الجمعة، 14 أغسطس 2020

نيتشه: الشاعر الفاشل والعداء للفلسفة

SHARE

 سمير اليوسف*

عبارة في دراسة للفيلسوف الفرنسي الآن باديو تذكرّتها وأنا أقرأ ديوان نيتشه في ترجمته العربية. في هذه العبارة يُلاحظ باديو أن الفلاسفة المعادين للفلسفة، بحسب تسميته لهم، يكتبون باسلوب الكاتب الحريص على اظهار تمكنه من اللغة.


الدراسة المذكورة عن الفيلسوف النمسوي لودفيغ فتغنشتاين والذي يرى فيه باديو أحد أبرز الفلاسفة المعادين للفلسفة. نيتشه هو الفيلسوف الذي لا ينفك باديو يشير اليه من خلال مقارنة فتغنشتاين به. وفي تيار الفلسفة المعادي للفلسفة أيضاً، والذي بحسب باديو يعود الى هرقليطس، مروراً برسو وباسكال وكيركغارد، وينتهي في الحاضر عند الاميركي ريتشارد رورتي، نيتشه هو الابرز والاخطر.

نيتشه لم يكن حريصاً على كتابة نثر أدبي يجري على تخوم الشعر فحسب بل وكان يتباهى بأنه، الى جانب هينريش هاينه، لهو من أفضل من كتب بالالمانية بهذا المعنى.


نيتشه أيضاً، ومن قبله باسكال، ومن بعده فيتغنشتاين، استخدم الشذرة اسلوباً في التعبير. الشذرة، وخلافاً لما يظن خيرة الناس، ليست مجرد اختصار فكرة تامة في فقرة، وذلك استجابة الى وصية "خير الكلام ما قل ودل"، ولا هي مثل، انها طريقة في التعبير تكون جميلة أو لعوبة أو استفزازية، وليست دائماً كاملة. عند فتغنشتاين مثلاً كل شذرة تقود الى شذرة لاحقة ولن تفهم الشذرة ما لم تقرأ ما قبلها. طبعاً هناك اختلاف في كيفية استخدام الشذرة عند الفلاسفة المذكورين ولكن المهم في الأمر ان استخدامها يدل على امرين اثنين، النازع الى الاهتمام بالاسلوب وتفتيت المعنى.

طبعاً لا يمكن ننسى بأن نيتشه كان يقرض الشعر أيضاً، وديوانه، المذكور سابقاً، هو المجموع من قصائده.


ولكن ما علاقة الحرص على الاسلوب الكتابي بالعداء للفلسفة؟

الحرص على الاسلوب يعني منح الاسلوب اهتماماً اكبر من المعنى. وفي الفلسفة المعادية للفلسفة يتمّ أيضاً اختزال او تقليص المعنى أو حتى تجريده من حق أن يكون معناً أصلاً، كما فعل فتغنشتاين.

نيتشه بدوره استخدم مناهج مختلفة في التعاطي مع الافكار الفلسفية مرة من خلال استخدام المطرقة الشهيرة ومرة من خلال ردّ الفكرة، المعنى منها طبعاً، الى اصولها غير المُشرّفة ان لم نقل الخبيثة أيضاً.

طبعاً هناك أسباب مختلفة للعداء للفلسفة عند الفلاسفة المذكورين ولكن ما يهمنا، في سياق العلاقة المذكورة ما بين الحرص على الاسلوب الادبي والعداء للفلسفة، هو ما يسميه باديو بالنزوع نحو التفلسفس من منطلق الوعي بالسيرة الذاتية.

الفكرة الفلسفية لا تعود موضوعية الطبيعة مهما بلغت موضوعية الادعاء. الشذرة الفلسفية التي يكتبها فيتغنشتاين، خاصة في كتابه الأول، "أطروحة في المنطق الفلسفي"، تبدو وكأنها تقرر حقيقة موضوعية لا علاقة لذات المؤلف بها. ولكن هناك اشارات عديدة في الكتاب تدل على ان الشذرة المذكورة لهي نتاج تأمل ذاتي لمؤلفها. والأمر عند نيتشه أشدّ وضوحاً.

خلافاً لفلاسفة، مثل هيوم أو كانط أو هيغل، فان نيتشه لم يخجل من الاشارة الى حياته اليومية. بالتأكيد حينما يتحدث عن احدى اهم افكاره واشدّها جدالية "العود الأبدي"، فانه يحدد لنا بالضبط المكان الذي كان فيه حينما راودته. أما كتابه الأخير "هذا هو الانسان" فهو بصريح العبارة سيرة ذاتيه تعرض لتأليف كتبه.


اذاً هناك العناية بالاسلوب الأدبي، اختزال الفكرة، أو ردّها الى اصولها، ثم هناك ربط العبارة بحياة كاتبها. ومن هو الذي يفعل ذلك بالضبط؟

الشاعر طبعاً!

الشعر هو التعبير الاقصى للغة. وحتى حينما يلجأ الشاعر الى ما نسميه بـ"لغة الحياة اليومية" فانه في الحقيقة يستلهم الشعر من هذه اللغة وليس النثر. هناك فارق كبير بين ما كتبه ويكتبه شعراء مثل الماغوط ورياض الصالح حسين وشارل شهوان، وغيرهم كثير، وما بين هواة الشعر الذين يكتبون القصيدة بشروط النثر اليومي. اي انه حتى حينما تعزف لغة القصيدة عن توسل المحسنات البلاغية للانشاء الفخم فان هذا لا يعني بانها تستغني تماماً عن المجاز.


المعنى في الشعر مهم طبعاً ولكن الأولوية للاسلوب، لكيفية صياغة المجاز. ومهما حرص الشعر على وصول المعنى فان هذا الحرص لا يبلغ حدّ ايصال المعنى مجرداً تماماً من المجاز والا فان المعنى سيظهر عارياً ومباشراً بل وبذيئاً أيضاً.

لا فيلسوف كان أشدّ ميلاً الى استخدام المجاز مثل نيتشه، وهو لم يستخدمه فحسب، وانما تفاخر بذلك أيضاً. هذا الميل بلغ منتهاه مع محاولة الفيلسوف كتابة الشعر.

في تقديري الشخصي (ان كان لتقديري الشخصي اية اهمية) أن نيتشه أراد ان يكون شاعراً. أنه آمن بأن الفلسفة تنتمي الى الشعر وليس النثر.


نيتشه، كما نعلم، كان طوال حياته عاشقاً للفلسفة الاغريقية ما قبل سقراط وأفلاطون. وفي ذلك العهد لم يكن ثمة فارق ما بين الشاعر والفيلسوف، الشاعر كان فيلسوفاً والفيلسوف شاعراً. أظن ان نيتشه اراد ان يكون الفيلسوف الشاعر. المشكلة أن نيتشه كان شاعراً فاشلاً. أية مقارنة ما بين قصائده وكتاباته النثرية ستبيّن ذلك بسهولة. ولا اظن ان نيتشه كان من الغباء بحيث يغفل عن ملاحظة الفارق النوعي ما بين نثره وشعره.


أظن (وهذه آخر مرة أظن فيها) ان ايقان نيتشه بأن لا أمل له بأن يكون شاعراً هو أحد الاسباب التي جعلته معادياً للفلسفة، للميتافيزيقيا، للنظام الفلسفي الشامل أو الافكار الفخمة، على هذه الضراوة، ومن ثم عمد انتقاماً منها، الى تدميرها. لقد كان المعنى عنده من السطوع بحيث استحال معه اخفائه بالمجاز. لعله ظن بأنه بتدمير انظمة المعنى وافكاره الكبرى لا يبقى للمعنى من ملجئ سوى المجاز ومعها لا يعود ثمة داع لكتابة الفلسفة نثراً.


(*) كاتب فلسطيني


SHARE

Author: verified_user

0 facebook: