الأربعاء، 26 أغسطس 2020

يت ميلت، هنري ميللر و.. الفرج

SHARE

سمير اليوسف

اعادة قراءة بعض فصول كتاب الرائعة كيت ميلت "سياسات الجنس"، ذكرني بزمن الغباء في القراءة. وهو تقريباً كل زمن القراءة قبل أن يكتشف الواحد منا، هذا الواحد على الأقل، ما يحدث أمام أعيننا ومعنا. مثلاً ان الواحد، الذكر، يحق له أن يخرج من البيت، ويعود اليه، متى ما شاء بينما شقيقته، لا يحق لها أن تخرج، حتى لو لساعة من الزمن، قبل أن تحصل على موافقة والديها. لماذا؟ 

قرأنا الكتب الذكية ولم نجب على هذا السؤال. بل وانه لم يخطر على بالنا أن نطرحه أصلاً ولا خطر على الكتب التي قرأناها. بل أن الكثير من الكتب عززت جهلنا وتجاهلهنا لسؤال كهذا أو غيره من الأسئلة المماثلة. 

احتفينا بالكثير من الكتب باعتبارها نموذجاً صارخاً للحداثة الأدبية أو لأنها تحدّت المجتمع وحطمت تابوه الدين أو السياسة أو الجنس. منها أعمال الأميركي هنري ميللر، وهو أحد الكتّاب الذين تتناولت كيت ميلت اعماله في "سياسات الجنس".

احتفينا بمللر لأنه حطم تابو الكتابة عن الجنس بشكل فاضح. لأن كتابه الأول (مدار السرطان) نُشر سرّا في باريس ولم يُنشر في بلاده الا بعد ثلاثين عاماً وحتى وقتها تعرض للملاحقة القانونية. الى ذلك فان "مدار السرطان" كان نصّاً حداثيّ الاسلوب واللغة وتجاوز الحدود ما بين الرواية والسيرة. 

قبل ظهور كيت ميلت لا أظن أن أحداً تنبّه الى الكارثة التي تنطوي عليها كتب ميللر في ما يتعلق بموقفه من المرأة. لم ندرك بأن الثورة الجنسية التي بشّر بها ضد المجتمع المحافظ انما كانت على حساب المرأة نفسها. 

لا تُذكر المرأة في "مدار السرطان"، وما بعده من الكتب، الى مرادفة لما يستحق الاهانة والتحقير. أنها باختصار مجرد فرج. هناك رجل في الرواية يُدعى فان نوردن لا يشير الى أية امرأة الا وفرجها ملازم لاسمها او صفتها: جورجيا هي "جورجيا فرج" وهناك "الفرج الايرلندي" و"الفرج الدانماركي" و"الفرج الغني" والفرج الأحمق"  وفروج لا حصر لها. وهو طبعاً لا يستخدم كلمة فرج، لا، وانما الكلمة الثانية، كاف سين. بالضبط! 

وهذه ستكون البداية للمزيد مما يُسمى بتحطيم التابو. في النهاية ستتحول كتابات ميللر، او المثير للفضول فيها، الى الصراع ما بين القضيب والفرج، البطل هو القضيب دائما هو المهاجم، الفرج هو المتلقي الصامت والمستسلم. أما صاحبة الفرج الذي يتعرض للعدوان الغاشم فلا وجود لها. صامتة، وان حدث واعلنت عن حضورها فلكي تعبر عن مبلغ لذتها. أذكر في واحدة من راوياته اللاحقة، والرجل مع الايام ازداد سوءً، سنرى البطل (القضيب) يقوم بواحدة من عمليات الاختراق لحدود العدو (الفرج) وفجأة تهتف المرأة: "ما أروعك يا هنري!"

بل ما أخراك يا هنري! يا لك من رجل معتوه، عقله في رأس قضيبه، يا هنري! 

كان في ظهور كيت ميلت ضرورة تاريخية لوضع حد لمثل هذا الاستهتار الذي يجعل العنف الجنسي الطابع أمراً طبيعياً. تماما كما اعتبرنا ان من الطبيعي أن يخرج الرجل من البيت، ويعود اليه، ساعة يشاء، بينما شقيقته قد تحتاج الى واسطة الهية لكي يُسمح لها بان تذهب لرؤية صديقتها لساعة واحدة فقط. 


SHARE

Author: verified_user

0 facebook: