الوباء يصيب ويقتل... وفي الأثناء ماذا يحدث؟ - الرومي

اخر الأخبار

الأحد، 12 أبريل 2020

الوباء يصيب ويقتل... وفي الأثناء ماذا يحدث؟




عبدالوهاب بدرخان

سمعتم وشاهدتم وقرأتم بلا شك تلك المناشدات لعدم "تسييس" الفيروس وعدم استغلاله سياسياً. فالحالمون بالسلام في مواجهة الحروب والنزاعات هم الحالمون بـ "وقت مستقطع" لتمرير الجائحة من دون مزيد من سفك الدماء، أو بانتهازها لهدنة وحتى للاقتراب من نهاية للقتال. لن تكون هناك ضرورة أشدّ من هذا الوباء الذي لا يميّز ولا ينحاز في الإصابة والقتل، لكنه غير عادل في أي حال، ففجوات عدم المساواة تقدم فرصاً متفاوتة سواء لمقاومته أو للشفاء منه أو لاحقاً للخلاص من الخسائر التي أحدثها في الأرزاق وفرص العمل. هناك مَن سيبقون للاستشراس في تعويض ما فقدوه من أرباح، ومَن سيستأنفون السعي الى مجرد البقاء.
تغيّرت ظروف الحياة. عيد الفصح لم يشبه أي فصح عرف سابقاً، ولا حتى في الحروب، فغالباً ما كانت هناك هدنات ولو محدودة. المتديّنون وغير المتديّنين شعروا بأن أجواء العيد حزينة، أجراسٌ صامتة وقداديس بل مصلّين، ساحات المزارات مقفرة، شيء من الاحتفال على الانترنت لكن البهجة مسلوبة، فالتباعد الاجتماعي واجب ولقاء الأهل والجيران والأصدقاء استحالة. هذا الواقع المستجدّ، مثل الفيروس، سينعكس على الأعياد الأخرى، فأجواء شهر رمضان وعيد الفطر لن تختلف عن الفصح، كذلك موسم الحجّ. قيود العزل والأعداد الهائلة للإصابات والوفيات تنذر بصعوبة الخروج الآمن والقريب من الحجر، فلا أي حكومة تجرؤ حتى الآن على المجازفة بموعد محدّد للعودة الى ما يمكن أن يكون "حياة طبيعية".
كانت منظمة الصحة العالمية تعدّ لإحياء المئوية الثانية لمهنة التمريض، خلال 2020، ولم تكن تعلم أن الوباء سيؤسس تاريخاً جديداً للجسم الطبي كله الذي استحق خروج الناس للتصفيق له... إلا في بعض البيئات الموبوءة أصلاً بمعتقدات أعيت مَن يداويها.
كلّما تضاعف عدد المتوفين كلّما ازداد الاقتناع، لا سيما عند الشباب وأولئك العنيدين والمستخِفّين، بضرورة الحجر المنزلي. إذ يبقى المضض أقلّ إماتةً من المرض، وقد يصبح مستداماً بشكل أو بآخر، فالكلّ يتوق الى الخروج لكن الكلّ لم يفهم في عزلته ما الذي حصل وهل سيكون بمأمن ومتى ينحسر الخطر بل متى يزول. الفيروس ليس كائناً ينكفئ من تلقائه، لا يعرف كيف تخلّق وتكاثر وانتشر، ولا الوقت الذي استغرقته سمومه لتعتمل، ولا يعرف أنه مؤذٍ الى هذا الحدّ وأن العالم متجنّد لمحاربته بكل ما لديه من علوم وتقنيات. انه موجود فحسب، ولعله نسي مصدره أو اتخذ مواطن أخرى... الموعد الأقرب المفترض للقاح المؤمل به ليس قبل أيلول/ سبتمبر، وإذا وُجد فعلاً فأين سيكون ولمن ومتى يصل اليـ"نا"، الدول والشعوب برهنت في هذه الجائحة أنها أولى بذاتها، وقد تكون لدى حكوماتها أولويات مثل التطعيم بحسب السن وقوة العمل، الشباب قبل المسنّين، مَن ينشّطون الأسواق قبل العاطلين عن العمل، وهكذا...
عالم لا يرحم، يشبه الفيروس الذي يحاربه، كما لو أنه أنجز التوحّش الذي كان ينشده وليست لديه خريطة للعودة الى الوراء. كان العالم مخيفاً بما يكفي مع اميركا، سيصبح مخيفاً أكثر مع الصين. كلاهما تريد العودة سريعاً الى الأسواق، كما لو أن شيئاً لم يحصل. اميركا تخشى التداعيات الاجتماعية للأزمة وستحاول تداركها بالتمويل والمراجعات والتراجعات عن التحجّر الترامبي، فهناك دائماً انتخابات. الصين لا تخشى شيئاً من ذلك. الغرب كلّه مهمومٌ بـ "انفجار اجتماعي" مرتقب، فالعودة الى ما يشبه الحياة الطبيعية لن تكون سهلة. محاولة اختصار فترة الاغلاق، بسبب آثاره الاقتصادية، هي محاولة لحصر الخسائر والتكاليف، وبالأخص للتهرّب من التحدّيات التي سيفرضها التغيير المتفاعل في عقول الناس المعزولة في البيوت.
كان من الطبيعي أن ينبري الى الواجهة ذلك الرهان على الإنسانية، الأخلاقية، التعاطف والرحمة، وقد تزاحم المفكرون لتأكيد حتميّته، لكنه قد يظلّ افتراضياً، على رغم أنه يستند الى منطق. سبق لهؤلاء المفكّرين أن قالوا ما يكررونه الآن في ضوء تفشّي الوباء، بل حذّروا قبل الوباء من العالم لم يعد مهيّئاً لاستعادة احترامه للإنسان. ذاك أن الدول والسياسات والنزاعات والتجارات بلغت درجة من الاستعصاء يصعب تصوّر زواله بـ "ميل انساني" حتى لو كانت مقدماته اجتياحاً فيروسياً قاتلاً. هناك مؤشّرات تأقلم مع الكارثة، إذ كان المسؤولون يتكتمون في البداية أو يتحدثون بشيء من الخجل عن الأعداد المحتملة للوفيات، وأصبحوا يشيرون الى الأرقام بقَدَرية يتوقّعون أن جمهورهم أصبح يتقبّلها. لا شك أن مراقبة الدول الغنية والقوية ورصد مقارباتها لـ "ما بعد" لا توفّران أي مؤشر الى تغيير واعد، فالبابا فرنسيس تلاقى مع أنطونيو غوتيريش على الدعوة الى وقف اطلاق نار شامل في كل النزاعات حول العالم لإعطاء الأولوية لمكاغحة الوباء، وزاد البابا طالباً خفض أو الغاء ديون الدول الأكثر فقراً لتتمكّن من تجاوز مصاعبها ومنح اقتصاداتها انطلاقة جديدة.
هذان إذاً مقياسان يمكن أن يبدأ معهما أي تغيير، ويمكن في ضوئهما تقويم أي توجّه سلمي، أي انساني. غير أن الرسالة التي وقّعها المبعوثون الأمميون، بعموميتها وحذرها، تعكس الصعوبات التي يواجهونها ليس فقط مع الأطراف المتنازعة بل خصوصاً مع الدول المتدخّلة والداعمة لها. قبل عام أقدم البابا فرنسيس، وفقاً لتقليد كنسي قديم، على تقبيل أقدام ساسة جنوب السودان وهو يرجوهم التوافق على تسوية سلمية تنهي الحرب الأهلية، ورغم أن عناصر التسوية أشبعت نقاشاً وبوشر ببطء شديد في تطبيقها إلا أن السلام الحقيقي لا يزال ينتظر.
لذلك، في المقابل، يمكن أخذ ما يحدث في دول أخرى على أنه مقياس لعدم جدّية الدول الكبرى في وقف النار أو إنهاء النزاعات أو البحث عن حلول سياسية سلمية. فمثلاً، لا ترى إسرائيل تحت وطأة الخطر الكوروني ما يوجب وقف ممارسة التمييز بين عرب الداخل ويهود في الوقاية وتوفير الإمكانات الصحية، أو ابداء ولو تعاون موقت مع السلطة الفلسطينية لدرء الوباء عن مناطقها، بل تواصل التشدد في المنهج الاحتلالي سواء في الاعتقالات التعسّفية أو في اعلان أن نتانياهو وغانتس متوافقان على ضم الضفة، أي على سرقة مزيد من الأراضي، لكنهما مختلفان على التوقيت والطريقة...
وفي سورية يرفض النظام من جهة مجرّد التفكير في اطلاق الأسرى في معتقلاته حتى بعدما نُصح بأن الوباء قد يفتك أيضاً بجلاديه، ويمنّي النفس من جهة أخرى بأن هذا الوباء قد يكون خشبة خلاصه من العقوبات والضغوط، فلا أحد يراجعه الآن في شأن أي حل سياسي أو تنازلات...
وفي ليبيا تمضي الحرب في طريقها الى التعفّن، فمناشدات مجلس الأمن لا هيبة لها والمحاولات الأوروبية لا فاعلية لها، والخلاف قائم بين الدول المعنية على شخصية المبعوث الأممي التالي...
أما في اليمن فاستجاب الحوثيون لفظياً الدعوة الأممية الى وقف النار وتعذّر عليهم الاتفاق مع الحكومة الشرعية التي لا يعترفون بها، لكنهم رفضوا أيضاً حتى الآن مبادرة السعودية الى هدنة أسبوعين، إذ لا موافقة إيرانية إلا على اعلان سعودي بوقف الحرب، أي بالاستسلام للحوثيين وترك مصير اليمن في أيديهم.
هذه مجرّد عيّنة فحسب للإستغلالات الجارية في اطار مكافحة "كورونا" مع تثبيت الأمر الواقع استعداداً لما بعد الوباء.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق