محمود درويش..صدام والأسد ولعنة السياسة


محمد حجيري
أعاد الزميل راشد عيسى نشر مقالة كتبها الشاعر العراقي سعدي يوسف عام 2008، يقول ما مضمونة أنه تلقّى في أحد الأيام مكالمةً هاتفيةً من محمود(درويش) يطلب رؤيته... وفي اللقاء قال درويش "عدتُ اليوم من النرويج. من قريةٍ قصيّةٍ بالنرويج. أريد رأيك في أمرٍ مُـلِحٍّ

قلت: أمرك!

قال: يا سعدي، اسمعْني...

تلقّيتُ دعوةً لحضور المربدِ، ولجائزةٍ تُسَلَّمُ إليّ إنْ وقّعتُ مسبقاً على قبولها. رفضتُ الأمرَينِ كليهما. ورغبةً مني في تجنُّب الأخذ والردّ، سافرتُ إلى النرويج، وأقمتُ في قريةٍ قصيّة. لكني في منتصف الليل تلقّيتُ مكالمة هاتفيةً من أبو عمّار، نصُّها: هل تريد أن تخرب بيتنا يا محمود؟ يجب أن تذهب إلى بغداد! (...) باختصار قال سعدي يوسف لدرويش: أنت في هذا الموقف، لستَ محمود درويش. أنت عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ممثلٌ رسميٌّ لشعبك وقضيّته. أنت تضحّي من أجل قضية شعبك. ليس بمقدوري، ولا من حقي أن أقول لك لا تذهبْ". 


هذه الرواية تبين جانباً من لعنة السياسة حين تحضر في عالم الأديب ويكون مقيداً بها ومستفيداً منها... فالشاعر محمود درويش كان جزءاً من نسيج منظمة التحرير وموقفها، فحتى في زواجه برنا قباني وطلاقه حضرت منظمة التحرير وياسر عرفات، ولا نستغرب أن يكون درويش حاول الهروب من الجائزة والمربد، وأن يكون عرفات قال له بدك تخرب بيتنا، لا أحد يدري من المقصود بـ"البيت" تحديداً، لكن على ما نعلم، عرفات البراغماتي، وفي اعقد أزمة دولية تمثلت باجتياح نظام صدام الكويت، وقف مع صدام وخرب بيوت الجالية الفلسطينية في الكويت.


رواية سعدي يوسف عن محمود درويش أزعجت الروائية الفلسطينية ليانة بدر التي علقت قائلة "إن الرواية كاذبة تماماً. لم يوقع محمود ولم يقبل بأي جائزة من صدام"، و"من أين جرى اختلاق قصة القرية القصية في النرويج! كان بمقدور محمود ان يختفي في قرية تونسية اصلاً. قصص من خيال مريض لا تحتاج الى تكذيب". و"تاريخ صدام لا زال قريباً ولم يحدث ان استجاب محمود لدعوة الى مهرجان المربد أو قبل أية جائزة منه أو من أي نظام قبله أو بعده". فات ليانة بدر ان هناك عشرات الشهادات التي تشير حضور محمود درويش مهرجان المربد مع المئات من الشعراء والكتاب العرب، وبسبب ذلك كان على خلاف مع الكثير من الشعراء المعارضين لنظام صدام، وكانوا يعتبرون حضوره من المثالب... رواية سعدي ليست إدانة محمود درويش بقدر ما تعري واقع قادة السياسة ومحاولتهم توظيف الشعر وغيره كزينة لأفكارهم الجوفاء. كان عرفات قائداً للقضية الفلسطينية، ولا يريد ازعاج من يظنون أنهم أصحاب "اسهم" في هذه القضية، وهذا لا يعني الكثير من الشعراء والكتّاب العرب، هم هواة مهرجانات ومرابد وموائد وسفرات إلى أي مكان... والنافل أيضاً أن بين محمود درويش وسعدي يوسف صداقة عتيقة فهما "رفاق الأمس"، وبينهما مواقف اعجاب متبادلة، محمود درويش أهدى سعدي يوسف قصيدة، وكتب مقدمة "الكرمل" عنه وأشاد بشعره وكان يسمعه بتمعن ويبادله سعدي الشعور نفسه... وليست المرة الاولى التي يذكر سعدي رواية عن درويش وتُحدث بلبلة، فذات مرة جعل منه متراساً لمهاجمته الباحث السوري برهان غليون في خضم الاحتجاجات في سورية...

وبالعودة إلى مهرجان المربد، لم يكن درويش وحده من يحضر، يذكر الكاتب العراقي - الألماني عباس خضر في كتابه "الخاكية"(منشورات الجمل)، أن الشخصيات الشعرية والثقافية التي  دُعيت إلى المربد السادس وصلت الى اكثر من الف كاتب وشاعر، ومنهم اسماء شعرية ونقدية وعربية لامعة ومعلنة وليستْ سراً. وشاءت الحكومة العراقية ان يكون المربد واجهتها الإعلامية للعالم والعرب، يقرأ المصري علي شلش البيان الختامي للمربد السادس: "من هذا المنبر نؤكد وقوف المفكرين كل المفكرين والشعراء والأدباء العرب مع المقاتل العراقي في خندق صموده وخندق الفكر المقاتل، فمجدا للعراق وقائده العظيم". وهناك برقية موجهة الى صدام حسين باسم جميع المشاركين، التي قرأها المغربي احمد المديني تقول: "لقد رأينا يا سيادة الرئيس كيف تقذفون بالحق على الباطل بكلمة (لا). كيف تشمرون عن سواعدكم بكلمة (نعم) لإضاءة مواطن المستقبل. وليس لنا نحن الادباء والشعراء العرب المشاركين في مهرجان المربد السادس ان نتوضأ بماء النصر الذي قدتم العراق اليه فحملتم به عبئا عنا وقدمتموه لنا هدية. هي هدية التاريخ للأجيال القادمة ضوءاً وامثولة وفداء"...

والنافل أيضاً الكثير من الشعراء والكتاب خلال الثمانينيات كانوا يتعاطون مع صدام كرئيس "دولة" عربية و"عروبية" وكتب جمال الغيطاني من وحي حروبه مع إيران روايته "حراس البوابة الشرقية"، ومنهم من كان يمجّده، ومنهم منْ لا يزال يمجده، ولم يبدأ تظهير وجهه "الشيطاني" الا بعد غزوة الكويت أولاً وقمعه الاحتجاجات ثانياً، وسقوطه ثالثا بعد الغزو الاميركي... وبعض الكتّاب الذين يهاجمون شعراء صدام هم من الجالسين في أحضان الأسد أو الخميني، وتلك معضلة تبيّن العقلية الفصامية في النظرة إلى الاستبداد والقمع...


المخرج الفلسطيني نصري حجاج يروي حكاية أخرى نشرها في فايسبوكه ليست بعيدة عن حكاية سعدي يوسف تقول "في فترة على ما أظن بعد أوسلو مباشرة وكان الشاعر(محمود درويش) على خلاف مع الرئيس عرفات وحدث أنه دعيّ لأمسية في دمشق فذهب. وكما هو معلوم فإن حافظ الأسد الأب كان يكره عرفات وكل ما يمت له بصلة فأرسل الى محمود في فندقه الدمشقي دعوة للقائه فلم يستطع الشاعر الصادق والعارف بألاعيب الأسد رفض الدعوة. وفي نهاية اللقاء اقترح الأسد على الشاعر أن يقيم في دمشق من غير أن يعلن له أنه يعلم بخلافه مع عرفات وأظهر كرماً مبالغاً فيه تجاه محمود لو أخذ قراراً بالإقامة في دمشق. شكره محمود بتهذيب وعندما عاد الى فندقه أسرع بالرحيل عن دمشق وذهب مباشرة الى تونس بدلاً من باريس حيث كان يقيم ودخل على عرفات وعانقه وصالحه وقبّله وكان عرفات بحسه الحاد عرف بما اقترحه الأسد على الشاعر ليغيظه ويضرب الشاعر الفلسطيني بالقائد الفلسطيني". يقول نصري حجاج "أسرد هذه الحكاية مع ما ينقصها من تواريخ وتفاصيل دقيقة لأن ما يهمني فيها هو أن محمود درويش لم يبع عرفات ليس الزعيم، وإنما القضية وشعبه وهو يعرف مدى التآمر الأسدي ضد القضية الفلسطينية".

كان صدام يريد بروباغندا من أكبر عدد من الشعراء في المربد، بينما يلعب حافظ الأسد على وتر ارضاء الرموز للحط من الزعماء والبلدان، كان يقدم الاغراءات لمحمود درويش ليغيظ ياسر عرفات، وكان يدكّ المدن اللبنانية بالقذائف والصواريخ ويركز اهتمامه على محمد مهدي الجواهري ووديع الصافي وعاصي الرحباني وفيروز وهلم...

هي لعنة السياسة... 

تعليقات