السبت، 22 أغسطس 2020

سمير اليوسف... بطلاتي (1) ايما بوفاري

SHARE




أحسب أن الذين قرأوا رواية فلوبير "مدام بوفاري"، مثل الذين لم يقرأونها، يظنون ان انتحار بطلة الرواية، في النهاية، يعود الى الخيانة الزوجية. صحيح، ايما بوفاري تدخل في سلسلة من العلاقات مع الرجال، ولكنها سعيدة في ذلك، فلماذا تنتحر؟

ايما انتحرت لأنها واجهت مصيرين لا ثالث لهما: اما الفضيحة أو أن تتحول الى مومس.

ايما كانت تحب أن تقدّم الهدايا الى عشّاقها وهي فعلت ذلك من خلال اللجوء الى مرابي تستدين منه. في النهاية تراكمت الديون عليها وكان لا بد من التسديد. "يجب عليك أن تسددي الديون بطريقة أو أخرى" يقول لها المرابي بكل وقاحة.

ايما ادركت على الفور ما الذي تعنيه عبارة "أو أخرى". أي أن تعطيه جسدها مقابل مسح الديون.

طبعاً اذا كنت جاهلاً بالمرأة، وتعتمد على الكليشيهات الأخلاقية البالية، وهو الأمر الواقع عموماً، ستقول: ما المشكلة؟ طالما انها كانت تتصرف كمومس أصلاً. امرأة تخون زوجها مع أكثر من رجل لا بد وان أخلاقها لا تسمو على أخلاق المومس.

هناك فارق كبير ما بين الحالتين: ايما دخلت أولاً في كل علاقاتها مع الرجال بارادتها واختيارها أما الآن فان المطروح عليها هو عملية ابتزاز، اما ان تبيعي جسدك أو الفضيحة؟

ايما تتخذ من الموت حلاً.

مأساة ايما بوفاري انها، ومن حيث لا تعي، تصرّفت كما يتصرف الرجال تماماً، الانتقال من عشيق الى آخر علاوة على تقديم هدايا الى عشّاقها. هذا ما يفعله الرجال عادة ويتباهون به أيضاً. وكيف لامرأة في، القرن التاسع عشر، بل كيف لأمراة في أي وقت، ان تنجو بعدما تتشبه بالرجال في أمر كهذا؟

لكن ايما لم تقصد التشبّه بالرجال. ايما بوفاري امرأة تحبّ الرجال، تحبّ أن تكون محبوبة منهم. وما العيب في ذلك؟ وهي، في حضور زوج بليد، تمتعت بكل الحرية لكي تطلق العنان لرغباتها. ولكن امرأة وحرة في الوقت نفسه؟ هذا في عالم تسيطر عليه الذكورية الشاملة يعتبر بمثابة تناقض منطقي.

مرة سُئل فلوبير "من هي ايما بوفاري حقا؟" أجاب الكاتب الفرنسي: "أنا ايما بوفاري!"

لا اعرف تماماً ما الذي قصده ولكن أحب أن أفكر بأنه كان يدرك بأنه أحياناً رغبة، او حتى حاجة، المرأة الى التعددية العاطفية-الجنسية، لا تقل عن رغبة أو حاجة الرجل، بل ولا تقلّ شرعية أيضاً.

(الصورة- الرائعة ايزابيل هوبرت في دور ايما بوفاري- في فيلم من اخراج كلود شابرول)

SHARE

Author: verified_user

0 facebook: