المسيحيّة الشرقيّة والفلسفة: محطّات ووجوه (الحلقة الأولى)

يوليو 27, 2020


 أسعد قطّان:

«في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله».

هذه الآية الأولى من إنجيل يوحنّا لا تعكس تأثّراً مسيحيّاً بالفلسفة. فالشرّاح يجمعون اليوم أنّ كاتب الإنجيل الرابع لم يقتبس لقب «الكلمة» (لوغوس) لا من الفيلسوف اليونانيّ هيراقليط، الذي عاش نحو ستّة قرون قبل يسوع الناصريّ، ولا من فيلون الإسكندريّ المعاصر ليسوع. والأرجح أنّ اللوغوس اليوحنّاويّ يحيل إلى مفهومي الكلمة والحكمة في العهد القديم: «كلمة الربّ التي صارت إلى.../الحكمة تنادي في الشوارع وفي الساحات تطلق صوتها». ولكنّ غياب الأفق الفلسفيّ عن إنجيل يوحنّا لم يمنع المفكّرين المسيحيّين من اعتبار ورود لفظ «الكلمة» في مقدّمة الإنجيل مدعاة للقيام بأكبر مغامرة سيخوضها العقل المسيحيّ في تاريخه: ورشة الحوار مع الفلسفة اليونانيّة، بكلّ ما تشتمل عليه العمليّة الحواريّة من جرأة وخطورة، ومن ثقة بأنّ الديناميّة أبقى من الجمود وأنّ الحياة أقوى من الموت.

اللاهوتيّ الذي افتتح هذه المغامرة كان يسمّي نفسه يوستينوس «الفيلسوف». وستغدق الكنيسة عليه لقب «الشهيد» بعدما أُعدم في زمن القيصر ماركوس أوريليوس في أواسط القرن الميلاديّ الثاني. لا يتردّد يوستينوس في فضح ضحالة المدارس الفلسفيّة التي عرّج عليها قبل اهتدائه إلى الأفلاطونيّة، ومنها إلى المسيحيّة. ولكنّه أيضاً لا يخفي إعجابه بسقراط وبإخلاصه للحقيقة. وهو يراه «منتمياً إلى المسيح قبل المسيح»، ويجد لديه ولدى عدد من الفلاسفة الآخرين «بذوراً» من لدن الكلمة. هذا الفكر الذي يرى المسيح مبذوراً في ظواهر ثقافيّة «خوارجيّة» سيسترعي انتباه بعض الذين تعاطوا حوار الأديان في القرن العشرين. وهو ما زال يلهم لاهوت الأديان حتّى يومنا الحاضر.

تتواصل المغامرة في الإسكندريّة، ولا عجب. فهذه المدينة البحريّة هي وريثة أثينا في التبصّر الفلسفيّ بين القرنين الأوّل والرابع. المعلّم كليمنضس يتتبّع آثار المسيح في الفلسفة والأخلاق لدى الإغريق. ولكنّ الإسم الأبقى أثراً يظلّ أوريجنّس. في الماضي، كانوا يعتبرونه مفكّراً مسيحيّاً متأثّراً بالأفلاطونيّة المحدثة. اليوم نعرف أنّ هذا التيّار الفلسفيّ لم يكن يوماً حكراً على غير المسيحيّين. منذ لحظة التفجّر، كانت هناك أفلاطونيّة محدثة «وثنيّة» يمثّلها أفلوطين، وأفلاطونيّة محدثة مسيحيّة إمامها أوريجنّس. كلّ واحدة منهما أخذت على عاتقها إعادة تأويل فكر أفلاطون ونفحه بصبغة صوفيّة، ولكن طبعاً انطلاقاً من فرضيّات مختلفة: أفلوطين بلجوئه إلى قبليّات الفكر الإغريقيّ، حيث الكينونات العقليّة تفيض الواحدة من الأخرى، وأوريجنّس عبر لجوئه إلى المسيح، الكلمة الكونيّ الذي يبدع كلّ شيء ويملأ الكلّ في الكلّ.

بلى بلى! هذا هو أوريجنّس نفسه الذي حكمت الكنيسة على بعض أفكاره في القرن الميلاديّ السادس. كان أتباعه قد انتشروا في ديورة فلسطين وسوريّا وحوّلوا ما أتى به من آراء لاهوتيّة تجريبيّة في أصل الكائنات العاقلة ومآلاتها إلى «عقائد». ولكنّ المعلّم الإسكندريّ لم يكن مجرّد مفكّر نظريّ، بل كان أيضاً مفسّراً عظيماً للكتب المقدّسة وناسكاً متشدّداً. ولقد وضع كتاباً عن الصلاة، هو الأوّل من نوعه في تاريخ المسيحيّة، سيطبع أجيالاً من النسّاك والرهبان والمتصوّفة ويظلّ طوال قرون أهمّ مرجع في هذا المضمار. وحين أخذ اسم أوريجنّس يوحي بالريبة بسبب تطرّف بعض أفكاره، راحت نصوصه تتسرّب إلى المخطوطات تحت أسماء مستعارة أو عبر نسبتها إلى معلّمين كنسيّين آخرين. هكذا حمت الكنيسة نفسها من تطرّف أوريجنّس وحافظت على أثمن ما ابتدعته قريحته. وللحديث صلة...

(الصور: رسوم بيزنطيّة للفيلسوفين سقراط وأفلاطون)

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة

الاخير