقاء الداخلي الطفولي الذي يجعله صادقا مع نفسه عارفاً حقيقة ذاته وجنونية العالم الذي يعيش فيه" إنني أكذب إنسان يمكن أن تراه في حياتك" وهو دائم التأفف من المظاهر المصطنعة ومنتقداً الاخلاق المنحطة فمثلاً يتذكر كيف قال له ثرمر" إن الحياة لعبة وعليك أن تلعبها بموجب قوانينها" فيقول: " إنه شيء سيئ أن تحدث أمثال هذه الأشياء القذرة.. شيء قاتل أن يقال هذا"


وتنفرج عقدة الرواية بعودة هولدن المتخيلة إلى عالم الصغار وهو يشاهد طفلاً يسير في الشارع ووالداه ينظران إليه ولا يجبرانه على السير في الرصيف وهو يغني" إذا أمسك إنسان بآخر يسير عبر حقل الشوفان " فيقول " انعشني ذلك ولم أعد اشعر بالضيق" ثم وهو يعود للبيت متخفياً يجد أخته الصغيرة فيب تقول:" إذا قابل إنساناً عبر حقل الشوفان" فيتذكر ويصحح لها قائلاً: "إذا قابل إنسان إنساناً آخر قادماً عبر حقل الشوفان" وهولدن هو الحارس وحقل الشوفان هو الطفولة في حريتها وبراءتها وهكذا يتصالح تخييلياً مع المكان" تبدو لطيفة جداً وهي تدور وتدور مرتدية معطفها الأزرق كم أحب لو كان باستطاعتك أن تكون هناك"


وفي هذا ترميز اليغوري الى أن عالم الكبار هو العالم الرأسمالي المستغل والبشع وعالم الصغار هو العموم المغلوب على أمره الذي لا يقدر على تقرير مصيره سوى في الاحلام.


وتجدر الإشارة الى أن الأغنية المتناص معها ـ وهي مقطع من قصيدة للشاعر روبرت بينز ـ تمثل النص الغائب الذي عليه بنى سالنجر فكرة الرواية ومنها اتخذ العنوان مما أعطاه إيقاعية جميلة لكنها ضاعت بالترجمة التي تفترض حصول ( الخانة الفارغة) أو الثغرة المعجمية وذلك حين يعجز المترجم عن مجاراة البعد الإيقاعي للكلمة أو حين تغيب مفردة ما في اللغة الأم تناظر المفردة في اللغة الأخرى المترجم عنها.


وعلى الرغم من أن الترجمة تظل قابلة لتحوير اللفظة التي لا مناظر لها رادمة الفراغ الدلالي بأن تعالجها كوحدة معجمية؛ فإن هناك تفاوتاً في الترجمات بين مترجم وآخر تبعاً للذائقة الأدبية ودرجة التعمق في اللغة الأخرى، فترجم الكاتب الراحل علي الشوك العنوان بـ( حارس الشيلم ) وهو يتقارب بعض الشيء مع ما اختاره مترجم الرواية غالب هلسا ولكن بمسحة رومانسية أكثر.


ومهما يكن من أمر الترجمة، تظل موضوعة الرواية ولغتها سببين مهمين في انضوائها في أدب ما بعد الحداثة، فاتحة الباب لهذا النوع من الأدب العالمي التقدمي الذي فيه أدانة للأنظمة الرأسمالية ومفاهيمها الانتهازية والبراغماتية.


وهو ما سيتعزز على يد الروائيين الافرواميركيين فيما بعد، وفي مقدمتهم توني موريسون التي عبَّرت في رواياتها عما يكتنف الحياة الاميركية من تمييز عرقي وعدم اعتراف بعالم المهمشمين ولا بالتعددية ولا بالتنوع الثقافي بعكس ما يتظاهر به نظامها الرأسمالي من دفاع عن حقوق الإنسان والاستماتة في مساعدة الدول الفقيرة وما الى ذلك من ادعاءات.


وما جرى مؤخرا من التعامل غير الإنساني مع الموجات الجماعية للمهاجرين الاسيويين والعجز الذي أظهره النظام الرأسمالي في مواجهة فايروس كورونا هو دليل واضح على بشاعة الوجه الآخر للولايات المتحدة الأميركية. هذا الوجه الذي أظهر البطل هولدن كولفيلد حقيقته وبسببه واجه سالنجر متاعب، استوجبت منه أن يختفي منعزلاً في كوخ صغير داخل غابة، محققاً ما كان بطله يصبو إليه، حتى وافاه الأجل وحيداً عام 2010.


صحيفة المدي

SHARE

Author: verified_user

0 facebook: