تجاوز الحدود؛ الخطوة التالية نحو الجحيم!*

أبريل 04, 2020

سلمان رشدي
إن أثمن كتاب أملكه هو جواز سفري. وقد يبدو هذا شيئًا مغالًى في تقديره، مثل معظم المزاعم الجلية. فجواز السفر، في نهاية الأمر، ليس إلا غرضًا عاديًا.
ربما لا تولي جواز سفرك كثيرًا من اهتمامك معظم الوقت. إنه وثيقة سفر مهمة، تحاول ألا تفقده، وصورتك فيه مروعة، وتاريخ انتهاء صلاحيته قريب. يتطلب جواز السفر، عمومًا، قدرًا معتدلًا من الاهتمام والرعاية نسبيًا. وحين يتعين عليك إظهاره، في نهاية كل رحلة، فإنك تتوقع أن يؤدي مهمته دون أدنى متاعب. أجل أيها الشرطي، هذا أنا، أنت محق إذ أبدو باللحية مختلفًا بعض الشيء، شكرًا لك أيها الشرطي، نهارك سعيد أنت أيضًا. جواز السفر ليس أمرًا ذا أهمية، فهو غرض عادي، إنه ليس سوى هوية.
صرت مواطنًا بريطانيًا منذ أن كنت في السابعة عشرة من عمري، وقد أدى جواز سفري مهمته بكفاءة وبهدوء لوقت طويل حتى الآن، غير أنني لم أنس يومًا أن ليس كل جوازات السفر تعمل على هذا النحو. فجواز سفري الأول مثلًا، الهندي، كان شيئًا جديرًا بالازدراء. إذ أوضح بلغة بيروقراطية كئيبة أنه صالح للسفر إلى قائمة محددة –وقصيرة للغاية– من البلدان، عوضًا عن أن يتيح لحامله الدخول إلى أي مكان في العالم مثل عبارة "افتح يا سمسم".
وعند التحقق، يكتشف المرء أن هذه القائمة تستثني غالبًا أي بلد يود المرء فعلًا السفر إليه. بلغاريا؟ رومانيا؟ أوغندا؟ كوريا الشمالية؟ لا مشكلة. الولايات المتحدة؟ إنجلترا؟ إيطاليا؟ اليابان؟ نأسف يا صاحبي. هذه الوثيقة لا تخولك بعبور هذه البوابات. ولا بد من التقدم للحصول على إذن لزيارة البلدان الجذابة، وقد قيل بوضوح إن الإذن لا يمنح بسهولة.
كانت العملات الأجنبية مشكلة، إذ تعاني الهند من نقص فيها دومًا، وترفض أن يقل مخزونها أكثر. أما المعضلة الأكبر فقد تجلت في كون كثير من بلدان العالم الجاذبة نافرة من فكرة السماح لنا بالزيارة. وقد خلقت فيما يبدو العرف المربك في أننا لن نرغب بالرحيل عنها حال وصولنا إليها. كان "السفر"، بالمنطق الغربي للبحث عن الحظ السعيد، والسعي وراء اللذة ومتابعة المصالح، والتمتع بالإجازات،رفاهية لا تتهيأ لنا في الهند. فقد نمنح الإذن، إن كنا محظوظين، للذهاب في رحلات ضرورية جدًا. أو ألا نحصل على ذلك الإذن، إن لم يحالفنا الحظ، لأن حظنا سيء فحسب.
في كتاب ﭪ. س. نايــﭘول عن رحلاته في العالم الإسلامي "بين المؤمنين"، يعترف شاب كان يأخذ الكاتب في جولة في أنحاء باكستان بأنه لا يملك جواز سفر، ويصرح بلهفته للحصول على واحد لرغبته الشديدة في السفر خارجًا واكتشاف العالم. فيقول نايـﭘول، بطريقة لاذعة قليلًا، إنه من العار أن تكون الحرية الوحيدة التي يبدو أن هذا الشاب يهتم بها هي حرية مغادرة البلاد.
حين قرأت هذ المقطع أول مرة قبل سنوات، انتباتني رغبة ملحة في الدفاع عن هذا الشاب ضد ازدراء هذا الكاتب الشهير. فمن ناحية أولى الرغبة بالخروج من باكستان، وإن كان خروجًا مؤقتًا، هي رغبة يتعاطف معها الجميع. ومن ناحية أخرى وأهم، الأمر الذي يرغب به الشاب- حرية الحركة عبر الحدود- الأمر الذي يقلل نايـﭘول من شأنه، هو الأمر نفسه في نهاية الأمر الذي مكّنه من تأليف الكتاب الذي ورد فيه الاستنكار.
لقد أمضيت يومًا عند حاجز الهجرة في مطار هيثرو، أراقب معاملة موظف الهجرة للقادمين. ولم يدهشني أن أرى أن معظم المسافرين الذي واجهوا بعض المتاعب في عبور نقطة التفتيش لم يكونوا من البيض، بل كانوا سودًا أو لهم ملامح عربية.
أما الأمر المدهش فقد كان عاملًا واحدًا تجاوز معضلة اللون الأسود أو الملامح العربية. وكان ذاك العامل امتلاك جواز سفر أمريكي. فما إن تظهر جوازًا أمريكيًا، حتى يصاب موظف الهجرة بعمى الألوان ويلوح لك لتمضي في طريقك، مهما تكن ملامحك غير القوقازية مثيرة للريبة. يبدو الانفتاح على هذا النحو مرغوبًا لدى أولئك الذين ينغلق العالم في وجوههم، وقد لا يشعر بقيمة هذا الانفتاح أولئك الذين يرونه من حقهم بموجب القانون. فأنت لا تتوق للهواء إن كان لديك ما يكفي لتنفسك، ولكن ما إن ينقص مقدار الهواء الصالح للتنفس، فسرعان ما تبدأ بملاحظة أهميته. (والحرية مثله أيضًا).
أما السبب الذي كان وراء حاجتي إلى جواز هندي، محدود القدرات كما كان، فهو انبثاق حد جديد بعد ولادتي بثمانية أسابيع، قُسمت عائلتي إلى نصفين بسببه. منتصف الليل، 13-14 أغسطس عام 1947: أعلن انفصال شبه القارة الهندية، وولادة الدولة الجديدة باكستان، قبل أربعة وعشرين ساعة بالضبط من استقلال بقية المستعمرة البريطانية سابقًا.
تأجلت لحظة حرية الهند بناء على نصيحة عدد من المنجمين، الذين أبلغوا جواهر لال نهرو أن التاريخ السابق كان نذير سوء، وسيتيح التأجيل للولادة أن تحدث تحت سماء منتصف ليل أكثر بِشرًا. كان لعلم الفلك حدوده بلا شك، وقد أكد خلق الحد الجديد أن ولادة كلتا الأمتين كانت عسيرة ودموية.
كانت عائلتي الهندية المسلمة محظوظة، إذ لم يصب أحد منا أو يقتل في مذابح الانفصال. غير أن حياتنا جميعًا قد تغيرت، حتى حياة ولد له من العمر ثمانية أسابيع وأخواته اللاتي لم يولدن بعد وأبناء عمومته الأحياء والمستقبليين، وكل أولادنا أيضًا. فلم يكن أحد منا ليكون من هو عليه لو لم يرسم هذا الخط على أرضنا.
كان أحد أعمامي، هو زوج خالتي الصغرى، جنديًا، وكان يخدم في وقت الاستقلال بوصفه ضابطًا مرافقًا للمارشال السير كلود أوشنلك، المسؤول عن مغادرة الجيش البريطاني للهند.
كان أوشنلك، الشهير بـ "أوك"، ضابطًا لامعًا. وقد كان مسؤولًا عن إعادة بناء الجيش البريطاني في شمال أفريقيا بعد خسارته على يد إرون رومل، وبناء معنوياته وتهيئته ليكون قوة حرب جبارة، غير أنه وونستن تشرشل لن يحبا بعضهما بعضًا، فأزاحه تشرشل من قيادته في أفريقيا وأرسله ليشهد زوال الإمبراطورية في الهند، متيحًا لخليفته، المارشال برنارد مونتغمري، أن يجني مجد عمل أوشنلك كله بهزيمة رومل في معركة العلمين.
كان أوشنلك واحدًا من المارشالات القلة الذين شهدوا الحرب العالمية الثانية وقاوموا إغراء نشر مذكراتهم، لذا فإن هذه القصة قد تناهت إلي من عمي، مرافقه، الذي صار لاحقًا جنرالًا في الجيش الباكستاني ووزيرًا في الحكومة الباكستانية لبعض الوقت أيضًا.
أخبرني عمي الجنرال قصة أخرى، أيضًا، أثارت موجة اهتمام حين نشر مذكراته. فقد آمن أوك، بحسب قوله، أنه يستطيع إيقاف مذابح الانفصال إن سمح له بالتدخل، وقد زار رئيس الوزراء البريطاني، كليمنت أتلي، لطلب السماح له بفعل ذلك.
كان رأي أتلي، صوابًا كان ذلك أم خطأً، يقضي بأن مدة الحكم البريطاني في الهند قد انقضت، وأن سلطة أوشنلك لم تكن سوى استشارية انتقالية، ولذا فليس عليه فعل شيء. ليس للقوات البريطانية أن تتورط في هذه الأزمة الهندية الباكستانية، وأن عدم التدخل هذا كان الإجراء الأخير للبريطانيين في الهند. أما رأي جواهر لال نهرو ومحمد علي جنه في عرض مساعدة بريطانية فلم يدون، ومن الممكن أنهما لم يكونا ليوافقا، ولربما لم يسألهما أحد ذلك. أما بخصوص الضحايا، فلا يمكن لأحد أن يتفق على عددهم، مئة ألف؟ نصف مليون؟ لا يمكننا أن نعرف، فلم يكن أحد يحصي الأرواح.
كنا نسافر أنا وأبويّ وأخواتي بين باكستان والهند – بومباي وكراتشي- بحرًا أثناء طفولتي. وكانت الباخرات التي تقطع هذا الطريق زوجًا من الدلاء الصدئة، سابارماتي وساراسـﭭـاتي. كانت الرحلة حارة وبطيئة، وكانت القوارب تقف لأسباب مجهولة لساعات على ساحل ران كوتش، حيث كانت بضائع مجهولة تنقل بين البلدين؛ بضائع مهربة وتخيلت بحماس أنها ذهب أو أحجار كريمة. (كنت شديد البراءة للتفكير بالمخدرات).
حين وصلنا كراتشي، دخلنا عالمًا أغرب بكثير من ران المهربين السبخة الغامضة. إذ كانت صدمة لنا على الدوام، نحن أطفال بومباي، المعتادين على الانفتاح الثقافي السهل وتنوع مدينتنا الحضرية، أن نتنشق هواء كراتشي القاحلة المجدبة، ذات الثقافة الأحادية المنغلقة  ضيقة الأفق. كانت كراتشي مملة (هذا، بالطبع، قبل أن تتحول إلى حاضرة مسلحة كالتي غدتها الآن، يقلق فيها رجال الشرطة والجنود، الذين لم يُشتروا، من أن يكون سلاح مجرمي المدينة أفضل من سلاحهم. ما زالت مملة، فليس من مكان يُرتاد ولا شيء يُفعل، غير أنها صارت مخيفة الآن أيضًا). كانت بومباي وكراتشي قريبتين جدًا من بعضهما بعضًا جغرافيًا، وكان أبي، مثل الكثير من مجايليه، يتنقل بينهما طوال حياته. ثم، فجأة، صارت كل مدينة غريبة تمامًا عن الأخرى عقب الانفصال.
تباعدت المسافة بين المدينة وأنا أكبر، كأنما خط الحدود الذي أوجده الانفصال قد قطع الأرض في جنوب آسيا، مثلما يقطع خيط مشدود قطعة جبن، قاطعًا باكستان حرفيًا من أرض الهند، حتى أنها تستطيع أن تطفو ببطء عبر بحر العرب، كما تطفو شبه الجزيرة الإيبيرية بعيدًا عن أوروبا في رواية خوسيه ساراماغو الطوف الحجري.
كانت العائلة تجتمع دومًا في طفولتي، مرة أو اثنتين في السنة، في منزل جديّ لأمي في ألغرا في ولاية أتر ﭘاردش شمالي الهند. أبقتنا اجتماعات العائلة معًا، ثم انتقل جداي إلى باكستان، وضاع بيت ألغرا وانتهت الاجتماعات، وأخذ الفرعان الباكستاني والهندي للعائلة يتباعدان. كلما التقيت بأبناء خؤولتي، اكتشفت أكثر مدى اختلافنا، ومدى اختلاف بديهياتنا. صار من السهل ألا نتفق؛ ومن الأسهل أن يطبق المرء فمه، حفاظًا على سلام العائلة.
كنت أرى نفسي، بوصفي كاتبًا، محظوظًا على الدوام، لأنني نشأت عالمًا بشيء عن كل من الهند وباكستان، بفضل أحداث حياة عائلتي. ووجدت نفسي كثيرًا ما أوضح المواقف الباكستانية للهنود والعكس بالعكس صحيح، معترضًا على التحامل الذي غدا متأصلًا في كلا الجانبين حين كانت باكستان تزداد بعدًا عبر البحر. 
لا أستطيع القول إن جهودي كللت بالنجاح الهائل، أو إنني كنت قاضيًا متجردًا تمامًا. كرهت الطريقة التي صرنا بها، هنودًا وباكستانيين، آخرين لكل منا، كل منا يرى الآخر كما يراه عبر الزجاج، مهددًا، وكل منا ينسب للآخر أسوأ الدوافع وأخس الطباع. أكره ذلك، لكني كنت أقف على الجانب الهندي في نهاية الأمر.
كانت واحدة من خالاتي تعيش في كراتشي أثناء الانفصال، وكانت صديقة مقربة لشاعر شهير يكتب بالأردو، فايز أحمد فايز (1911-1984). كان فايز أول كاتب عظيم ألتقيه في حياتي، وقد علمني من خلال أعماله وحواراته مهمة الكاتب التي آمنت بها تمامًا. كان شاعرًا غنائيًا مدهشًا، ولحنت معظم قصائده الغزلية، وتهيأ له ملايين المعجبين، حتى في أغنياته الواقعية غير العاطفية:
لا تطلبي مني يا حبيبتي
 الحب الذي حملته لك يومًا
إنك ما تزالين جميلة يا حبيبتي
لكني عاجز
لأن في العالم أحزان أخرى سوى الحب
ومسرات أخرى أيضًا
لا تطلبي مني يا حبيبتي
الحب الذي حملته لك يومًا
لقد أحب بلده أيضًا، غير أن إحدى أفضل قصائده عن بلده، خيبة أمل غنائية، كانت من وجهة نظر منفيّ مغترب. كانت هذه القصيدة، التي ترجمها آغا شهيد علي، قد طبعت على ملصقات علقت في محطات قطار الأنفاق في نيويورك قبل عدة سنوات، مانحة السعادة لكل من يحب الشعر الأرديّ:
تسألني عن البلد الذي فرت تفاصيله مني
لست أذكر جغرافيته، ولا شيئًا من تاريخه
وإن زرته في ذاكرتي
سيكون مثل حبيب من الماضي
بعد سنوات، ولليلة واحدة، لم أعد جزعًا من الحب
ولا أشعر بالخوف من الندم.
فقد بلغت من العمر الذي يسمح للمرء بزيارة القلب بدافع المجاملة.
إلى جانب كونه شاعرًا صلبًا في الحب العاطفي والوطني، كان فايز شخصية سياسية وكاتبًا معروفًا أيضًا، مركزًا على المسائل الجوهرية في عصره في شعره وخارجه معًا. صار هذا المفهوم المزدوج لدور الكاتب، خاص في جزء وعام في جزء، واضح في جزء وغامض في آخر، مفهومي أنا أيضًا، والفضل في ذلك يعود في جزء كبير منه إلى تأثير فايز. لم أشاركه قناعاته السياسية، وبخاصة إعجابه بالاتحاد السوﭭـييتي الذي منحه جائزة لينين عام 1963، إلا أنني وافقته في رؤيته لمهمة الكاتب، أو ما ينبغي لها أن تكون.
إلا أن هذا كله حدث بعد سنوات عديدة. ربما لم يكن لفايز أن ينجو من أحداث الشغب التي أعقبت الانفصال عام 1947  لولا خالتي.
لم يكن فايز شيوعيًا فحسب، بل كان ملحدًا صريحًا. كانت الأيام التي تلت ولادة الدولة المسلمة أيامًا خطرة، حتى على الشاعر المحبوب جدًا. جاء فايز إلى منزل خالتي عالمًا بوجود عصابة غاضبة تبحث عنه، وأن الأمور لن تكون على ما يرام إن هم عثروا عليه. كان تحت البساط في غرفة الجلوس بويب يقود إلى القبو. أزاحت خالتي البساط ونزل فايز إلى القبو، وأغلق البويب ثم أعيد البساط. وجاءت العصابة في طلب الشاعر ولم تجده.
كان فايز بأمان، وواصل استفزاز السلطات والمؤمنين بأفكاره وقصائده- ارسم خطًا على الأرض وسيشعر فايز أنه ملزم بتخطيه- واضطر فايز نتيجة لذلك أن يقضي أربع سنوات في السجون الباكستانية في الخمسينيات من القرن الماضي، وهي ليست أفضل السجون في العالم. استلهمت بعد سنوات ذكرى ما حدث في بيت خالتي في فصل من روايتي أطفال منتصف الليل، غير أنها قصة حقيقية لشاعر حقيقي، أو بالشكل الذي وصلتني به على الأقل عن طريق أساطير العائلة غير الموثوقة تمامًا، قد تركت أثرًا عميقًا في نفسي.
 ولكوني ولدًا صغيرًا، صغيرًا للغاية لمعرفة عمل فايز أو حبه، أحببت الرجل عوضًا عن ذلك؛ بدفء شخصيته، والجدية الوقورة التي كان يولي بها اهتمامه للأطفال، والابتسامة الملتوية على وجهه الشبيه بوجه الجد في مسلسل الوحوش. بدا لي حينئذ، وأؤمن بذلك الآن، أنني سأعترض قطعًا، أيًا كان الخطر الذي يحدق به. إن كان الانفصال الذي أنشأ باكستان قد أرسل هذه العصبة للقبض عليه، فإنني ضده إذًا. وحين بلغت من العمر ما يخولني قراءة الشعر لاحقًا، وجدت الدليل. يبدأ فايز قصيدته "صباح الحرية"، التي كتبها في الساعات الغراء من منتصف الليل في منتصف أغسطس من عام 1947، بقوله:
هذا الضياء الدنس، هذا الفجر الذي هزمه الليل
هذا ليس الفجر الذي انتظرناه.
تنتهي القصيدة ذاتها بوعيد وإنذار:
زمن تحرر القلب والعقل
لم يحن بعد
امضِ في رحلتك
اضغط زر التشغيل، ما زالت الوجهة بعيدة.
كانت آخر مرة رأيت فيها فايز في حفل زفاف أختي، وآخر ذكرى مبهجة لدي عنه هي اللحظة التي شرب فيها نخب العريسين، رافعًا كأسًا تطفح بالوسكي ومكعبات الثلج، بوجود المتشددين المتزمتين تمامًا الذين حبسوا أنفاسهم.
يبدو فايز في خيالي مثل جسر بين عالم الواقع وعالم المجاز، أو مثل ﭭرجيل يرينا نحن الدانتيين المساكين الطريق نحو الجحيم. إن تجاوز الخطوط المجازية مهم بقدر تجاوز الخطوط الحقيقية.
إن تجاوز الحدود واللغة والجغرافيا والثقافة، وتفحص الحدود بين عالم الأشياء والأفعال وعالم الخيال، وتخفيض الحدود التي أوجدتها مختلف أنواع الرقابة الفكرية في العالم، كانت هذه المسائل هي صلب المشروع الثقافي الذي منحته لي ظروف حياتي، أكثر من كوني اخترته لأسباب ثقافية أو "فنية".
ولكوني ولدت أتحدث لغة "الأردو"، فقد جعلتُ حياتي وعملي بأخرى. سيفهم أي امرئ تجاوز حدود اللغة على الفور أن رحلة كهذه تتطلب شكلًا من التحول أو ترجمة الذات. فتغيير اللغة يغيرنا. تتيح كل اللغات أشكالًا مختلفة من التفكير والخيال واللهو. وأجد أن لساني يفعل أمورًا باللغة الأردية تختلف قليلًا عما أفعله "بلسانك أسفل حنجرتي"، إن أمكنني استعارة عنوان قصة لحنيف قريشي.
عددّ أعظم كاتب على الأطلاق نجح في تجاوز حدود اللغة، ﭭـلاديمير ناﭘـوكوﭪ، في كتابه "ملاحظات على الترجمة"، "درجات الشر الثلاث التي يمكن إدراكها في العالم الغريب للهجرة اللفظية". كان يتحدث عن ترجمة الكتب والقصائد، ولكن حين كنت أفكر وأنا كاتب شاب بترجمة الموضوع الكبير للهند إلى الإنجليزية، وكيف أتيح للهند نفسها أن تقدم على فعل "الهجرة اللفظية"، بدت درجات الشر الناﭘـوكوﭭـية مناسبة.
كتب ناﭘـوكوﭪ: "تتألف أولاها وأدناها من الأخطاء الواضحة العائدة إلى الجهل أو المعرفة المضللة. وهذا خطأ بشري، لذا فإنه مقبول". كانت الأعمال الغربية التي تطرقت إلى الهند مليئة بأخطاء من هذا القبيل. وسأذكر اثنين فقط؛ مشهد في فيلم الطريق إلى الهند لديـﭭد لين الذي يظهر فيه د. عزيز يقفز إلى سرير فيلدنغ ويقاطع ساقيه دون أن يخلع حذاءه، هفوة سيجفل منها أي هندي فزعًا. والمشهد الآخر الأكثر إضحاكًا الذي يجلس فيه ألك غينيس، بشخصية غودبول، على حافة الخزان المقدس في المعبد الهندوسي ويدلّي رجليه في الماء.
يقول ناﭘـوكوﭪ: "الخطوة التالية نحو الجحيم يخطوها المترجم الذي يتجاوز الكلمات أو المقاطع التي لا يتجشم عناء فهمها أو التي تبدو غامضة أو خليعة للقراء المتخيلين". كان الواقع الهندي قد تعرض للتخطي على هذا النحو لوقت طويل، أو هذا ما شعرت به، لدى كتّاب لم يكونوا مهتمين بشيء بسوى التجارب الغربية للفتيات الإنجليزيات في الهند الباحثات عن المهراجا، أو اللاتي اعتدى عليهن، أو لم يعتد عليهن، رجال ليسوا مهراجات، في حدائق ليلية، أو كهوف تردد الصدى، مكتوبة بأسلوب كلاسيكي بارد. وإن كان ثمة شيء لا تتسم به الهند، فهو البرود والكلاسيكية. إن الهند حارة وسوقية، كما أرى، وهي بحاجة إلى "ترجمة" أدبية تحفظ لها طبيعتها الحقيقية.
أسوأ جرائم الترجمة وأشنعها، في رأي ناﭘـوكوﭪ، التي يسعى فيها المترجم إلى تحسين الأصل "مجملًا إياه ليتماشى مع أفكار جمهور مفترض وأحكامه المسبقة". إن إضفاء طابع سحري على الهند، و"تجميل الوضيع فيها" هو أكثر ما بغضه الهنود. وقد انتهى هذا لحسن الحظ، ودفنت الهند بلاد الفيلة والنمور وطيور الطاووس والزمرد والراقصات، إذ يستحضر جيل من الكتاب الهنود الموهوبين الذين يكتبون بالإنجليزية نسخًا متعددة من الواقع الهنديبإنجليزيتهم ، وبدأت هذه النسخ العديدة، بالنظر إليها في مجموعها، بإضافة شيء يمكن للمرء أن يسميه الحقيقة. 
_____
*العنوان مستوحى من النص. 
ترجمة بثينة الإبراهيم

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة