محمد خضير قُربان:

مايو 20, 2020

تتردد كلمة "قُربان" في ثنايا الأداء الرائع لمقرئي المقام التراثي المسمى ب"القوريات" أو "الخوريات" (رباعيات شعرية من الموروث التوركماني في منطقة كركوك حصراً، يُوظَّف في نظم ألفاظها الجِناسُ والطِباق). وإذْ كنتُ أحسبُ "قُربان" كلمةَ "تسليم" تقليدية، تتردد على أوتار الصوت الشجيّ/ المتألّم، حالها كحال تحريرات المقام وتسليماته من مثل "أمان" و"جانم" و"حيران" و""يار"، متكررة أكثر من مرة، ساحبةً معها نياطَ القلب المستسلِم لقدرهِ "القُربانيّ"؛ فإذا بها صوتُ احتجاجٍ مجازيّ على فُرقةٍ وابتعاد وحنين؛ بقدر ما هي تعبير عن طربٍ تصوفيّ يجتاح الإنسان في موقعه المعزول في تكية أو مكان عمل او محبس!
لكنني، وانا أردّد قُرباني القَدَريّ طرِباً، مستسلماً مع نفسي لجهة القلب القارئ صمتَ السنين وقسوتَها على أعراق الشعب العراقي، تمكّنتِ الكلمةُ الغنائية التوركمانية من المعنى المقارب لها في العربية، أي من الأصل التاريخي للفداء والتضحية بالنفس او بالآخر المنذور "قُرباناً" لقوة طاغية، سماويّة او أرضيّة، وسحبتها لجهتها، دلالياً ولفظياً. فما الذي نعرفه عن الشراكة في تقديم "القرابين" السريّة لطواغيتنا، من أجل المرور بين أخطار لا حصر لها، أو من أجل مصالحةٍ معمّدة بالدماء؟
بالعودة الى معجم اللغة التركية، ستزداد القرابةُ بين كلمتين متقابلتين لفظاً ومعنى. فقُربان التركية تعني ما تعنيه قُربان العربية، فهي تؤدي معنى: القُرب والمحبّة والمصاهرة والجمال، كما أنها تُخفي في ظلالها المعتمة معنى الذبيحة والأضحية. لكنّها - وهذه الزيادة العجيبة في الأداء الغنائي التوركماني- نفضَت ظلالَها كلّها لتحمل معنى رئيساً واحداً هو: الجميل والبديع.
قُربان.. قُربان.. قُربان.. صوتٌ يتدحرج كصخرة من أعلى الجبل إلى سهل التضحيات والقرابين، حاملاً الرجاء بالقُرب والحنان والمحبة. تلك هي الأغنية، الممنوعة من الوصول الى قلوب متباعدة!
لنؤمن بأنّ صوت الأغنية أعلى من نداء الدَّم: هذا ما يعنيه "القوريات" الحزين. وما عدا القُربان الغنائي فهو محض هراء!
تأملوا في هذه القرابة الصوتية، ولتُمعنوا في عسف الطواغيت الذين فرّقوا بين الصوت وتاريخه المسالم، ومنعوا الأصوات "الإثنية" المتقاربة من أن تصدح بأغنيةٍ واحدة.
سيذكّرنا "قوريات" كركوك بسعة العالم الذي اجتمعت أصوات مغنّيهِ يوماً في كورالٍ جماعيّ ضد حرب فيتنام والتهديدات النووية والمجاعات الإفريقية والتجاوزات الكولنيالية ضد شعوب العالم الثالث!
ما الذي يمنع العراقيين، على اختلاف أعراقهم وألسنتهم، وهم يملكون صوتهم القُرباني، ، من الدلالة على "قرابتهم" بأيّ أداءٍ وأسلوب ولغة؟

(الصورة: من صفحة الصديق وجدي مصطفى لمجموعة من قراء المقام في كركوك)

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة