بوب ارت ام كلثوم لمحمد الحجيري

يوليو 15, 2020


«بوب آرت أم كلثوم ـــ الحب، الصوت، السلطة» هو عنوان المؤلّف الجديد لمحمد الحجيري الذي صدر أخيراً عن «منشورات الجمل». يرصد الصحافي اللبناني حضور أم كلثوم في لوحات وصور فن البوب العربي في بلدان عدّة منها مصر ولبنان والمغرب العربي، ويوغل من خلال هذه الصورة في قراءة جماليّة بصريّة، وأخرى سياسية لاستخداماتها. في انتقال صورة أم كلثوم من التراث الطربي إلى البوب آرت، هناك طبقات متعدّدة من المعاني التي تقوم على تناقضات يتوقّف عندها الكاتب في مؤلّفه.
من الكتاب
في بداية اندفاعي إلى الكتابة، قبل أنْ تكونَ مهنةً وعملاً يومياً، منذ نَحو عقدين ونيف، دوّنت مقالاً هزيلاً في إحدى الصحف المحلية اللبنانية، أو هكذا أصفه اليوم، عن ذكرى رحيل أم كلْثوم. كانَ هدفي أنْ أكتبَ وأرى اسمي مطبوعاً في جريدة، من بابِ اثبات وجودي واكتشاف ذاتي، في زمنٍ كانَ للورق وقعه وناسه وطقوسه وغلاته. أوردتُ في المقال ما كتبه إدوارد سعيد، المفكّر الأميركي من أصلٍ فلسطيني، في مقاله "تحيّة إلى تحيّة" وجاءَ فيه: "خلالَ حياتها (أمّ كلْثوم) كانَ هنالك سجالٌ ما إذا كانتْ أو لم تكنْ أمّ كلْثوم مثليّة الجنس ("سحاقيّة" بحسب ترجمة مجلة الآداب)، لكنْ يبدو أنَّ قوّة وسحرَ أدائها جعلَ الجمهور يتجاهل ذلك"... لمْ أفهمْ يومها هل كان هذا الكلام مديحاً أم ذمّاً لـ"السّتّ"؟ هل كان متناً أم هامشاً؟ لكنd أوردته في مقالي الهزيل، وحذَفته الصّحيفة اللبنانيّة الاسلاميّة "المتزمّتة" والتّقليديّة. لمْ أكن حينها عارفاً بقَضِيّة المثليين، ولمْ يكنْ الإنترنت قد انتشرَ وسمحَ للجميع، مِنْ مختلف المجالات والانتماءات والهويّات، بتعويم كلّ قَضِيّة شائكة وساخنة، سواءً أكانتْ صغيرة أم كبيرة، حقيقية أم مزيّفة، "محرّمة" أم مسموحة.

وخلال السنوات القليلة الماضية، تحوّلت "الإشارة" السعيديّة العابرة عن أمّ كلْثوم "سنداً" ومفتاحاً لعشرات المقالات، المفتعلة أو الرصينة التي، تتحدّث عن "ثقافة الجندرة" و"جنسانيّة أمّ كلْثوم". مجرّد أن ذكر إدوارد سعيد مقولة الـ"سجال ما إذا كانت أو لم تكنْ"، صارَ ينبغي، في عُرف "جماهيره" وعشاق ثقافته، التطرّق إليها، على نحو ما كتبَ عن "نضال" الرّاقصة تحيّة كاريوكا، فوجدَ مجموعة من المثقفين واليساريين، مبرراً "شرعياً" لإعلان حبّهم لهز البطن وللرّقْص الشّرقي والراقصات والكتابة عنهن وعن رغباتهن أو عما شابه، وهذا وجهٌ من وجوه الثقافة النمطيّة ومآلها القائمِ على التحزّب والعصبية...

وباتَ الحديثُ عنْ "مثليّة" أمّ كلْثوم مُوْضَة رائجة شفاهياً وكتابياً. بالطبع في الجانب الشفاهي، قدْ نَسمعُ نمائمَ، تتّهمُ عشرات الكتّاب والممثلين والشعراء بالمثليّة، والقصد بـ"الاتّهام" في جانب منه، هو محاولة الحطّ من شأن الشّخص، لكن هذه النمائم تتقلّص كتابياً إلى حدّ الندْرة. أمّ كلْثوم التي تزوجتْ مرتين بشكل معلن (في الواقع هناك تضارب في المعلومات حول عدد زيجاتها ومن هم أزواجها، وليس هذا موضع بحثنا) ولم تكن أي زيجة منهما تقليديّة، فقد فسخ الزواج الأول خلال أيام، وفي المرة الثانية تزوجت وهي في الخمسين من عمرها رجلاً أصغر سناً ولديه أطفال من زوجته السابقة. في سيرتها الذاتية، ثمّة من يستسهل الحديث عن مثليتها، وهناك من يحاول حجب أي إشارة تلمح إلى ذلك. وعُشَّاق الحديث عنْ مثليّة أمّ كلْثوم، عشرات الكتّاب والكتبة، والمواقع التي تبحثُ عن جمهور، وتحاولُ اختزال مطربة فذّة ونادرة، لم تعشْ "حياةً واحدةً"، ولا يمكنُ اختزالها أو تقزيمها.. وهم يلجأون إلى البرهان مرّة بصورة معجبة مجهولة الهوية والاسم، تُقبّل أمّ كلْثوم في لحظة غِرّة، على فمِها، وتلتقط الكاميرا الصورة التقاطاً فجّاً، كأن الصورة تقول بـ"الجرم المشهود"، ويصعب تفسير لحظتها. وإن كانتْ في معانيها الآن تشير إلى نوع من الحبّ المثليّ، فهي ربّما تكون اعجاباً عادياً وليس تحرشاً أو حباً، وفي ذلك الزمن كان تقبيل أنثى لأنثى على الشفاه أمراً عادياً ومألوفاً ونراه في الأفلام... و"المعجبة" (لا نعرف ان كانتْ الصورة حقيقية أم مركّبة) تمسكُ خديّ أمّ كلْثوم الجالسة لتخطف قُبْلة، ويبرّر البعض أنّ قُبْلَة الفَم بين الأصدقاء_ الصديقات، تحصلُ أحياناً من دون أنْ تكونَ لها دوافع مثليّة أو غرامية، أو ما يدعو إلى الشَّكِّ.

وليستْ هذه الصورة وحدها التي يستعملها الكتبة والكتّاب للإفاضة في الكلام عن موضوع مثيرٍ للجدل، فأحدهم يعتبرُ أن وقوفَ أمّ كلْثوم على المسرح وإطلاقها أُغْنِيَة "اعطني حريتي أطلق يديّ"، هو تمرّد على الواقع، وليس مجرّد طربٍ وجذلٍ ولهوٍ وإرضاءٍ للجمهور، فأمّ كلْثوم المرأة تريدُ حريتها في هذا العالم. وباتَ البعض الآخر يتفحّص نوايا أمّ كلْثوم وهي تنظر بإعجاب إلى إحدى المراهقات النوبيات، أو تتأملُ فتاةً تقدّم الرّقْص الشّرقيّ في أحد المنازل، وتذهبُ النوايا أبعد من ذلك إلى صورة "ثومة" مع عاملة منزلها وهما يجلسان على مقعدٍ في حديقة الدّار... وتتحوّل النظرة الكلْثومية "شهوة أثمة" في رأي بعض الصحافيين والمحلّلين... ولا ضير في التذكير أن الكاتبة الجزائرية - الفرنسية، إيزابيل صياح – بوديس في كتابها "أمّ كلْثوم.. كوكب الشّرق" ذكرتْ أنّ "السّتّ" كانتْ "لا تشعر بأنوثتها إلا مع النساء الصّديقات، تحبّ أنْ تصغي إلى حديث المجوهرات والموضة والطبخ... فتخلع عنها كفيتها، وتبدو كنساء القصص التي تقرأها سراً في غرفتها"... وتعاود إيزابيل صياح، الرّهان على أهمية الصداقة النّسائية لدى أمّ كلْثوم، صداقتها مع حورية اليونانيّة التي تفسّر الاحلام، وعائشة في طماي الظواهرة بلدتها...

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة