لقاءات مع الواقعي: مدخل_ فيسِنت بالوميرا

مايو 01, 2020


Encounters with the Real: An Introduction
لقاءات مع الواقعي: مدخل



VICENTE  PALOMERA
فيسِنت بالوميرا
الى العربية:  د. وسام جبران
مراجعة وتنقيح: خليل سبيت

اللاوعي هو، أولاً، أداةُ التّدليل على الحقيقةِ في الواقع. وما كشف عنه فرويد هو حقيقة الحدث الذي كان له أثرا على الجسد والعقل، من حيث هو لقاء قاسٍ مع واقع الجنسيّ بوصفه صدمة.
لنبدأ مع مثال عياديّ مأخوذٍ من مُراسلات فرويْد مع صديقه ويلهلم فليس Wilhelm Fliess. ففي رسالة بتاريخ 29 كانون الأول (ديسمبر) 1897، يُناقش فرويْد حالة "السّيد ي" (Mr. E)، الذي كان قد تعرّض الى نوبة هلع في سن العاشرة، حين حاول التقاط خنفساء سوداء. في الجلسة العياديّة، حين تحدث السيّد ي عن تلك النوبة، ربط خلال حديثه ما بين كلمة (خنفساء) (بالألمانيّة käfer) وكلمة (دعسوقة/ خنفساء صغيرة) (بالألمانيّة Marienkäfer). قبل القيام بهذا الربط، كان السيد ي قد تحدث عن أمه، والتي كان اسمها ماري Marie. [لاحظ الربط اللفظي القائم باللغة الألمانية التي تحدث بها المُتحلّل]، ولكي نوجز القصّة، فإن موضوع الأم شكّل قاعدةً لمزيدٍ من تداعيات الخواطر، حيث تداعى اسم الأم Marie، في قطار التداعيات، الى الكلمة Marienkäfer. علاوة على ذلك، حين تحدث السيد ي عن أمه، تذكر محادثةً، كان قد استمع إليها، دارت بين جدته وعمّته حين كان صغيراً. والمحادثة تناولت موضوع زواج أمه والتي "بدا عليها التردّد وعدم القدرة على تحديد موقفها لبعض الوقت".[1]
حين كان طفلاً، لازمت السيد ي مربيةٌ فرنسية الأصلِ، مما جعله يتعلّم اللغة الفرنسية قبل تعلُّم الألمانية. وقبيل الجلسة التالية "تبدّى له معنى كلمة käfer (خنفساء) بمعنى: qué faire? (ما العمل؟) تحديداً؛ أي "عدم القدرة على اتخاذ قرار".[2] والعبارة الفرنسية (ما العمل؟) تعبر عن تردد والدته في شأن اتخاذ قرار الزواج، وهي الفكرة التي حاول السيد ي تجنبّها بوضوح.
تُظهر الحالة من خلال كشف العوامل الحاسمة اللاواعية لنوبات هلع هذا المريض، أن دلالة "خنفساء käfer" أو "دعسوقة Marienkäfer" هي مُضلِّلة: فالهلع لا يتجلّى من خلال (أو نتيجة لـ) علاقة مع أنواع محددة من الحشرات. الامر المهم هو الدالّ signifier: فبالنسبة لهذا الرجل الذي تكلم الألمانية بعد الفرنسيّة، كلمة käfer مسموعة بشكل شبيه لعبارة qué faire التي هي من لغة طفولته.  وعلى نحو غير واع (أو في لاوعيه)، حمل كلاهما نفس الدالّ، فلكلاهما في النهاية نفس النبرة الصوتيّة.
إن هذا الظهور المفاجئ لـ "الخنفساء/ käfer" تداعى بالترابط مع القضية المُقلقة لتردد الأم في أخذ قرار زواجها، والذي هو، بوصفه طفلها، نتاج له، لهذا الزواج.
 وهذا أمر مربك: ومن هنا ذُعره.   
ما تكشفه لنا هذه الحالة هو:
-         تلذُّذٌ لم يكن منظماً، والذي هو تلذّذ جسد الذات.
-         وإن هذا التلذُّذ قد حُفرَ لاحقاً، في صيغة عَرَض (في الحدث، هستيريّاً).
-         وإن التلذّذ المذكور يتجّلى في تفتُّق استقرار المشاعر، الذي نعمت به الذات سعيدة حتى ذلك الحين.
-         وإن هذه الهواجس منسوبة الى الآخر(الكبير).
كما ترون، يمكننا تشخيص اللاواعي بوصفه العامل الذي يسمح بإعادة توزيع التلذّذ على أساس المعرفة الجنسية، وظهور الحس الجنسيّ بمظهرٍ جديد في كلّ مرة يكون فيها تفتّق الشّعور أو انعدامه حاضراً لدى المُحلَّل، وحينما تكون هنالك فجوة في سلسلة الدوال التي تتحكّم بتوازن الجسد.

في رسالته القصيرة الى فليسْ Fliess عام 1899، سلّط فرويْد الضوءَ على هذا اللقاء مع الواقعيّ على النحو التالي:
عزيزي ويلهلم
وبعد، سأكون أول من يُخبرك بأخباري، وبعد سقوط ومضات الشُّهُب التي أضاءت السماء الحالكة لزمن طويل، فهي لم تنطفئ بالنسبة لي بعد، ففي تلك الومضات، لمحت فجأةً أموراً عدة [...]
في المكان الأول، القليل من تحليلي الذاتي قد شقّ طريقه قُدماً وأكّد أن التخيّلات هي نتاج مراحل لاحقة، تعكس بأثر رجعي ما كان يعتبر حاضراً في مرحلة الطفولة المبكرة؛ والطريقة التي يظهر بها ذلك مرة تلو المرة هي عبر الرّوابط اللّفظية. وحول السؤال "ما الذي حدث في مرحلة الطفولة المبكرة؟" فإن الإجابة هي "لا شيء، عدا عن حضور لجرثومة دافع جنسي" [...]
وفي المكان الثاني، فقد قمت بسبر معنى عنصرٍ نفسيٍّ جديدِ أعتقد أن له أهمية عامة، ومَرْتَبةً سابقةً للعَرَض (وحتى ما قبل التخيّلات).[3]
ما يؤكده فرويد هنا، هو اكتشافٌ:
أولا، إن الأوهام هي نتاج مراحل لاحقة، تعكس بأثر رجعي ما كان يعتبر حاضراً في مرحلة الطفولة المبكرة. والطريقة التي يظهر بها هي عبر الروابط اللفظية S1−>S2.
ثانياً، "ما الذي حدث في مرحلة الطفولة المبكرة؟" والإجابة هي "لا شيء، لكن جرثومة الدافع الجنسي قائمة" [...] "لقد سبرت معنى عنصرٍ نفسيٍّ" [...] "مرتبة سابقة للعَرَض" [...]
والآن دعونا نذهب الى دراسات لاكانْ المتأخرة: 1971-72، في سِميناره العشرين (SeminarXX: Encore)، يطرح لاكانْ فكرة التكافل ما بين أوديبوس (Oedipus) و"اسم الأب" (Name-of-the-Father) والعَرَض (symptom). وفي سميناره الثالث والعشرين: السينتوم (Seminar XXIII: The Sinthome)، يقول: "إن العقدة الأوديبية، بحد ذاتها، هي عَرَضٌ، وكل شيء يبقى على ما هو عليه ما دام "اسم الأب" هو أبُ الاسم أيضاً، ولا يؤدي هذا الأمر الى الانتقاص من ضرورة العَرَض...[4]
أود أن أقترح عليكم البدءَ من هذا، كوسائل للولوج الى موضوعنا، "لقاءاتٌ مع الواقعيّ داخل العيادة".
من هنا تنبثق بعض الأسئلة:
1.         ما هي حاجتنا الى العَرَض؟
2.       ما هي العلاقة بين "اسم الأب" والعَرَض؟
3.      كيف يمكن للعَرَض أن يعمل بوصفه "اسم الأب"؟
وقبل الإجابة على جميع هذه الأسئلة، علينا وضعها في سياقها: فجميعها تنسحب من دراسات لاكانْ الأخيرة، لا سيما بعد العام 1972.
كما تلاحظون، فإن أهمية هذه الأسئلة لا تتعلق كثيراً في بعض التصورات المُبتكرة، بل في اكتشافات لاكانْ الشاملة لبُنية اللاوعي.
كان ذلك في سميناره العشرين Seminar XX: Encore، اذ قدّم لاكانْ بديهيّة جديدة، تقول بأن التلذُّذ هو المسألة الجوهريّة التي تواجهها كلّ ذاتٍ (وليس مهما ان كانت تلك الذات لمن هو/ هي ذُهاني/ة psychotic أو عُصابيّ\ة neurotic). هكذا، ومنذ عام 1972 صعوداً، غدا سؤال التلذُّذ هو السؤال الذي في الصدارة، لا سؤال اللّغة أو الآخر الكبير.
طوّر لاكانْ أطروحةً تتجلى في القول بأن هناك، حيث يُفصح "اسم الأب" عن قصوره (تصدّعه) في الاستجابة لدعاء الذات، في سعيها لتسمية التلذّذ، أي للتعامل مع التلذُّذ، يكون على الذات أن تُعدَّ نظاماً جديداً، يرى في العَرَض ذاك الشيء الذي لا يتوقّف عن الكتابة (عن التكرار).

A jouissance that “ex–sists”
التلذذ الـ "موجود - كخارجي"
إذن، فإن بديهيّة لاكان تلك تشكل "نقطة تحول" في تدريسه، على الرغم من عدم سهولة فهمها دوماً، ويُعزى ذلك جزئياً الى حقيقة أن لاكانْ لم يصرّح بشكل واضح، عن تلك الطريقة الجديدة لمقاربة ما ندعوه "التجربة العياديّة". قبل عام 1972 (منذ خطاب روما 1953 وحتى السمينار العشرين Seminar XX: Encore) وضع لاكانْ بُعْدَ الآخر (الكبير) في المقام الأول، أي بُعد اللّغة، بُعد الاتّصال. لقد أعطى لاكانْ للعلاقة مع الآخر منزلة أوليّة (أصليّة) وبُنيويّة.

A jouissance “separated from meaning”
التلذذ "منفصلا عن المعنى"
لكن، منذ عام 1972، حدّد لاكانْ التّلذُّذ (وليس الآخر) كنقطة انطلاق. وفي الحقيقة، فقد عرّف التلذُّذَ بوصفه "خاصيّة تعود للجسد الحي" تستجيب لنظام الـ واحد. Il y a de l’Un (هناك واحدٌ) ما يعني بأن التلذّذ قائم من دون الآخر.[5]
ما يقوله لاكانْ هو أن الذات دائماً وحيدة مع ما تشعره من تلذُّذ في جسدها؛ وذاك التلذُّذ هو دائما أبله ومتوحّد. وما يؤكده لاكانْ هو أنّ الذاتَ في لقائها مع التلذُّذ، تكون محكومةً بالتفاجؤ دوماً. يعرض التلذُّذ نفسه بمعزلٍ عن أيّ معنى، كشيء غريب ودخيل على الذات. حتى أن لاكانْ قد ذهب بالقول بأن التلذّذ "موجود – كخارجي" (ek-sists) بالنسبة للذات، للتأكيد على الفكرة بأن التلذّذ يعرض نفسه في البعد الخارجي. "التلذّذ موجود – كخارجي (ek-sists) فيها، وهذا هو التوكيد الذي يليق بالواقعيّ؛ الواقعيّ فيما هو - موجود - كخارجي".[6] وعلى سبيل المثال، وبالحديث عن لقاء هانس الصغير مع الانتصابات الأولى لعضوه الذكريّ، يقول لاكانْ:
" الحصر النفسي Anxiety هو ذاك، وهو الشيء الجليّ، وهو ما في داخل الجسد "موجود – كخارجي" (ek-sists) ، "موجود – كخارجي" حينما يكون هنالك ما يوقظه، ما يعذبّه. لننظر الى هانس الصغير، حينما يغدو الاتصال (لديه) بالجسد ملموساً، ونحن نتحدّث في هذه الحالة عن اتصال ذكوريّ الطابع تحديداً، معرّف كذكوريّ، اتصال بالجسد وبالتلذّذ القضيبيّ (الفالوسيّ). وإن كان هانس الصغير قد اندفع نحو الرُّهاب phobia، فذلك بوضوح، لكي يمنح جسداً، وقد أقمت الدليل لذلك على مدار عام كامل، يمنح جسداً للإرباكِ الذي يعتريه بما يتعلق بهذا القضيب phallus، والذي وفي أعقابه خلق (هانس) لنفسه سلسلةً كاملةً من المُعادِلات المختلفة للاهتياج، على شكل الرُهاب الذي وُصف على أنه رُهاب من الخُيول. هانس الصغير، في حصره، الذي يُجسّد مصدر الرُهاب، مصدر الرُّهاب بمعنى أنه في إعطائه ما يُمكن للمرء تسميته حصراً خالصاً، يكون قد أُخضع لأن يلائم نفسه لذلك القضيب، والذي كنت يوماً ما، بعد كل ما قيل وفُعِل، وككل اولئك الذين يجدون انفسهم مشحونين فيه، كنت قد قيّمته بأنه مهرّب بضائع  (bandoulière)، وعندها إذن، سيكون عليه أن يُلائم نفسه إليه، ما معناه بأن يكونَ متزوّجاً من هذا القضيب. وهذا أمرٌ لا يمكن للذكر أن يفعل شيئاً إزاءه. المرأة التي هي غير "موجودة" ek-sists، لا يسعها سوى أن تحلم بامتلاك واحد، أما الرجل فهو مُبتلي به؛ فلا زوجة له غير هذا القضيب".[7]
في العام نفسه، وفي "محاضرة جنيف حول العَرَض"، قال لاكانْ ما يلي:
ما يحتاج المرء معرفته فقط، هو أنه، مع كينوناتٍ معيّنة، ومهما كانت تسمياتها، فإن لقاءها الذاتي الأول مع الانتصاب، هو ليس شبق ذاتيّ autoerotic على الاطلاق، بل هو أكثر الأشياء التي قد تكون، مُغايرةً hetero . فهم يسألون أنفسهم: "لكن ما هو هذا الشيء؟" ويُدهشون كثيراً من هذا الأمر لدرجة أن المسكين هانس الصغير، لم يستطع التفكير فيما عدا هذا الأمر، وجسّده في أكثر الأشياء خارجيّة، والمقصود هو ذلك الحصان الذي ينبش الأرض بحوافره، فيركل ويتدحرج ويسقط على الأرض. وبالنسبة له، فإن ذلك الحصان الذي يأتي ويذهب راسماً طريقاً محددة على طول الرّصيف، يشكل النموذج الذي يتعلّق به أكثر من أيّ شيء، وفيما لا يفقه عنه أي شيء على الاطلاق،  وذلك على نحو أكيد جراء حقيقة أن لديه أمٌّ من طراز محدد وأب من طراز محدد كذلك. إن عرضه هو التعبير والمعنى لهذا الرفض.
هذا الرفض لا يستحق أن يُصنّف على أنه "شبقٌ ذاتيّ" "autoeroticism"، لحجةٍ واحدةٍ وحيدة وهي أنه في نهاية الأمر صانع البول هذا (Wiwimacher) عالق عليه هناك، في مكانٍ ما، أسفل بطنه. إن التلذُّذ الناجم عن "صانع البول" هذا غريب بالنسبة له، لدرجة انه موجود في جذر رهابه. فالرّهاب يعني أنه شعر بالاهتياج [...] وسينتهي به المطاف لأن يحتمل عضوه الصغير بواسطة شخص آخر، أعني أخته الصغيرة.[8]
وفي الأخير في "Conférences et entretiens dans des universités nord-américaines" (محاضرات ومؤتمرات في الولايات المتحدة الأمريكية)، يقدّم لاكان بالإضافة، صيغة أخرى مفادها أن الجنس، في ماهيّته، صادمٌ دوماً:
يكمن رُهاب هانس الصغير في كونه يتأكد فجأةً أن هناك ثمة عضو صغير يتحرك. يبدو هذا جلياً، وهو يرغب في منح هذا الأمر معنى ما. وهو يعتبر القضيب صادماً. ما أعنيه هو أنه يعتبر قضيبه تابعاً الى ما هو خارج جسده. وهذا ما يجعله يتعامل معه بوصفه شيئاً منفصلاً، كحصان يأخذ بالنهوض ويشرع بالركض. (commence a se lever et à ruer).[9]

هكذا يجد هانس نفسه في مواجهة مع "تضخّم" للتلذُّذ؛ مع "تلذّذ مقتحم". يقول لاكان بأنه مرعوب، وفزعٌ حتى الموت، "لدرجة أن ذلك الفزع موجود في جذر رُهابه. فالرّهاب يُدلّل على أنه اهتاج"، وهو مُرْتاعٌ من القَرَف.[10] كيف ردّ هانس على هذا الأمر؟ لقد تمثّل رد فعله في رفضه لهذا التلذُّذ. وهو يُدافع عن نفسه عبر رفضه للموضوع الذي لا يُمكن له التعبير عنه بالكلام أو الخارج عن حيّز القول، رفض شيء ما "يتلذّذ" داخل جسده بعيداً عن قدرته لفهم ما يجري.
هذا التلذُّذ الذي يتكشّف في جسده، يستجيب على نحو محدّد للإغواء الأمومي. الا أن حقيقة أن لهذا التلذّذ إحداثياته الدلالّية في الآخر[11]، لا تمنع أن يبدو له الأمر كـ آخرَ Other غريبٍ ودخيلٍ، على نحو متطرّف، ومن أن يختبره في اللحظة الأولى دون أن تكون لديه القدرة على تمييز نفسه بوصفه ذاتاً.




Generalized foreclosure
تعميم الصد[12]

نحتاج الآن لأن نخطو خطوة الى الأمام في سبيل تعيين منزلة ذلك التلذُّذ الذي تواجهه الذات.
ولكي نأخذ بعين الاعتبار هذا الشكل من رفض التلذُّذ، يقترح جاك ألين ميلير في سميناره من العام  1986-1987، (ما الذي يُحدِثُ رمزاً) “Ce qui fait insigne”، أن نستخدم مصطلح "الصّد" foreclosure. وهو يُصرّح بأنه "رفْضٌ داخل الواقعيّ" لذلك الموضوع الخارج عن حيّز القول؛ تلذُّذ في ما هيّته "غير قابل للامتصاص أو للاستيعاب"من قبل الدال.
يقترح ميلير تعميم استخدام هذا المصطلح الذي نستخدمه عادة في سياق الاضطرابات الذُّهانيّة بالعلاقة مع اسم الأب Name of-the-father، وتطبيقه في السياق العُصابيّ.
إن ما يتضمنّه "تعميم الصّد" هذا وفقا لميلير، هو وجود ما هو "خارج عن حيّز القول" بالنسبة للذات، شيء ما من غير اسم، ليس فقط في حالات الذهان، بل في كلّ حالة. "ليس معنى الصدّ ببساطة أن "لا شيء هناك" [...] الصدّ هو رفْضٌ داخل الواقعيّ"[13]. الا أن منطق الصدّ يستلزم أيضا الظهور من جديد في الواقعي لذلك التلذُّذ، بشكل يفيض عن أي حكم للوجود، ما يعني "وجود تلذّذ معزول عن أي معنى".[14]

The Real
الواقعي

كيف يمكننا فهم صيغة ميلير: " الظهور من جديد في الواقعي لتلذُّذ يطفحُ عن أي حكم للوجود"؟ ما هي العلاقة، في حقيقة الأمر، بين التلذُّذ والواقعيّ؟ أو، لكي نكون أكثر دقّةً: ماذا الذي هناك في التلذُّذ ومن شأنه أن يقود الذات نحو اختبار الواقعيّ؟
هانس الصغير يُجيبنا عن ذلك. فما الذي يحدث حين يشرع هذا الطفل الصغير بمعالجة سؤال العلاقة الجنسيّة؟ إن التجربة التي يخوضها في تلك اللحظة هي تجربة المستحيل أو "غير الممكن" بما يتعلّق بالتلذُّذ. وبكلمات أخرى، فانه في ذات اللحظة التي التقى معها بالانتصابات الأولى لعضوه، التقى أيضا بالعزلة. فها هو وحيدٌ مع تلذّذ الجسد، الذي لا يفهمه؛ التلذّذ الذي يَحْضُرُهُ بعيداً عن أيّ معنى.
ها هو يكتشف أن الآخر الأبوي لا يوفّر له الإجابة، أي المُفردات، ليقولَ كيف عليه أن يتعامل مع هذا التلذّذ وكيف يفكّ خيوط لغزه. إنه، وبسبب التلذّذ، يقف في مواجهة فجوةٍ معرفيّة. هذا الآخر الذي اعتبره محور الإيمان بوهم العلاقة الجنسيّة الممكنة، والذي يعني له ذلك الاكتفاء والانسجام الكليّ مع الآخر الذي يرغب في تحقيقه. حسناً، هذا الآخر لا يُجيب، وعاقبة ذلك بالنسبة الى الذات هي الانفصال الحادّ، حيث تجد الذّاتُ نفسها مَنْفيَّةً معزولةً عن الآخر.
ما هو صادمٌ لا يكمن في الجنسانية كجنسانيّة، بل في حقيقة أنها تكشف عن فجوة معرفيّة. هذا ما جعل لاكانْ يقول في سميناره الواحد والعشرين Seminar XXI: Les non-dupes errent، إن هذا هو الأمر الذي يُحدث "الصّدمة" troumatisme.

A clinique without conflict
عيادة من دون صراع
لحقيقةِ أن التلذُّذَ هو ما يجعل البُعدَ الواقعي جليّا بالنسبة للذات، هناك نتيجةٌ حاسمة. ولنأخذ على سبيل المثال هانس الصغير. فلقد رأينا أنه واجه شيئا ما يُسبّب له إرباكاً؛ شيءٌ ما خارجٌ عن المعنى، يُثير خوفَه.
إذن، فالمشكلة في ما هيّتها لم تكن مشكلة صراع، بل مشكلة اختيار. هل كان سيتنبّه، أو لا يتنبّه الى تورُّطه في تلذّذ الآخر هذا الذي بات مرتبطاً بجسمه؟
ولكي نلخّص، فإن المسألة هي ما يلي: إن كان التلذّذ يفيض ويطفح عن أي حكم للوجود، وما دام من غير الممكن التسليم به داخل (النظام) الرّمزيّ، فكيف سيكون بوسعنا تَقَوُّلهُ أو التعبير عنه داخل الرمزيّ؟
إن كان الرمزي والواقعي منفصلان، فما الذي يُمكن أن يجمعهما أو يربطهما على نحو يمكن معه لذلك التلذّذ، الذي يتجلّى من جديد داخل الواقعيّ، أن يتموقع ويُسمّى؟
ما الذي يُمكّننا من التعامل مع هذا التلذّذ الموجود كخارجي بالنسبة للذات؟
يختم لاكانْ تدريسه قائلاً بأن السينتوم[15] sinthome هو ما يسمح بهذا العبور؛ السينتوم هو من يربط ما بين الجسد (المُتخيَّل) واللاوعي (الرمزيّ) والتلذّذ (الواقعيّ). وحدُه السينتوم من يُتيحُ للذات أن تُسمّي ذلك الواقعيّ الموجود كخارجي.

﴿


[1]  Freud, S. The Complete Letters of Sigmund Freud and Wilhelm Fliess 1887-1904. Ed. and Trans. Jeffrey Moussaieff Masson. (Cambridge: Harvard University Press 1985): p 290.
[2]  Ibid.
[3] Freud, S. The Complete Letters, Op. Cit. Letter dated January 3, 1899, p 338.
[4] Lacan, J. Seminar XXIII: The Sinthome. Ed. Jacques-Alain Miller. Trans A.R. Price (Cambridge: Polity 2016): p 13.
[5]  Lacan, J. Seminar XX: Encore, Ed. Jacques-Alain Miller. Trans. Bruce Fink. (New York: Norton, 1975): p 23.
[6] Lacan, J. “Lesson of March 11th 1975” Seminar XXII: RSI (1974- 1975): Unpublished. Unofficial Trans by Cormac Gallagher: http:// www.valas.fr/IMG/pdf/THE-SEMINAR-OF-JACQUES-LACANXXII_RSI.pdf. It should be noted that Gallagher writes ‘ex-sist’ as ‘eksist,’ so we have used this form of the neologism within the quotations.
[7] Lacan J. “Lesson 17th of Dec 1974” Seminar XXII, Op. Cit.
[8]  Lacan, J. “Geneva Lecture on the Symptom.” Trans. Russell Grigg, Analysis, No. 1, (1989): p 15-16.
[9] Lacan, J. “Conférences et entretiens dans des universités nord-américaines.” Scilicet n° 6/7, 1975, Paris: Seuil (1975): p. 22-23.
[10]  Lacan, J. “Geneva Lecture on the Symptom.” Op. Cit. p16
[11]  اي في المستوى الرّمزي – المترجم للعربيّة.
[12] الصدّ هو الجهاز الدفاعي الذي يميّز الذهان وفقاً لصياغة لاكانْ وذلك على خلاف الكبت الذي يشكّل الآليّة الدفاعيّة في حالات العُصاب. – المترجم للعربيّة.
[13]  Miller, Jacques Alain. L’Orientation lacanienne. Ce qui fait insigne (1986-1987). Yearly Seminar, Unpublished.
[14]  Ibid
[15] هو الفضلة التلذذيّة الباقية من العَرَض في نهاية التحليل، أو اسم العرض في نهاية التحليل – المترجم للعربية.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة