فيلسوف مشهور عالميًا: يجب على الدنمارك إرسال مليارات الكورونا إلى الهند وأفريقيا!

أبريل 16, 2020

"مقابلة عبر السكايب مع فيلسوف الأخلاق الأسترالي بيتر سنجر، بقلم كريستيان بنيكه. نُشرت في جريدة إنفورماشيون الدنماركية بتاريخ 15 نيسان 2020.

ترجمة دُنى غالي

فتاة صغيرة تقع في بئر. يكلّف أمر إنقاذها مبلغا قدره عشرة ملايين. مالذي يقتضي علينا فعله؟ بلى، يقول فيلسوف الأخلاق الشهير عالميا بيتر سِنجر، علينا أن نترك الفتاة تموت وننفق الأموال هذه على الأطفال في أفريقيا، حيث تكلفة إنقاذ حياة أرخص بالكلفة. على الدنمارك أن تفكر بهذه الطريقة أيضا بخصوص الكورونا.
إذا كانت تكلفة إنقاذ حياة بشر ما في النيجر هي ألف دولار وتكلفة إنقاذ حياة ما في الدنمارك هي 100 ألف دولار، فعلينا أن نفكر بإنقاذ المزيد من الأرواح في النيجر. هذا ليس واقعيًا، لأن الحكومة الدنماركية لن يتم اعادة انتخابها بهذا، ولكن من الناحية الأخلاقية سيكون هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله، كما يقول الفيلسوف بيتر سنجر.

في أحد أيام خريف العام 1987، سقطت جيسيكا ماكلور البالغة من العمر 18 شهرًا في بئر جاف في بلدة صغيرة في تكساس ولم يتمكنوا من اخراجها.خلال اليومين التاليين بذلت السلطات كل جهدها من أجل إنقاذها.
لمدة 56 ساعة عملت أقسام الشرطة والإطفاء من دون توقف، وقد تابعت وسائل الإعلام قصة عملية الإنقاذ ، وتبرعت الناس بالمال للعائلة ، وقد تم انقاذ حياة جيسيكا أخيرًا (كانت سالمة مع إصبع قدم مبتور)، واستقبلها جورج إتش دبليو. بوش في البيت الأبيض.
كان من الخطأ من الناحية الأخلاقية انفاق كل هذه الجهود والطاقة وكل هذه المبالغ من أجل إنقاذ جيسيكا، يقول بيتر سنجر الذي تمّ الاتصال به عبر السكايب في منزله خارج ملبورن، في أستراليا.
بيتر سِـنجر أستاذ الأخلاق البيولوجية بجامعة برينستون، وربما أشهر فيلسوف أخلاقي معاصر في العالم حاليا.
يحذّر بيتر سنجر بقوله بينما نحن موشكين على إعادة فتح المجتمعات التي أغلقت ورفع الحجر، يجب علينا ألا نرتكب نفس الخطأ الأخلاقي الذي ارتكبته سلطات تكساس.
"لقد كلّفت عملية إنقاذ جيسيكا ماكلور حوالي مليوني دولار. وبنفس الوقت خلال يومين مات آلاف من البشر في أماكن أخرى من العالم، بسبب عدم توفر إمكانية للعلاج ضمن أنظمة رعاية صحية مناسبة. قد تكون تكلفة الواحد منهم ربما ألف دولار. لذا بنفس المقدار من المال كان بالإمكان إنقاذ 2000 شخص بدلاً من واحد. يعتقد البعض أن إنقاذ طفل في بئر هو واجب، لأننا يجب أن نثبت لبعضنا البعض أننا نهتم بحياة كل فرد عموما، لكنني لست متفقا مع هذا. سيكون من الأفضل كثيرا أن ننفق الملايين على إنقاذ 2000 شخص، وترك جيسيكا تموت. يقول بيتر سنجر، حتى لو كان الأمر صعبًا."
هكذا هو الحال أيضًا مع فيروس الكورونا. السياسة هي مسألة أولويات، وعندما تعيد حكومات العالم فتح مجتمعاتها من جديد ، يجب ألا تخفي نفسها خلف شعار "لا يمكن للمرء أن يضع سعرا لحياة إنسان"، كما قال حاكم نيويورك أندرو كومو. لا، بالإمكان فعل ذلك، يقول سنجر ويجب علينا فعل ذلك.
حياة ما هي ليست مجرد حياة. من الأفضل لنا إنقاذ شابّ بدلا من إنقاذ رجل عجوز. يقول سنجر. حياة ما تنعم بصحة وسعادة هي "أكثر قيمة" من حياة أخرى تعاني من آلام وخوف.
إن أردنا تحديد فيما لو كان بإمكان الأطفال الذهاب إلى المدرسة، وما إذا كان بإمكان الحلّاقين الاستمرار بالعمل، فنحن بحاجة إلى وحدة القياس والتي يستعين بها خبراء الاقتصاد في المجال الصحي QALY: "عدد السنوات المعدَلة نسبة الى جودة الحياة Quality-Adjusted life-year". إذا كان المريض مريضاً لمدة سنة صاحبتها الآلام، تكون السنة أقلّ قيمة من حياة معاشة بدون آلام. ويمكن التوسّع في هذا بإدخال عوامل أخرى. كما يقول بيتر سنجر.
»تقلّل البطالة من جودة حياة الإنسان، مثلما لا تكون سنة حياة معاشة بذات الجودة عندما يفقد المرء ذراعه. وهذا يعدّ إلى حد ما مقياسا. بتقدير بعض المختصين ان البطالة تختزل القناعة أو الرضا بالحياة بنسبة 20 في المائة."
هكذا يقتضي أن نتعامل مع فيروس الكورونا أيضا: علينا أن نوجد معادلات كبيرة تأخذ في الاعتبار جميع تأثيرات الفيروس على المدى الطويل:ما هي عدد السنوات النوعية المعاشة التي يمكننا إنقاذها عن طريق إغلاق المجتمع ، وما هي السنوات النوعية التي نفقدها في المستقبل؟
كل شيء يجب أن يتم حسابه ويؤخذ بالحساب. يجب ألا نركّز فقط على عدد الموتى والعاطلين عن العمل في بلدنا، كما يقول سنجر، هناك الآلاف من الآثار السلبية لسياسة فيروس الكورونا التي لا يمكننا رؤيتها مباشرة: يمكن أن يكون لعدم توفر المدارس آثار سلبية كبيرة على الأطفال على مستوى العالم – ذلك يخلق عدم المساواة والشقاء. وحين ينخفض ناتجنا المحلي الإجمالي BNP، تنخفض مساعداتنا للدول النامية أيضًا مما يؤدي إلى عواقب بحق من هم الأضعف في العالم. إن الركود لفترة طويلة يعطي موارد أقل لتطوير المستشفيات وتخريج الأطباء والممرضات "ما يؤدي إلى قتل الكثير من البشر"، يقول سِنجر.
هناك عزلة اجتماعية، اكتئاب، مشاكل نفسية، عنف منزلي ... كل ذلك يجب أن يدخل في المعادلات. يجب أن يدخل كل ذلك في الحساب من أجل تقدير عدد السنوات النوعية المعدّلة وفقا لجودة الحياة، لكي نتمكّن تماما من معرفة ما إذا كان العلاج أسوأ من المرض بحد ذاته.
- ولكن هناك عوامل كثيرة تلعب دورا بهذا الخصوص، في جميع أنحاء العالم، هل بإمكاننا عموما معرفة الفوائد نسبة إلى الكلفة؟
"لا ، ليس لدينا جميع المعلومات حاليا، ولهذا تصبح المهمة المركزية على الإطلاق هو إجراء هذا النوع من الإحصائيات والتقديرات. "البديل هو اتخاذ القرارات من دون معرفة الحقائق"، يقول سنجر.
هناك كثيرون من يختلفون معه. روث فادن ، العالمة الأمريكية التي أسّست قسم الأخلاقيات البيولوجية في جامعة جون هوبكنز في بالتيمور، ترى أن الكورونا هي نوع من نسخة جماعية من جيسيكا في البئر: كلنا نقف على حافة البئر، وبعضنا أقرب إلى الحافة من البعض الآخر، يقع البعض في البئر،آخرون يبقون على الأرض ، لكن الجميع يدرك الخطر.
"الكل في مجتمعٍ ما يجب أن يعرف انهم فيما لو وقعوا في مشكلة ما، فسيفعل الآخرون كل ما بوسعهم للمساعدة". هذا ما أخبرتني إياه روث قبل أيام. لا يتعين علينا إجراء حسابات كبيرة من أجل أن نعرف أننا سنقوم بإنقاذ مواطنينا.
يرفض بيتر سنجر هذا. برأيه: "الناس قد يسقطون من على الحافة، نعم، ولكن ربما من الأفضل لهذه المبالغ من المال التي تُنفق من أجل إنقاذهم أن يتم إنفاقها في مكان آخر".
يشير نقّاد آخرون إلى إنه لا يوجد تناقض بين الصحة والاقتصاد كما يقول سنجر. الاقتصاد سيتوقف إذا فتحنا المجتمع وتركنا للعدوى أن تستشري، لأن الناس سوف لن تجرؤ على الذهاب إلى العمل. لكن بيتر سنجر لا يؤمن بذلك. ويقول" الكثير من الناس يفضلون المخاطرة بالخروج على البقاء عاطلين عن العمل، وخاصة الشباب. ستخاطر المطاعم والشركات الصغيرة. لذا إذا رفعنا الحجر وفتحنا البلد، فإن الاقتصاد شأنه شأن كل شيء آخر سيكون أقل تضرّرا ".
ليس معناه إن ما علينا سوى فتح المجتمع وإطلاق الحرية للوباء للانتشار، يقول سنجر، " لأنني لا أملك جميع المعلومات اللازمة لإجراء هذا التقييم". لكنه يعني أننا يجب أن نتعامل مع العواقب بدرجة عالية من الجدية أكبر مما تفعله حكومات العالم الآن. حتى تلك العواقب التي تجري بعيدا عنا.
“في البلدان الغنية ، غالبًا ما يصيبنا العمى حيال التأثيرات الناتجة من هذا الوباء التي تحدث في الدول الأكثر فقراً. في الوقت الحالي ، على سبيل المثال ، تم تسريح ملايين العمال المهاجرين الهنود ، لذلك عليهم السير لمئات الأميال عائدين إلى قراهم لأن وسائل النقل العام معطّلة. يقول بيتر سنجر: "إنهم لا يملكون سوى الماء والغذاء الذي يقدمه الناس لهم على الطريق".
- ولكن عندما تتحدث رئيسة الوزراء الدنماركية عبر شاشة التلفزيون عن إعادة فتح الدنمارك ورفع الحجر، لا يمكنها بهذه الحالة حلّ مشاكل العمال المهاجرين في الهند في ذات الوقت؟
"بلى. الدنمارك من الدول المانحة الكبرى للمساعدات. يمكنكم اختيار منح المعونات المادية للعمّال المهاجرين في الهند والتي خصصت بالأساس للأزمة (خصصت الحكومة الدنماركية في شهر مارس مبلغا قدره 285 مليار كرونة من أجل احتواء الأزمة اقتصاديا، ما بين رواتب وتعويضات للموظفين والطلبة وأصحاب الشركات والمشاريع المتوسطة والصغيرة- المترجمة). لا يمكن للدنمارك حلّ المشكلة، ولكن بإمكانكم عمل برنامج يعمل على مساعدة عشرة ملايين مواطنا هنديا ".
- إذن ، حتى في هذا الظرف الآن والأزمة الكبرى في تاريخ الدنمارك الحديث سيكون من الأخلاقي قطع إعانات مجتمع الرفاهية الخاصة بنا وإنفاقها على سبيل المثال في الهند، أو في شراء الناموسيات التي يمكن أن تنقذ الأطفال النيجيريين من الملاريا؟ لن يبدو الأمر معقولا في كوبنهاجن. ألا تذهب بعيدًا جدًا بهذا، حيث يجب حساب كل شيء بهذه الطريقة؟
- "لا ، لا على الإطلاق. إذا كانت تكلفة إنقاذ حياة في النيجر هي ألف دولار وتكلفة إنقاذ حياة ما في الدنمارك هي مئة الف دولار فعلينا أن نذهب أبعد من ذلك بكثير من أجل إنقاذ المزيد من الأرواح في النيجر. هذا ليس واقعيا، لأن الحكومة الدنماركية لن يتم إعادة انتخابها بذلك، ولكن من الناحية الأخلاقية سيكون هذا هو الشيء الصحيح الذي ينبغي فعله".
قال لي سنجر أن بطارية كمبيوتره ستنفد من الشحن، ولكن قبل أن نختم، وددت أن أسمع رأيه بخصوص تجربة فكرية:
تخيل أن رجلًا في منتصف العمر يأتي إلى الطبيب وهو يسعل. أثناء دخوله عيادة الطبيب يتم استقباله من قبل مجموعة من رجال الشرطة الذين يقيدونه، ويخبره الطبيب أن هناك خمسة أشخاص في غرفة الانتظار وهم بحاجة ماسة حاليا إلى زرع الأعضاء التالية من أجل البقاء على قيد الحياة: قلب وكلى وكبد ورئة وبنكرياس.
يقول الطبيب: "لقد قررنا نزع الحياة منك، إماتتك لكي نتمكن من إنقاذهم". فحياة واحدة بالرغم من كل شيء أقل قيمة من حياة خمسة".
لنحصر القضية بهذا الشكل: هل حياة إنسان ما مَصونة كريمة، أم يتوجب علينا أن نسعى جاهدين لتحقيق فائدة أعمّ قدر الإمكان لأكبر عدد ممكن من الناس؟
بيتر سنجر يبتسم ، لقد سمع هذا من قبل.
"إن لم تكن هناك عواقب كتبعات لذلك، فسأقبل المقايضة. ولكن حصرا، لأنه إن أصبحت تلك ممارسة شائعة سيمتنع الأشخاص الأصحاء عن الذهاب إلى الطبيب. ولكن من الناحية النظرية نعم. إذا تمكّنا من إنقاذ خمسة أرواح بإنهاء حياة واحدة، فيجب علينا إنقاذ الخمسة ".
Photo صوفيا أماليا كلاوغارت

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة