الاثنين، 3 أغسطس 2020

المسيحيّة الشرقيّة والفلسفة: محطّات ووجوه (الحلقة الثانية)

SHARE
 أسعد قطّان:

تحمل مسيحيّة القرن الرابع ختم النقاشات الكبرى في موضوع الثالوث الأقدس ووضع مداميك العقيدة. رسم الخطوط الرئيسيّة للعقيدة المسيحيّة شرقاً وغرباً ما كان ممكناً لولا العباقرة الثلاثة الآتون من كبادوكية في آسيا الصغرى: باسيليوس وأخوه غريغوريوس أسقف نيسّا وصديقه غريغوريوس أسقف نازيانز. تضلّعهم من الثقافة اليونانيّة أتاح لهم مواجهة تحدّي صوغ العقيدة المسيحيّة بلغة العصر وإرساءها على أسس متينة. كتابات الآباء الكبادوك تغصّ بالمصطلحات الفلسفيّة: الجوهر، العرض، الطبيعة، الأقنوم، القوّة، الفعل، الحدّ إلخ. بعض هذه المصطلحات يُستخدم وفق دلالاته الفلسفيّة المعهودة وبعضها يعاد تحديده انطلاقاً من مقتضيات الصوغ العقائديّ. ولكنّ المسألة ليست مسألة مصطلحات فحسب، بل مسألة بنىً فكريّة ومنطق عقليّ. باسيليوس، مثلاً، بنى إحدى أبرز حججه على ألوهة الروح القدس على فلسفة أرسطو: الروح «يفعل» مثل الآب والإبن، يقدّس ويطهّر ويحيي، وهذا يدلّ على أنّه مساوٍ لهما في الطبيعة و«الجوهر»، أي إنّه يشترك معهما في الألوهة ذاتها. هذا الترابط بين «الفعل» و«الجوهر» يضرب جذوره في ميتافيزياء أرسطو، ولا سبيل إلى فهمه من دون الأرضيّة الأرسطويّة. فالفيلسوف الإغريقيّ العظيم كان أوّل من نظّر لثلاثيّة الجوهر والقوّة والفعل وأظهر ارتباط هذه المفاهيم ارتباطاً وثيقاً. بالتشديد على العلاقة الوثيقة بين الجوهر والفعل استناداً إلى أرسطو يستبق باسيليوس عَلَمين من أعلام المسيحيّة الشرقيّة، هما مكسيموس الراهب المعترف وغريغوريوس بالاماس، استنجدا بالترابط ذاته، ولكن في سياقات مختلفة.

تتواصل المغامرة في القرنين الخامس والسادس. العام ٥٢٩، أغلق القيصر جوستنيان الأكاديميّة الفلسفيّة في أثينا، التي تعود أصولها إلى أفلاطون. ولقد نجم عن هذا هروب معلّمي هذا الصرح الفكريّ العريق إلى بلاد فارس، أي إلى أعداء الإمبراطوريّة الرومانيّة بامتياز. لقد اعتبر كثر أنّ ما قام به جوستنيان هو ذروة الصراع بين المسيحيّة المنتصرة وآخر معقل فكريّ من معاقل الوثنيّة. السلطة السياسيّة التي تردّت برداء الناصريّ سمحت لذاتها أن تقوم بعمليّة قمع فكريّ من الطراز الأوّل. ولكن كان هناك في المسيحيّة من يدرك أنّ هذا النهج القمعيّ مآلاته عقيمة. فالعلاقة بالفلسفة يجب أن يتحكّم فيها الحوار الخلاّق، لا الإجراءات الإقصائيّة. يمثّل هذا التيّار كاتب مسيحيّ يُطلق على نفسه اسم «ديونيسيوس الأريوباغيّ» لم يتوصّل البحّاثة حتّى اليوم إلى حسم مسألة هويّته بدقّة. طبعاً هذا الكاتب لا علاقة له بالأريوباغيّ الذي نقرأ عنه في كتاب أعمال الرسل، والأصحّ أنّه يختبئ خلفه. نعرف ذلك لأنّ ما تركه لنا من كتابات يستلهم بوضوح الأفلاطونيّة المحدثة «الوثنيّة» في آخر مراحل تطوّرها مع الفيلسوف بروكلوس القسطنطينيّ، الذي عاش في القرن الميلاديّ الخامس. نحن هنا، إذاً، أمام أكبر عمليّة احتجاب فكريّ في تاريخ المسيحيّة: كاتب من أواخر القرن الخامس أو أوائل القرن السادس، ربّما ينتمي إلى القائلين بالطبيعة الواحدة، يتجلبب بجلباب ديونيسيوس الأريوباغيّ الذي تنصّر على يدي بولس كما يسرد كتاب أعمال الرسل. الرمزيّة مقصودة طبعاً. فديونيسيوس الأريوباغيّ مسيحيّ من أثينا، أي إنّه يحيلنا إلى التلاقي والحوار بين أورشليم وأثينا، بين المسيحيّة والفلسفة.

كتابات ديونيسيوس «المنحول» تريد لذاتها أن تكون مكاناً لتعميد آخر ما أبدعته قريحة العقل الإغريقيّ: الأفلاطونيّة المحدثة كما أفصح عنها الفيلسوف بروكلوس. ليس ثمّة مفكّر مسيحيّ «انقضّ» على الفلسفة وحاول مهرها بختم مسيحيّ كما فعل ديونيسيوس هذا. كتابه «في الأسماء الإلهيّة»، مثلاً، محاولة لوضع مفاهيم أفلاطونيّة كبرى مثل «الجمال» و«الصلاح» في رصيد إله الكتاب المقدّس بعهديه القديم والجديد. ردّ فعل الأوساط الكنسيّة «الرسميّة» أتى في البدء متحفّظاً حتّى الرفض. من الواضح، قالت هذه الأوساط، أنّ كتابات ديونيسيوس هذا متأخّرة ولا تعود إلى ديونيسيوس الأريوباغيّ، تلميذ بولس. هي، إذاً، كتابات «منحولة». يضاف إلى ذلك أنّ رائحة القول بالطبيعة الواحدة في المسيح تفوح منها، وهذا مخالف لتعاليم مجمع خلقيدونية (٤٥١).

ولكنّ العقل المسيحيّ الأصيل يتّصف بالطواعية ولم يكن يوماً أسير خطوط التماس والتحديدات الضيّقة. والمغامرة التي تمثّلها كتابات ديونيسيوس المنحول تستحقّ أن تصبح جزءاً من التراث لأنّها تزخر بالجمال وتختزن في محاولتها مسحنة الفلسفة قيمةً عظيمة. كيف القيام بعمليّة الاستدخال هذه؟ الجواب بسيط: وضع مجموعة من التعليقات المطوّلة على كتابات ديونيسيوس المنحول وتفسيرها تفسيراً «أرثوذكسيّاً». في الماضي، كان البحّاثة يعتقدون أنّ من قام بهذه المهمّة هو القدّيس مكسيموس المعترف بالدرجة الأولى. ولكنّ العقود الأخيرة شهدت جهداً علميّاً صبوراً قوامه تقصّي المادّة التي نعثر عليها في المخطوطات القديمة وتحرّي هويّة كتّابها. ولقد أظهرت هذه العمليّة البحثيّة المضنية أنّ مكسيموس وضع بالفعل بعض الشروح على ديونيسيوس المنحول. ولكنّ معظم هذه الشروح يعود إلى يوحنّا أسقف سكيثوبوليس (بيسان) في فلسطين، وهو من أبرز لاهوتيّي القرن السادس. للأسقف يوحنّا هذا تدين المسيحيّة قاطبةً بإسباغ طابع الرأي القويم على كتابات ديونيسيوس المنحول، ما حفظها من الاندثار وجعلها جزءاً لا يتجزّأ من التراث المسيحيّ الجامع شرقاً وغرباً. وللحديث صلة...

(الصور: رسوم بيزنطيّة للفيلسوفين سقراط وأفلاطون، دير الميتيورا الكبير، بعدسة شادي كحّالة)
SHARE

Author: verified_user

0 facebook: