الثلاثاء، 1 سبتمبر 2020

الجنرال غورو، الاب الشرعي لـ"لبنان الكبير"- ١

SHARE

فواز طرابلسي


على عكس الشائع، لم يرد لبنان، كبيرا او صغيرا، في اتفاق سايكس-بيكو ولا في مؤتمر الصلح، ١٩١٩. في نهاية ذلك المؤتمر كان رئيس وزراء فرنسا كليمنصو قد عقد اتفاقا مع الملك فيصل وافق فيه الأخير ان يرأس مملكة عربية، عاصمتها دمشق، في ظل الانتداب الفرنسي يمثله مفوّض سامٍ مركزه حلب. في المقابل، اعترف فيصل بـ«استقلال لبنان تحت الانتداب الفرنسي» على ان يعيّن مؤتمر الصلح حدود لبنان. لم يحصل. جُل ما سمعه البطريرك حويك من كليمنصو في ١٠ تشرين الثاني/نوفمبر ١٩١٩- أي في خواتم مؤتمر الصلح - هو وعد بضم «أقاليم البقاع» وما أسماه «المرافيء المناسِبة» الى جبل لبنان. 

مطلع ١٩٢٠، سقطت حكومة كليمنصو وسقط معها الاتفاق مع فيصل. مَنَح مؤتمر سان ريمو ( ١٩-٢٦ نيسان/ابريل )١٩٢٠ فرنسا الانتداب على سورية وتُرك لها الحرية في تقرير حدودها، فأعطى الإشارة للجنرال غورو  باحتلال دمشق في ٢٥/يوليو تموز. وبعد أيام من معركة ميسلون، كان غورو في زحلة يعلن ضم البقاع وحاصبيا-راشيا الى جبل لبنان.

بين كبار موظفي الانتداب، كان ثمة اجتهادان بالنسبة لمصير لبنان وعلاقته بسائر سورية. روبير دُكيه، امين عام المفوضية السامية في بيروت، يناهض مشروع لبنان الكبير اصلا، ويدعو الى. تقسيم سورية الى مجموعة دويلات و«مدن حرّة» تدار على أساس الاستقلال الذاتي الداخلي ويلعب المفوض السامي الفرنسي دور الحكم بينها. من بين تلك المدن الحرّة، مدينة بيروت التي اقترح إعلانها «مرفأ حرّاً».

في المقابل، كان غورو يرى انه يمكن السيطرة على سورية بتقسيمها الى خمس كيانات منها «لبنان الكبير». وافق رئيس الوزراء الجديد الكسندر ميلران على صيغة لبنان الكبير وإستدعي غورو للتشاور في باريس. إستبق غورو الزيارة وأعلن فصل لبنان عن سائر سورية بإعلان دولة لبنان الكبير، عاصمتها بيروت، ودولتي دمشق وحلب، في ٣١ آب/اوغسطس (سوف يضيف اليهما دولتي جبل الدروز والعلويين في اذار ١٩٢١.)

-اعلن غورو لبنان الكبير دون حدود واضحة. عيّن الحدود «من النهر الكبير الى «بوابات فلسطين» وقمم  جبال لبنان الشرقية». ولم يأت على ذكر صور ولا جبل الشيخ-حرمون كما يرد احياناً في كتب التاريخ. وتعلِمنا الوثائق انه ارفق الإعلان بخريطة على قياسين. لم انجح في العثور على الخريطة. والأرجح انها نسخة معدّلة من الخريطة التي رسمها سلاح الهندسة في الحملة العسكرية الفرنسية العام ١٨٦١. وهذه لها قصة بذاتها.

-في خطابة الاحتفالي، يأسف غورو لغياب «مندوبيكم الى [مؤتمر السلام في] باريس، الذين كان لدورهم فائدة كبيرة في دوائر الحكومة الفرنسية». الإشارة ملتبسة. ترأس داود عمون الوفد الاول في كانون الثان/يناير ١٩١٩ ومن أعضائه اميل اده. وترأس المطران حويك الوفد الثاني وضم شقيق البطريرك سعدالله حويك، الذي شارك بصفته نائب رئيس «مجلس الادارة»، الهيئة التنفيذية التي تضم ١٢ عضوا منتخبين من الأهالي، تعاون المتصرّف في إدارة شؤون المتصرفية. لسنا نعلم سبب غياب عمّون او إدّه عن الاحتفال بإعلان لبنان الكبير. لكننا نعلم سبب غياب سعدالله حويك. في حزيران/يونيو ١٩١٩، أعلن المجلس، من طرف واحد، استقلال لبنان ورغبته في «العيش مع جيرانه بسلام». وفي العاشر من تموز/يوليو، تحرك وفد من المجلس الى دمشق للتفاوض مع الحكومة العربية حول العلاقات بين البلدين. أمر الجنرال غورو باعتقال الوفد، الذي ترأسه سعدالله حويك، وكان يضم أربعة مسيحيين (ثلاثة موارنة وارثوذكسي واحد) وعضوين درزيين والعضو الشيعي الوحيد؛ حكم عليهم بالنفي الى جزيرة كورسيكا. سعدالله الحويك ليس وحيدا في خلافه مع أخيه. كان إسكندر عمّون، شقيق داوود، الممثل الشخصي للأمير فيصل في واشنطن.

-كل محتلّ يدّعي تحرير ضحايا احتلاله من محتل سابق. ممن ادّعى غورو تحرير اهل «لبنان الكبير»؟ في خطابه إشارة الى «ثقل اليد» العثمانية التي رزحت على اللبنانيين طوال قرون. لكن "التحرير" وقع ضد طرف آخر. يقول في خطابه: «بالأمس، منذ خمسة أسابيع، أطلق جنود فرنسا الشباب ... كل آمالكم، إذ قضوا، في صبيحة يوم معركة، على القوة التي سعت الى استعبادكم.» 

لمن لا يعرف: في ذلك اليوم، جنود فرنسا، الذين يصفهم غورو بأنهم «عرابو استقلال لبنان»، هزموا الجيش العربي بقيادة يوسف العظمة في معركة ميسلون واحتلوا دمشق وأسقطوا الحكومة العربية فيها.



SHARE

Author: verified_user

0 facebook: