الخميس، 6 أغسطس 2020

محمد خضير... الدولة/ المخزن

SHARE

من الأفكار المركبة التي قامت عليها الدولة الحديثة، فكرة التسوير والتخزين والحجر، وإحاطة التجمعات البشرية، والنشاطات التجارية والصناعية، والمزارع، والمؤسسات التعليمية، بسلسلة من المخازن التابعة لشركات بناء وصيانة وإمداد. وأخطر هذه المخازن تلك التابعة للجيوش النظامية وغير النظامية، ومصانع الأسلحة المتصلة بها. ولعل المستشفيات هي شكل من أشكال الخزن الصحي، الموازية للطبيعة البشرية السليمة من الأمراض، ومنها مستشفيات الأمراض العقلية ومستشفيات العزل الوبائي. وكذلك فقد استُحدثت سايلوات الحبوب الضخمة لتجنب المجاعة. أما السجون فهي مواقع خزنٍ للشرور نشأت مع نشوء الدولة. وما زاد من ضرورة الخزن، التعقيد المدني والسكاني داخلها، والحروب والغزوات الطارئة حواليها، مع تطوّر مهماتها الاستراتيجية باختلاف المراحل وتداول السلطات والجماعات الضاغطة عليها كالأحزاب والمؤسسات المنتظمة في بنيتها المركبة.
مثال على خزن السلاح، ما قامت به الإدارة العثمانية في العراق من اتخاذ أحد أبواب سور بغداد، باب الطلسم، مخزناً للسلاح. وكان تفجيره في العام ١٩١٧، بعد انسحاب القوات العثمانية من بغداد، قد سجل حادثاً تحسّسَ وقوعَه معظمُ سكان العاصمة آنذاك. سيأتي وقت يصبح هذا الباب مَعلماً مجازياً للاحتلال والتدهور المخزني لرموز الدولة العراقية، يوازيه سقوط بغداد في العام ٢٠٠٣، وما صاحبه من نهب المتحف الوطني وسلب الملفات السرية في أقبية المخابرات والأمن، وسرقة المخطوطات الثمينة أو حرقها. لقد تبعت هاتين الحادثتين كوارثُ عدة هدّدت البنيةَ المخزنية للدولة، أخطرها حوادث استيلاء "داعش" على ثلث الأرض العراقية، الحاوية على مواقع خزن الآثار والمياه والبترول، فترة ثلاث سنوات. وإزاء الانهيار المخزني للنشاط المدني، فقد تعاظم خلال هذه الفترة الخزنُ العسكري لأكداس من السلاح، مجهول المصدر والموقع والاستخدام. أصبح التعامل مع الظاهرة المخزنية للدولة فوضوياً وشائعاً وخطيراً إلى أبعد الحدود. وفي أكثر من حادثة، هدّد انفجارُ اكداس السلاح المخزونة في مواقع داخل المدن استقرارَ الدولة، وحطم هرمَها المختلّ الأساس. إلا أنّ هذه المخاطر انطوت سراعاً، كمفرقعات حفلةٍ أو عيد، وأنقِذ الهرمُ الدولي بأعجوبة. أما السكان المذهولون من اضطراب البنية المخزنية وفرقعتها، فقد تمسكوا بشجاعة "الطلسم" الذي تخلصوا بوساطته من العثمانيين ومن تلاهم في الحكم والاستبداد بمخازن المدن وما حولها.
ينبهنا تفجير بيروت الأخير إلى حفلة الفراقع العراقية تلك، المتوالية على غير انتظام. فالخزن العشوائي سيصبح سمة الفترة الانتخابية التي تتهيأ لشكل من أشكال خزن صناديق الاقتراع، وما ينتظر هذا الخزن من مفاجئات، سبق اختبار بعضها في دورة ٢٠١٨ الانتخابية. إنّ انتقال الدولة من تركيبة مخزنية إلى أخرى، يصاحبه توزيعٌ خطير لمواقع السلطة وتأثيرها في التركيبة العشوائية لهرمها الوظيفي. وما يقترحه البنيانُ التالي من تمدّن وتعسكّر وحجر صحيّ وخزن استراتيجي للمياه، سيرسم خارطةً لمستقبل الدولة المخزنية لفترة تطول أو تقصر. شوارعُ ستُفتح، وبنايات سترتفع، وسدود ستُبنى، وسجون ستُوسَّع، ومحاجر ستُخصَّص، ومرافيء ستُفتَح، وأراض ستُبذَر، وجيوش ستُحشَد، ومعها خطط ستوضع لبناء مخازن رديفة لاستيعاب الإفراط في الخزن والإمداد. ويوماً سيصحو سكان المدن ليجدوا مخازنَ عملاقة تزاحم المواقعَ التي بُنيت عليها بيوتهم..
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: