أندريه شديد.. أبداً لا نهاية لانبهاراتنا

مايو 21, 2020
 
انطوان جوكي

في قصيدة من ديوانها الأول، «على مسارات خيالي» (1943)، كتبت الشاعرة اللبنانية المصرية أندريه شديد (1920 ـ 2011): «في الفضاء اللامتناهي، سأقف». قولٌ اختاره الشاعر الفرنسي جان بيار سيميون كفاتحة للمقدّمة التي وضعها لديوانها ما قبل الأخير، «إيقاعات» (2003)، بمناسبة دخول هذا العمل حديثاً إلى «معبد» الشعر الفرنسي والعالمي، ونقصد سلسلة «شعر» العريقة التي تصدر كتبها عن دار «غاليمار» الباريسية. خيارٌ صائب بما أن غايته إظهار ذلك التواصل النادر والمدهش، وذلك التماسك الاستثنائي في الرهانات والنوايا، اللذين نستشفّهما في جميع أعمال هذه الشاعرة.
وفعلاً، يمكننا أن نسمع صدى هذا القول الشعري في جميع قصائد «إيقاعات»، على رغم العقود الستة التي تفصل بينهما. قولٌ يعبّر، بتلك الطريقة المكثَّفة والموجزة التي تميّز كتابة شديد، عن انحيازٍ أوّلي ولا عودة عنه للكينونة، وعن شهيّة متأصّلة للمفتوح، وبالتالي عن توق إلى حرّية يتعذّر كبحه، ناهيك عن تلك المواجهة بين الإدراك واللامحدود، وبين الأنا والمجهول الذي تحمله ويتجاوزها. ولذلك، ما زال «إيقاعات»، الذي كتبت شديد قصائده في نهاية حياتها، عملاً شعرياً فتياً ونضِراً، لأنه بقي وفياً كلياً إلى هدفها الأول، وإلى اندفاعها الأول الذي لم ينل منه التعب والمرارات الملازمة للشيخوخة. عملٌ يتناغم مع قلب الحياة النابض، مع نفَس النشيد، مع إيقاع الأيام، ومع سعادة الكينونة، على رغم تكذيبات الجسد المتهالِك واقتراب المنيّة.

الحركة
في حال أردنا كلمة تلخّص أعمال شديد الغزيرة (71 مولّفاً)، لاخترنا بلا تردّد «الحركة». إذ لا تحصى الشخصيات في نصوصها الروائية والقصصية والمسرحية والشعرية التي تسير وترقص وتركض الواحدة نحو الأخرى، وتلك التي نراها في حالة ترحالٍ مستمرّ أو في حالة تنقّلٍ من منفى إلى آخر. أما سبب هذه الحركة الدائمة فنعثر عليه داخل شعرها، وخصوصاً في ديوان «إيقاعات» الذي يمنحنا حصيلة ساطعة لرؤية الشاعرة للعالم والوجود البشري، وأيضاً لشغفها الثابت بالحياة التي ترى فيها حركةً لا تتوقف، انفتاحاً وتجاوزاً متواصلاً يؤذن بجميع التحوّلات: «مُديمةً بلا قطيعة/‏‏‏‏ سلسلةَ الوجود/‏‏‏‏ الحياةُ تسافر/‏‏‏‏ الحياة تختلج/‏‏‏‏ في كل لحظةٍ/‏‏‏‏ في كل وجهٍ/‏‏‏‏ في كل ما يحضر/‏‏‏‏ وفي كل مكان». وليس عبثاً استعارتها من الشاعر الفرنسي رونيه شار (الذي كان واحداً من الأوائل الذين لاحظوا موهبتها الشعرية) شعار حياته: «أن أسير يكفيني»، فمنذ صغرها سعت إلى الإفلات من الضيّق، كما أشارت إلى ذلك بنفسها، وبصيغة استفهامية، في ديوان «أرض وشعر» (1953): «حين نحدس، ولو مرةً واحدة، بشسوع مغامرتنا البشرية، يمكننا أن نتساءل: أي قوة تلك التي تمسك بنا داخل الضيّق؟».
ولا شك في أن قول شديد، منذ عام 1943، «في الفضاء اللامتناهي، سأقف» ناتج من هذا الحدس بالذات. حدسٌ مؤذِن وعِرافيّ يجد امتداداً له في قلب «إيقاعات»: «خارج هوّة الجسد/‏‏‏‏ إلى كتف الفضاء/‏‏‏‏ سترتفع أبداً أجنحةُ/‏‏‏‏ لا متناهٍ مستبعدٍ/‏‏‏‏ نشيدٍ لا حدود له/‏‏‏‏ طيرانٍ متوهّجٍ». ولا بد من الإشارة هنا إلى أن هذا التوق إلى الارتقاء، إلى تجاوز حدودنا، لا يحمل لدى الشاعرة أي صبغة صوفية، لأنه يُعاش ويُختبَر هنا، في عالمنا السفلي، وتحديداً في الشعر الذي هو «أرض النفَس»(عنوان أحد دواوينها): «من أين تأتي الكلمة/‏‏‏‏ المحرِّرة/‏‏‏‏ إلى أين يذهب النشيد/‏‏‏‏ الذي يسوقنا/‏‏‏‏ أيُّ رغبةٍ/‏‏‏‏ تصير إيقاعاتٍ/‏‏‏‏ صوراً/‏‏‏‏ تحوّلات»؟
وبالنتيجة، أن نكون شعراء، بالنسبة إلى شديد، هو أن نبقى أوفياء إلى «الحياة التي تختلج»، إلى إيقاع الخطوة التي هي امّحاء وانبعاث في آنٍ واحد، إلى النفَس المضبوط على إيقاع الكون، وأن نكون من صميم تلك الرغبة التي تعشق الآخر، إنساناً كان أو مكان. ومن هذا المنطلق، كتبت في «أرض وشعر»: «الشاعر هو المتابِع أو المسافر بلا كلل. امنحوه استراحة، فهو يعرف جيداً أنه لا يملك سوى مهلة قصيرة قبل أن يقوده نفَسُه من جديد إلى أبعد من رغبته». وهذا الأبعد دائماً الذي تطلبه الرغبة وقصيدتها، تلك الخطوة التي تخلّصنا من ذاتنا وتفتحنا على التحوّلات، يعثران على أشد تعبيراتهما في مديح الآخر الذي نعرف أنه كان أحد أبرز شواغل شديد سواء في حياتها أو في كتاباتها. «الآخر» الذي هو عنوان إحدى رواياتها، هو أيضاً عنوان قصائد كثيرة لها تتوزّع على مختلف دواوينها، ومن بينها «إيقاعات». وإذا كان في ذلك توكيداً لأخلاقية عنيدة وحادّة، فإنها لا تنبع لدى الشاعرة من تنظير فكري، بل من استنتاج موضوعي بأن الحركة الطبيعية للحياة تحظّر أي هوية مغلقة وترى في الجمود موتاً. هذا ما تقوله قصيدتها «جلسة مغلقة»: «من دون نجدة الآخر/‏‏‏‏ تجفّ النفْسُ/‏‏‏‏ وتذبل». وبما أن كل شيء في دوامة الحياة يأتي ويرحل، يصير وينحلّ، يمّحي لينبعث مجدداً، يتغيّر ليصبح نقيض نفسه، ثمّة قانونٌ واحد لا غير في كل كائن أو شيء، ونقصد المتعدِّد: «أنا متعدِّدة/‏‏‏‏ أنا لا أحد/‏‏‏‏ أنا من هناك/‏‏‏‏ أنا من هنا».
سخاء وانفتاح«إيقاعات» هو إذاً اسم هذه الغيرية الحيوية أيضاً التي تمنعنا من أن نكون نهائياً هذا الكائن أو ذاك، وتجبرنا على أن نكون هذا الكائن وذاك، تارةً بالتناوب، وتارةً بالتزامن. وفي هذا السياق، كتبت: «يا شبيهي/‏‏‏‏ يا آخَري/‏‏‏‏ حيث أنت/‏‏‏‏ أنا». قصيدة تشكّل صدى لأشهر أبياتها الشعرية: «أنت، مهما كنتَ/‏‏‏‏ أنا منك أكثر اقتراباً منه غرابةً»، كما تشكّل طبعاً صدى لعبارة رامبو الشهيرة: «أنا آخر». قصيدة تدلّنا على مصدر التفاؤل المتجذِّر في الشاعرة: «في صميم الأمل/‏‏‏‏ الآخر».
ويخطئ مَن يرى في هذا التفاؤل العنيد الذي يميّز موقف شديد وكتاباتها، ويعارض أجواء حقبتنا، شعوراً ساذجاً أو تصوّراً غير موضوعي لنظام الأشياء ومستقبل البشرية، فهو في الواقع عكس ذلك تماماً. إنه أملٌ على رغم كل شيء، أملٌ لا يستمدّ مشروعيته إلا من بصيرة نادرة تجاه قسوة القدر، وهزيمة الجسد والقلب، وحقيقة اليأس الذي يثيره أيضاً الآخر. ومَن لديه شكّ في ذلك، ننصحه بإعادة قراءة جميع أعمال الشاعرة، وخصوصاً ديوان «احتفال العنف» (1976) الذي يتضمّن كمّاً من القصائد التي تبدأ بكارثة وتنتهي بموتٍ، من دون أن ننسى «إيقاعات» الذي يقول أيضاً السلبي أو ذلك الجانب المعتِم أو الصراعات الملازمة لكل حياة. لكن في هذا الديوان، تحضر أدوات الاستدراك بقوة، وترتكز القصائد على الطباق أو التناظُر بين الألم والفرح.
ولا عجب في ذلك بما أن التناقض الثابت هو في جوهر الوجود. فإن كنا «تلك الغيوم/‏‏‏‏ بين هوّات وقِمَم»، فلأننا مستعبدون في طبيعتنا لالتباسٍ لا مخرج منه، ولأننا محاصرون «بالمعتِم الذي يتلفنا/‏‏‏‏ وبالنار التي تحيينا». هكذا، نهاب أو نأمل من كل كائن، من كل شيء، من كل حدث، نقيضَه، ونفهم أن الأمل، بالنسبة إلى شديد، لا يكون إلا بعد أخذ اليأس في عين الاعتبار. لكن أن ننكر حقيقته أو نتجاهله، أن نتبرّأ نهائياً منه خطأٌ له عواقب وخيمة. وبالتالي، ثمّة مواجهة حازمة بين الإدراك والأسوَأ، لدى الشاعرة، ومراهنة صعبة لكن مبنية وجريئة على الحياة: «مرّةً أخرى/‏‏‏‏ على قفا المريع/‏‏‏‏ في عمق المعتِم/‏‏‏‏ ينتصب/‏‏‏‏ الربيع العنيد».
كلمات تستحضر ما قاله الشاعر التشيلي بابلو نيرودا: «يمكن أعداؤنا أن يقتلعوا جميع الزهور، لن ينالوا من الربيع»، كما تستحضر ما قالته شديد في «إيقاعات» ويختصر فلسفتها: «بين تجاويفٍ وأحلام يقظة/‏‏‏‏ أحتفي بك يا حياة/‏‏‏‏ فاصلاً مُشتهى/‏‏‏‏ بين الفراغ واللاشيء». فلسفة تنفتح على الأبعاد الشاسعة للكون والبشرية داخل التسلسل اللامتناهي للزمن، وتبعد كل البُعد عن النظرة الأنانية التي تأخذ متاعبها وآلامها كمقياسٍ وحيد للأشياء.
وهذا ما يفسّر طغيان الـ «نحن» في نصوص الشاعرة وعدم حضور الـ «أنا» إلا ككيانٍ متقاسَم ومتعدِّد: مشيّدون من ماءٍ، من نجومٍ/‏‏‏‏ ومن كيمياءٍ غريبة/‏‏‏‏ مرصودون للتحوّلات/‏‏‏‏ (...) نحن الفانون/‏‏‏‏ نحن الدائمون». وتمنحنا هذه الوضعية سبباً آخر لتفاؤل شديد غير المبني على اكتفاءٍ بالذات، بل على رؤية تشمل الإنسان داخل اللغز العظيم الذي يفيض من زمنه وفضائه وقصّته. رؤية إنسانوية إذاً، لكنها لا تمنح بسرعة رصيداً للإنسان. فشديد لا تؤمن إلا بالإنسان الذي يعانق الحياة ويتناغم اندفاعه ورغبته مع ذلك الذي هو أكبر منه ومن كل شيء، وتسمّيه «نسيج الكون» (عنوان أحد دواوينها). «الإنسان الشعري بامتياز» الذي يخطو فوق الأفق ويذهب إلى حدود انبهاراته.
ولذلك، لدى قراءة «إيقاعات»، لا يمكننا أن لا نتأثّر بفكرٍ منفتح وسخي إلى هذا الحد، خصوصاً حين نعرف أن مَن كتبه هو امرأة كانت قد تجاوزت الثمانين من العمر وتعرف أنها على عتبة التواري، امرأة تقول «المستقبل المعلَّق»، تفسّخ الجلد، فساد العِظام، وبالتالي ذلك الصراع الخاسر سلفاً «بين الجسد/‏‏‏‏ والزمن»، من دون تذمّر أو مسايرة للذات، ومن دون أن يتمكّن الموت، الذي تشخص الشاعرة به مباشرةً، من العبث بالاندفاع الحيوي الذي يحمل قصائدها. لا يمكننا أيضاً، في زمن الإحباط والانغلاق على الذات الذي هو زمننا اليوم، أن لا نقدّر الخاتمة التي أرادتها لهذا الديوان ـ الوصية، الذي يُركِّز داخل نفَسٍ واحد دائم النضارة جميع موضوعات أعمالها الشعرية التي تمتد على مدى ستين عاماً. خاتمة من مجموعة قصائد تبدأ شديد فيها بالتعبير عن قناعة مذهلة لمن هو في عمرها: «أبداً لا نهاية/‏‏‏‏ لانبهاراتنا!»، قبل أن تتابع إنشادها الحياة في لغزها و»أشكالها التي لا تحصى». الحياة بين «المجهري» و»اللامتناهي» التي تحضر بإيقاعاتها الجوهرية، إيقاعات الأشجار والنجوم، الصباحات والمساءات. الحياة كاسمٍ آخر وموضوعٍ حصري للشعر.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة