رحيل المعمار والمنظّر رفعة الجادرجي

أبريل 13, 2020


بلقيس شرارة

منذ مدة وشبح الموت يطوقنا، إن الموت يجعلنا نخاف من النهاية، ومع الخوف يأتي النكران والرعب والهرب من الموت.

ان الرعب الذي يهمين علينا، قد همين على الانسان منذ بداية البشرية، وهو الخوف من الموت، لذا ابتكر الانسان الاساطير، ومن ثم جاءت الأديان لتثبت للإنسان ان هناك حياة أخرى أفضل من حياة الدنيا. نفكر دائما، ما الذي سيحدث لنا عندما يغلق العالم بابه علينا، خاصة عندما يعرف الانسان أنه لم يكن له حظ بحياة أخرى، فهل ترك اشياء أو افكار جيدة تعيش بعده، قال ستيف جوبز: (ان الخسارة المالية من الممكن تعويضها، ولكن هنالك شيء واحد عندما تخسره لا يمكن ان تعوضه، وهي الحياة، في أي مرحلة انت في الحياة، في النهاية علينا ان نواجه اليوم الذي تسدل فيه ستارة الموت).

كما قد عبر كارل يونك Carl Jung عن الموت " الانسان مهدد بالنهاية الحتمية... نتصرف في الحياة كأنها مستمرة إلى ألابد، وعلى الكبار في العمر أن يستمروا بالحياة، وأن ينظروا إلى الأمام إلى اليوم التالي، وكأنه سيقضي قروناً، وبتلك النظرة سيعش الانسان سعيداً. ولكن عندما يكون خائفاً ولا ينظر نحو المستقبل، سينظر إلى الخلف، فسوف يموت قبل أوانه، ولكن عندما يعيش الفرد وينظر إلى الأمام الى المغامرات الكبيرة التي تنتظره عندئذ هو حي". 

فكيف نتعامل مع الموت وكيف نعالجه، ففي اللاوعي كل منا يعتقد انه سيخلد ويعيش إلى الابد، لذا الايمان هو ان يكون الانسان عقلانياً، وهذا ما سار عليه رفعة طيلة حياته. كانت نظرة رفعة إلى الحياة، نظرة إيجابية، ملؤها الأمل والتفاؤل، فلم اره يوماً متشائما أو متذمراً من الحياة، حتى في أحلك الظروف القاسية التي مرّ بها عندما حكم عليه بالسجن المؤبد، لم يطلب يوماً من الأيام المواساة أو العطف، بل أستغل كل لحظة قضاها في السجن. فبدلاً من ان يتذمر من قسوة الحياة والظلم الذي أصابه من قبل السلطة آنذاك، استغل تلك الفترة المظلمة من حياته واتجه نحو الكتابة فأنهى كتابين هما "صورة أب" و"شارع طه وهمرسمث"، وبدأ في كتابة كتابه "الأخيضر والقصر البلوري" الذي أنهى معظمه في السجن. فتحت له الكتابة أبواباً جديدة، فكرّس حياته لها، واستمر في البحث والكتابة حتى بعد ان أفرج عنه من السجن، فكتب أكثر من عشرة كتب.

أعرف أنني كنت محظوظة بالعيش معه أكثر من ستة عقود، عقود الفرح والمتعة، عقود السعادة والثقة والشراكة بيننا، التي دامت طيلة هذا الزمن. في أن تجد شخصاً يسندك ويدفعك في تحقيق طموحك، هو أهم ما في سيرة الإنسان. ما كان يلهمني هي طيبة النفس والكرم العميق الذي تجلى في تلك الذات التي فقدتها.

لقد سندنا بعضنا في مسيرة الحياة الطويلة، وليس هنالك أجمل وامتع في الحياة في أن ترى أمامك مسيرة كل واحد منا تتفتح امام الآخر. فقد كنا نعيش في واحة متشابكة بالأفكار الغنية، إنها الشراكة الطويلة التي جمعتنا في تلك الواحة الجميلة. كانت حياة رفعة رحلة واسعة متشابكة في القدرة على الإنتاج إن كان ذلك في تصميم العمارة أو في الكتابة عن العمارة ومتطلباتها الاجتماعية والفنية والفلسفية.

ومنذ ست سنوات ونصف وشبح الموت يرفرف في حياتنا، وذلك عندما أصيب رفعة بنوبة قلبية عام 2013 في منتصف شهر أكتوبر، وظل الموت ملازماً لنا، يطل علينا ويحاول ان يطوقنا كلما ذهبنا إلى مستشفى الطوارئ. 

أصبحت أرى شبح الموت أمامي في غرف وممرات المستشفى، كما أصبح الظل المرافق لي لا يغيب عني، كلما أسمع أنين رفعة المتواصل، فيذكرني أن الموت جاثم أمامي، أغمض عيني المطفأتين لكيلا أراه، لكنه ظل يلاحقني أينما أذهب.

فأنا مشغولة بالموت، ونتيجته تغير عالمي، أفكر بالموت المجرد، مثل فصول السنة، الصيف والشتاء. رفعة، الزوج الذي كان على حافة الموت، فكره حاد لكن جسمه ضعيف واهن، أراه كل يوم جالس وكتاب بيديه، أمام النافذة الكبيرة التي تطل على نهر التايمس، أتكلم معه يجيبني، وهو ينظر من تلك النافذة على العالم، عالمه المحدود، يشاهد الطبيعة من خلالها، نافذته التي يرى الناس بكلابهم تسير او تركض بجانب النهر، ينظر إلى الطيور من خلال تلك النافذة ويرى القوارب الشراعية والمجداف يعلو وينخفض، ثم يقول لي: هذا هو عالمي، من خلال تلك النافذة أرى الحياة تذوب أمامي. ظل يتوكأ وينزل الدرج يومياً ليتناول الغداء، ثم توقف عن نزول الدرج، عضلاته لا تقوى على حمله، ثم توقف عن المشي، لكنه ظل بالرغم من تردي صحته والآلام التي كان يعاني منها، لا يشكو أو يتأفف بل ظل متفائلاً بالحياة ولو أنه كان يعيش من يوم إلى يوم.

الأيام تجري والاشهر تتواتر وانت تشاهد أقرب شخص يتلاشى ويذوب امام عينك وليس بقدرتك أن تفعل شيء. أعرف ان الوقت الذي قضيناه سوية في آخر أيامه كان يتبخر كما يتبخر الماء في قيض الصيف الحار.

فمنذ شهر ورفعة في المستشفى في حالة صحية ميؤوس منها، صعقت عندما علمت أنه مصاب بفيروس الكرونا، الذي لا شفاء منه في حالته. العالم يمر بحالة رعب، لم يمر بها من قبل، شوارع العواصم في العالم فارغة من الناس، كأنها هياكل بلا بشر. والهلع مهيمن على البشرية، لا يدري أي منا متى يصاب بهذا المرض ومن الذي سينقله إليه.

منذ أسبوع صدرت تعليمات مشددة في انكلترا، علينا تنفيذها والبقاء في الدار. عشت تلك الأيام مع التلفون التقط اخبار رفعة من الممرضة التي تشرف على صحته، وكل يوم يتضاءل الأمل في تحسن صحته، وليس هنالك أقسى من الفقدان، فقدان أهم عزيز في الحياة ومفارقة أقرب الناس لك والشخص الذي يقرأ أفكارك، وليس باستطاعتك ان تعمل شيئاً حتى زيارته أثناء مرضه في المستشفى، خوفاً من انتشار المرض، لكن من حسن الحظ انه نقل لداره قبل ان يتوفى بيوم. كنت معه عندما نطق آخر الكلمات. 

لذا كانت لحظة رحيله وفراقه قاتمة سوداء، إنها لحظة الحزن والفراغ الذي أحدثه في حياتي. الآن الأيام تذوي أمام ناظري والنهار يذوب في الليل، والعتمة في كل مكان مهيمنة على الوجود بفقدانه. إن هوة الفراغ الذي احدثه، أضاع موازنتي أحياناً. أحدق أحياناً بالظلمة لكيلا أبكي على نفسي، أحس بفراغ كبير، كشجرة خاوية من ماء الحياة.

ان مدة الحزن والوجوم النفسي تصل إلى اقصى الحدود وتنخفض ثانية مع العواطف المتناقضة، وعندما تشعر في حالة يمكنك التغلب على هذه الحالة النفسية وإذا بك تعود إلى نقطة الصفر، وتشعر بألم نفسي داخلي، عندما تتذكر الأيام الجميلة، خاصة عندما تكون مع الآخر لمدة طويلة من العمر، ثم تعود وتحاول ان تتأقلم وتقبل الواقع، وتحاول الاستمرار على الحياة بعد فقدان شريكك، تحاول ان تجد طريقك في هذه الحياة الوحيدة، فتصبح كأنك تعيش من يوم إلى يوم، وتحس كأنك تسير في الضباب، لا دليل واضح يريك الطريق. تحاول ان تبقي وجوده معك بمرور الأيام، بالرغم من أن جزءاً عزيزاً قد فقدته إلى الأبد.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة