الاثنين، 15 يونيو 2020

إلهي إلهي لماذا تركتني...

SHARE


  أسعد قطّان

يفيدنا دارسو الكتاب المقدّس بأنّ أوثق مخطوطات إنجيل مرقس لا تنطوي على المقطع السرديّ عن ظهورات القائم من بين الأموات الذي نجده في معظم ترجمات العهد الجديد. الإنجيل، كما خطّه مرقس الإنجيليّ، ينتهي إذاً بخوف النسوة أمام القبر الفارغ: «فخرجن وهربن من القبر لأنّ الرعدة والحيرة أخذتاهنّ، ولم يقلن لأحد شيئاً لأنّهنّ كنّ خائفات». إنجيل مرقس، بخلاف الأناجيل القانونيّة الأخرى، لا يشتمل على أيّ ظهور ليسوع بعد قيامته من بين الأموات.

ينتج من هذا أنّ كلمات يسوع الأخيرة في هذا الإنجيل هي جملته على الصليب: «إلهي إلهي لماذا تركتني؟». كم رواية أو أقصوصة أو قصّة قصيرة قرأتم في حياتكم، كلمات «بطلها» الأخيرة هي مجرّد سؤال؟ لا شكّ في أنّنا هنا أمام ظاهرة نادرة جدّاً لا في الأدب القديم فحسب، بل في الأدب الحديث والمعاصر أيضاً. الشخصيّة الرئيسيّة في الإنجيل، أي يسوع الذي من الناصرة، تختتم كلامها في هذا النصّ الأدبيّ الرفيع بسؤال يعبّر عن خوف الإنسان الذي يحسّ بأنّه متروك فيما هو يواجه الموت. العبارة مستمدّة من سفر المزامير طبعاً. ولكنّ هذا لا يقلّل من وقعها، ومن قوّتها الجارحة. يسوع على الصليب في إنجيل مرقس متضامن مع كلّ المقتولين على وجه الأرض، ومع كلّ الذين يموتون وهم يشعرون بالمتروكيّة، أي بأنّ الله تخلّى عنهم في كارثة الموت. هذا هو «ردّ» إنجيل مرقس على معضلة الموت. يسوع على الصليب في هذا الإنجيل يكشف لنا أنّ ابن الله لا «يتفلسف» على الناس في لحظات الموت، بل يقف إلى جانبهم ويطرح الأسئلة معهم، لأنّه يعرف تماماً معنى أن يموت الإنسان، ومعنى أن يخاف من الموت.

طبيعة المسيح البشريّة هي ما يجعل هذه الخبرة ممكنة. يسوع كان إنساناً حقيقيّاً حتّى درجة الموت والخوف من الموت. ولكنّ بنوّته لله هي ما يجعل موته على الصليب حدثاً فريداً، حدثاً ذا معنى خلاصيّ، وما يجعل السؤال عن المتروكيّة على لسانه ذا وقع مختلف، بمعنى أنّ هذا السؤال يصبح ذا دلالة لكلّ إنسان يواجه الموت. هذه البنوّة لله تظهر بقوّة في حادثة الصليب المرقسيّة. مَن يكتشفها هو قائد المئة، أي الضابط الرومانيّ الذي لا ينتمي إلى شعب الله، ولا يفقه أيّ تفصيل من حكاية الله مع شعبه: «حقّاً كان هذا الإنسان ابن الله». حدث الصليب يفتح إنجيل يسوع على مصراعيه للأمم، للخوارج، للهامشيّين، لمن يمتلكون حكايات أخرى لا نقرأ عنها بالضرورة في الكتب التي تعوّدنا أن نقرأها. في إنجيل مرقس، تُظلم الدنيا قبل موت يسوع وينشقّ حجاب الهيكل بعد هذا الموت «من فوق إلى أسفل». ولكنّ قائد المئة يكتشف أنّ يسوع هو ابن الله لا بسبب الظلمة ولا بسبب الزلزلة: «ولمّا رأى قائد المئة الواقف مقابله أنّه صرخ هكذا وأسلم الروح قال حقّاً كان هذا الإنسان ابن الله». صرخة الموت التي أطلقها يسوع هي التي كشفت للرجل الذي يراقب الحدث «من الخارج» أنّ المصلوب ليس مجرّد إنسان عاديّ، بل هو أيضاً ابن الله. الله لا يقيم في الخوارق التي نبحث عنها كلّ يوم، بل في صرخات الموت التي تحيق بنا ولسنا بحاجة لأن نبحث عنها. ظهور الله على الصليب في إنجيل مرقس يحمل إذاً ختم الموت، ذلك بأنّ الله يتراءى في الموت. الموت، هذا «المكان» الذي هو عنوان غياب الله يصبح عنوان حضوره. هناك، في نفق الموت، في «حضرة الغياب»، كما كتب محمود درويش، يلاقينا الله بواسطة ابنه، ويمنحنا تعزيةً مفتوحةً على خبرة من نوع آخر، خبرة النور الذي ينبثق من الظلمة، خبرة القبر الفارغ الذي به يختتم مرقس إنجيله. غياب ظهور القائم من بين الأموات في إنجيل مرقس ليس صدفة. من يطلب هذا الظهور، يجب أن يبحث عنه عند قدمي المصلوب...

(الصورة: المصلوب، المتحف الفاتيكانيّ)

SHARE

Author: verified_user

0 facebook: