ألبوم «أغنيات البراءة والخبرة»: آلن غينسبرغ يغني أشعار وليم بليك - الرومي

الثلاثاء، 15 سبتمبر 2020

ألبوم «أغنيات البراءة والخبرة»: آلن غينسبرغ يغني أشعار وليم بليك

 

 مروة متولي - القدس العربي


كان الشاعر الأمريكي آلن غينسبرغ 1926 ـ 1997 يغني ويؤلف الموسيقى، ويعزف على البيانو والهارمونيوم، ويصدر من حين إلى آخر بعض الألبومات، التي يغني فيها أشعاره، أما ألبومه الأول «أغنيات البراءة والخبرة» 1969، فقد خصصه بالكامل لقصائد الشاعر الإنكليزي وليم بليك، التي كتبها ورسم لوحاتها في ديوانه المصور بالعنوان نفسه، الصادر عام 1794.

وكما عبر بليك عن أفكاره بالكلمة والصورة، وسمى قصائده بالأغنيات، فإن غينسبرغ قام بالتعبير عنها موسيقياً وغناها بالفعل، وعندما نستمع إلى هذه الأغنيات نشعر بأنه لم يكن يلحن القصائد، وإنما كان يبحث عن الموسيقى داخل كل قصيدة، ويستخلصها ثم يتبعها، وهذا ما يمنح المستمع إحساسا خاصا، ويحقق له تجربة أخرى في تلقي القصائد، تختلف عن القراءة، أما الصوت فلا يمكن القول إن غينسبرغ كان ذلك المغني المذهل، الذي نطرب لسماعه، فمن قصيدة إلى أخرى يتباين الغناء من حيث المستوى، ودرجة الإجادة والإتقان، وتظهر بعض العيوب المزعجة والمشكلات في التنفس في أغنية ما، وفي أغنية أخرى يكاد يكتمل الصوت والإحساس والتأثير، لكن من الجميل على كل حال أن نستمع إلى آلن غينسبرغ، ذلك الشاعر صاحب التجربة الكبيرة فكريا وإنسانيا وجماليا، الذي يحمل صوته ملامح التاريخ الأدبي والفني والسياسي الحافل، وذكريات جيل البيت وأسماء وليم بوروز وجاك كيرواك، ونيل كاسيدي الفنان الفطري، الذي لم يذهب إلى أرقى المعاهد والجامعات، وأمضى بعض الفترات من حياته هائما في الطرقات، بينما يتبعه هؤلاء الفتية الذين يستلهمون منه الفن والحياة والتمرد، وكان لرسائله المتبادلة معهم، التي تعد من أهم آثاره الأدبية القليلة، الفضل على هذا الجيل، وهؤلاء الكتاب الصغار في ذلك الوقت، نظرا لما تحتوي عليه من نصائح فنية مهمة وآراء نقدية قوية.

ينتمي غينسبرغ إذن إلى ذلك الجيل الذي تمرد على كل شيء، وغيّر وجه الأدب الأمريكي في الشعر والرواية، وكان ضد كل ما هو قائم من أوضاع سياسية وعادات وقيم وتقاليد اجتماعية وأدبية وفنية، كما كان رافضا لكل أشكال السلطة التي تمثلها العائلة والمجتمع والجامعة والدولة، وكتب الشاعر قصائد وكلمات لا تنسى تعبر عن معاناة جيله المهزوم، منها «رأيت أفضل عقول جيلي محطمة بفعل الجنون» و»أمريكا لقد أعطيتك كل شيء والآن أنا لا شيء» وقد تأثر غينسبرغ بالثقافة الهندية، بعد سفره إلى الهند، وصار يمارس التأملات البوذية، وهناك تعلم العزف على آلة الهارمونيوم التي نستمع إليها بشكل رئيسي في ألبوم «أغنيات البراءة والخبرة» وهي تصاحب قصائد وليم بليك القصيرة، التي تنقسم إلى قسمين، الأول «أغنيات البراءة» وتدور قصائده حول الطفولة والنقاء وبراءة الإنسان، التي يفقدها في ما بعد، بفعل الحياة والزمن والتجارب السيئة. أما «أغنيات الخبرة» في القسم الثاني فتحتوي على بعض القصائد الشهيرة مثل «النمر» و»الزهرة العليلة» وتكثر فيها الأحزان والمخاطر التي تحاصر البشر، وتغير البشر أنفسهم وشرورهم المحتملة بعد ما اكتسبوه من خبرات، كما توجد بعض القصائد المكررة أو المكتوبة بالعنوان نفسه في كل من أغاني البراءة وأغاني الخبرة مثل، قصيدة «الصبي المفقود» وهي قصائد تتشابه في العنوان فقط، لكنها تختلف في المتن والتناول والرؤية، ونجد قصائد لا تتماثل في العنوان لكنها ترتبط ببعضها بطريقة ما، مثل قصيدة «أفراح الطفل» في أغاني البراءة وقصيدة «أحزان الطفل» في أغاني الخبرة.


قد تبدو جميع القصائد طفولية بسيطة، تروي حكاية أو تصف بعض الصور والمشاهد، لكنها بالطبع ليست كذلك تماما، ولا تخلو أحيانا من بعض الغموض الذي يعكس نظرة وليم بليك المعقدة للأشياء من حوله، ورؤيته غير السطحية للحياة، ونشعر بأن كلماته في هذه القصائد هي خلاصة تأملات وأسئلة حول الوجود والإله، وحياة البشر والفقر والظلم والعدل الغائب، وكذلك عن الخير والشر والطيبة والتعاطف الإنساني، ولا ينفصل وجود الطبيعة في شعره، ومفرداتها من خضرة وزهور وأشجار وحملان ونمور، عن هذه التأملات والأسئلة، وكان آلن غينسبرغ متشبعا في أدائه بهذا الأسلوب لدى وليم بليك، وغنى القصائد بطريقة يظنها المستمع للوهلة الأولى طفولية أيضا، ثم يكتشف ويدرك المعاني الأكثر عمقا بعد ذلك، ومن أجمل ما يغنيه غينسبرغ في هذا الألبوم قصيدة «الليل» بلحنها المتمايل الراقص الذي يكاد يقترب من الفالس في بعض مقاطعه، ويلائم الصورة البديعة التي يرسمها وليم بليك بكلماته عن غروب الشمس والليل الهادئ، والقمر، الذي يبدو كوردة في وسط السماء، والنجوم اللامعة المثيرة، وإلى ما هنالك من إسهاب في وصف الطبيعة، ثم توديعه لها وللأرض بأكملها، ورسم صورة أخرى عن المحبة الأبدية والوئام اللانهائي في الجنة، وكذلك تعد قصيدة «حزن الآخر» من أكثر أغنيات الألبوم ملامسة للقلوب، وهي تجسد البراءة الخالصة والنقاء المطلق وما يجب أن يكون عليه الإنسان حقا، ويغنيها غينسبرغ بتأثر حزين إلى حد ما، وهو يطرح أسئلتها التي تقول هل يمكن أن نرى آلام وأحزان ودموع الآخر بدون أن نشاركه كل هذه المشاعر أو نحاول التخفيف عنه، ثم يجيب لا لا، لا يمكن أبدا.


٭ كاتبة مصرية


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق