محمد خضير... بيت على نهر

يوليو 26, 2020


(مشاركة مع محمد سهيل أحمد)
على عكس "بيت" مهدي عيسى الصقر الفخم على "دجلة"، فإنّ عدسة الرحالة مدام ديلافوا تحتفظ بإطلالة هذا البيت الطينيّ الصغير على صفحة نهر بَصريّ، مغمورٍ بظلال السَّعف. بقيَ دجلة الكبير شاهداً على هجرة "الصقر" الى بغداد، ستينيات القرن الماضي، وعلى أحداثٍ عنيفة تلَت الهجرة، فيما ظلّ الموضع الذي تركه القاصُّ بقرب نهر صغير، كالنهر الذي تظهره كاميرا استطلاع هادئة، خالياً من رتوش الزمن العنيف. كان النهر، كالشارع الاسفلتي المُستحدَث، يسيران معاً في ذاكرةٍ خرقتْها أقدامُ شخصياتٍ جنوبية تتطلع إلى العيش في مدن كبيرة وسط العراق..
وعلى مفترق السَّرد الخمسينيّ لمدرسة القصّاصين الانتقاديين (مهدي الصقر أرهفُهم صوتاً وانفراداً بحساسيته الريفية) ترتدّ الخطواتُ الحذِرة إلى موضع الانطلاق الأول، تستفيئ بظلّ وقفةٍ قرب جدار طينيّ، بقايا ذلك الجدار، الذي اجتذبَ الى حُفَرهِ آلافَ الحشرات والزواحف، فضلاً عن الوجوه الغريبة، الهاربة من ملاحقةٍ ما تستخطرُ حياتَها. فالجدار المهدّم (ذات الجدار في قصة الصقر -القلعة والقارب- الريفية) يؤرّخ لمراحل متعددة من الملاحقة والهروب. ولا يُمكن قراءة نصٍّ مرتسمٍ على ورق الصحف الأصفر، من غير علاماتٍ ثابتة في الضمير الاجتماعي "المجعّد" كمنشور حزبيّ استنهاضيّ، صادرٍ من خلف جدار البيت القديم، كبيت الصورة.
ما الذي تستنهضه عينٌ فضوليّة، عينُ رحالةٍ أجنبية، من ظُلّة ضميرٍ مُسترخ في مناخه الحار والرطِب؟ إنّ العين الغريبة/ عينَ الاستعمار الاستشراقي تعرّي الضميرَ من أسماله، وتسحبه من أذنه، إلى موضع الدرس الأول، في عمق البساتين، داعيةً إياه إلى تحديث لغته الانتقادية، وتوسيع مداه الاجتماعي، وقراءة العلامات الأولى بتحليل سيميوطيقيّ يعيد للنهر مجراه، بعد أن طمرته أطيانُ الهجرة في "قوارب" الهروب.
وبالسليقة نفسِها من الرصد والاسترجاع، يستطيع السَّرد أن يتخلص من كسل الطفولة البريئة، ويسرّع مسيرها. الأمجادُ القديمة، السقطاتُ والاندفاعات الهُوج، الإطلالاتُ من شرفات القمر، أنشوداتُ المطر، الحنينُ العذري المخروق، تستيقظ من جديد في صورة رحالةٍ مسترخية على قاربها، يتهادى في ممر القرن الاستعماري الكبير.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة