سمير اليوسف... كيت ميلت - الرومي

الثلاثاء، 25 أغسطس 2020

سمير اليوسف... كيت ميلت

‏٤١‏ د · بطلاتي (4) قبل وصول الكاتبة الاميركية كيت ميلت الى المشهد الثقافي، عام 1970، كانت معركة النقد الأدبي قد حُسمت عملياً لمصلحة القائلين بالفصل التام ما بين النصّ والعالم. كان هناك أولاً اتباع "النقد الجديد". وبعد عقود قليلة ظهرت "البنيوية" لتعزز حجتهم وموقعهم. جماعة "النقد الجديد" قالت أن النص الأدبي ليس مقالة وحتماً ليس بياناً سياسياً لكي نحكم عليه من منطلق سياسي أو اجتماعي. هو انتاج جمالي بالدرجة الأساس ويجب التعاطي مع العناصر الجمالية التي يتكون منها فحسب. البنيوية مضت أبعد من ذلك. انس حكاية مؤلف النص، قالت، ونوايا المؤلف (من هنا العبارة الشهيرة "موت المؤلف") انس معاني النص نفسها. النص هو مجرد بنية لغوية تتكون من مجموعة دلالات، ولكل دلالة دال ومدلول. وكفى الله المؤمنيين شرّ القتال! كيت ميلت، 34 من العمر، أكاديمية، حادة الذكاء، فنانة، راديكالية التفكير والسياسة، ناشطة في الحركة النسوية، تجدها دائماً في طليعة التظاهرات، مثل الصاعقة هبطت على المشهد الثقافي والسياسي مسلحة بكتابها "سياسات الجنس". أول كتاب في النقد الأدبي النسوي وأحد كلاسيكيات الفكر التحرري للمرأة. ميلت أقرّت بأن النص الادبي ليس مقالة، او بياناً سياسياً، ويا ليته كان كذلك لكان أذاه محدوداً جداً. النص الأدبي أعمق أذى من أية مقالة لأي ابن حرام حاقد على المرأة. النص الأدبي أخطر بكثير من أن نتكفي بمعاملته كمجرد عمل فني أو بنية لغوية. ليس فقط نقرأه من منطلق علاقته بالمجتمع والسياسة وانما أيضاً نحاكمه من موقع المرأة الجديدة، الثائرة النسوية. كيت ميلت انتمت الى ما يُعرف بـ"الموجة الثانية" من الحركة النسوية. أتباع هذه الموجة اشتهرن بتبني شعار: "الشخصي هو سياسي". المرأة التي تنجب أطفالاً وتقوم بالاعمال المنزلية ليست مجرد أم وسيدة منزل، لا هي موجودة في موقعها خضوعاً لما يُمليه النظام البطريركي الذي يحدد موقع الرجل والمرأة في المجتمع والدولة. في النص الأدبي كما في المجتمع، الرجل هو الفاعل المرأة هي المفعول به. هذا، طبعاً، لا يعني الاكتفاء بالتحريض ضد النص وادانة مؤلفه من خارج النص وانما من داخله أيضاً. وهذا ما فعلته ميلت. بمبضع جراح شرّحت ميلت النص الأدبي كاشفة عن سموم كراهية الرجال للنساء الكامنة في احشاء النص. تبني المؤلف التام للنظام الذكوري البطريركي ومسلماته التي تعتبر المرأة، في أحسن الأحوال، مواطنة درجة ثانية، وفي أسوا الحالات، تبرر، ان لم نقل تحرّض على، العنف ضد المرأة. نصوص أيّ من المؤلفين اختارات ميلت لكي تظهر صحة ما تقول؟ د. هـ. لورنس، هنري ميللر ونورمان مايلر! نعم، نصوص كتّاب معروفين بانهم اطاحوا بتابو الكتابة عن الجنس. المؤلفون الذين هاجموا أخلاق المجتمع البالية. مؤلفون صودرت كتبهم من السوق أو حتى مُنعت من النشر أصلاً. روّاد الحرية الجنسية والثورة الجنسية، هؤلاء الذين سيكتبون عن الجنس من دون مواربة ويسمون الاعضاء الجنسية بأسمائها الفاضحة (فهمكن كفاية!). ميلت ستبرهن على أن نصوص فرسان الحرية هؤلاء لا تقل تبنياً لمسلمات النظام البطريركي عن نصوص اي كاتب رجعي يهاجم المرأة علناً. ما الحكاية، مثلاً، في رواية لورنس الشهيرة "عشيق الليدي تشاترلي"؟ كونستانس تشترلي امرأة وحيدة، شقية في زواجها، خاضعة لمجتمع بالي الأخلاق، عاجزة عن التمرد. ما،أو من، الحل؟ اوليفر ميللرز، حارس الطرائد في الغابة التابعة للقصر. تذهب كونستانس اليه طلباً للجنس والحرية. ميللرز، لا ليس ميللرز كله، يكفي عضوه التناسلي لكي ينفذ المهمة المطلوبة. قضيب ميللرز سيحول كونستانس الى امرأة جديدة، متمردة وحرةّ. معجزة هذا القضيب، معجزة الهية، لا اقل! كتاب "سياسات الجنس" أسس لما يُعرف اليوم بالنقد الأدبي النسوي. بعد هذا الكتاب، وغيره من الكتب التي اتخذته لها مرشداً، لم يعد بوسع المؤلف الرجل، الذي يحترم نفسه طبعاً، أن يكتب عن الجنس من دون التفكير ملياً بما الذي سيكتبه وكيف سيكتبه! عرض أقل

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق