ألان تورين: فيروس كورونا جعلنا نعيش اللاّمعنى في بيوتنا.. وستكون هناك كوارث أخرى.

أبريل 10, 2020

في هذا الحوار يدلي المفكر الفرنسي، ألان تورين، بدلوه، عبر الهاتف، في قضايا عدة، ويعبر عن أفكار عميقة من بيته، حيث يخضع كباقي الفرنسيين للحجر الصحي بعد إعلان حالة الطوارئ. على مشارف إتمام قرن من العمر، يخلص إلى أن العالم لم يعد كما كان، حيث إنه يشعر اليوم بالخوف.


حاوره: مارك باسيتس، ترجمة: توفيق السليماني

نحن في حرب، وفق ما يقوله الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، ورئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز. هل هذا صحيح؟ 
تقنيا، تعني الحرب مواجهة بين الجيش (أ) الذي يغزو تراب البلد (ب). وفي حالتنا هذه ينقصنا العنصران، كما أن الحرب تحدث بين بني البشر. ما نعيشه اليوم هو مواجهة بين ما هو إنساني وما هو لا إنساني. لا أنتقد استعمال لفظ الحرب، لكنها قد تكون حربا دون مُقاتلين. ليست هناك استراتيجية؛ الفيروس ليس رئيس حكومة. وفي الجانب الإنساني، أعتقد أننا نعيش في عالم دون فاعلين. 

ماذا تقصدون بعالم دون فاعلين؟ 
لم يسبق قط أن تولى رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية شخص غريب الأطوار مثل الرئيس الحالي دونالد ترامب؛ الذي لا يحمل من صفات الرئيس إلى القليل جدا. إنه شخصية خارج القواعد والمعايير، بل خارج الدور الذي يلعبه رئيس الدولة. وهذا ليس محض صدفة، بل هو تحصيل حاصل؛ لقد انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من لعب دور زعيم العالم. وفي أوروبا، إذا بحثت عن أكثر الدول الأكثر قوة، فلن تجد أحدا.

وفي الأسفل؟ 
لا وجود لحركة شعبوية، كل ما هنالك هو انهيار ما كان في المجتمعات الصناعية يخلق المعنى؛ الحركة العمالية، فليس لدينا اليوم فاعلون اجتماعيون، ولا سياسيون، ولا عالميون، ولا وطنيون، ولا طبقيون. لهذا، كل ما يحدث هو كليا عكس الحرب. في جانب، لدينا آلة بيولوجية، وفي الجانب الآخر، لدينا أشخاص ومجموعات دون أفكار، دون قيادة ولا وجهة، دون برنامج، دون استراتيجية، ودون لغة. إنه الصمت. 

بعد كل هذا العمر والتجارب، هل تتذكرون فترة في حياتكم شبيهة بما نعيشه اليوم؟ 
قد يكون ربما ساد الإحساس نفسه إبان الأزمة الاقتصادية سنة 1929، لقد ولدت قبلها ويمكنني القول: كان قد اختفى كل شيء، ولم يكن هناك أي فاعل في الساحة، لا في اليسار ولا في الحكومات. لكن سرعان ما ملأ الفراغ السيد هتلر. بيد أن ما يدهشني اليوم، باعتباري عالم اجتماع أو مؤرخ الحاضر، هو أنني لم أشعر منذ زمن بعيد بمثل ذلك الفراغ الذي ساد في 1929، مثل الآن. في الحقيقة، هناك غياب الفاعلين، وغياب المعنى، وغياب الأفكار، بل حتى الاهتمام؛ ما يبدو واضحا الآن هو تفضيل الفيروس (كورونا) استهداف كبار السن. كما ليس لدينا إلى حدود الساعة علاج ولا لقاح. ليس لدينا أي سلاح، أيادينا فارغة، نحن محبوسون ومنعزلون.. مهجورون. يجب علينا ألا نتصل ببعضنا البعض، وفوق هذا وذاك يجب أن نلزم البيت. هذه ليست حربا!

كنتم في سن أربعة عشر عاما سنة 1940، بداية الحرب الحقيقية، الحرب العالمية الثانية. هل يذكركم الوقت الراهن بذلك الإبان؟ 
لا. في تلك الفترة، بالنسبة إلى فتى فرنسي في عمري، لم يكن هناك شيء مبتذل أكثر من الحرب الفرنسية الألمانية. بالفعل، طُرح لدي ذلك مرات عدة. فيما بعد، أثرت فترة الاحتلال الألماني في فترة شبابي. لكن ما يحدث اليوم هو شيء آخر لا مجال لمقارنته بالحرب العالمية الثانية؛ نحن في فراغ، ونُختزل إلى لا شيء. نحن لا نتكلم، ويجب ألا نتحرك، بل أكثر من ذلك نحن لا نفهم ما يجري.

 أصبح بحكم خوضه في الجدل العام، في فرنسا، وفي دول أوروبية أخرى مثل إسبانيا، وفي أمريكا اللاتينية، مرجعا لما يطلق عليه في فرنسا اليسار الثاني، ذا الطابع الديمقراطي الاجتماعي والمناهض الاستبداد. كما يعتبر أحد المثقفين الأجانب الذين مُنحوا جائزة أمير أستورياس للاتصالات والعلوم الإنسانية في عام 2010. وهي واحدة من أهم الجوائز في إسبانيا وأوروبا وأمريكا اللاتينية.

وكيف وصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم؟ 
لقد عشنا قرنين رائعين في المجتمع الصناعي، في عالم هيمن عليه الغرب خلال 500 عام. واعتقدنا، وكان الحال كذلك في السنوات الخمسين الأخيرة، أننا كنا نعيش في عالم أمريكي (تهمين فيه أمريكا). الآن، ربما سنعيش في عالم صيني، لكني لست متأكدا على الإطلاق من ذلك. أمريكا تغرق، والصين توجد في وضع متناقض لن يستمر إلى الأبد. تريد الصين ممارسة الشمولية الماوية من أجل تدبير عالم رأسمالي. للأسف، لا نوجد في أي منزلة، نحن بصدد انتقال وحشي لم يكن معدا ولا مفكرا فيه. 

هل تتحدثون عن الوقت الآني، في خضم الحجر الصحي، أم عن هذه الحقبة بشكل عام؟
أتحدث عن الزمنين معا، لكني أحبذ إبداء وجهة نظر شخص محبوس. أنا شخصيا أجد نفسي في لامكان، بما أنني لا أملك حق الخروج إلى الشارع. 

هل أزعجكم هذا الوضع؟ 
لا، لأن حياتي اتسمت بالعمل في البيت. أشعر، بطريقة ما، بأنني محمي في ظل الشروط نفسها التي كنت أعيشها يوميا حتى في الأيام العادية. 

وأين أوروبا من كل هذا؟ 
هل سمعت، أنت، الكثير من الرسائل الأوروبية هذه الأيام؟ شخصيا لم أسمع أي شيء. أنا أوروبي حتى النخاع. يجب الاعتراف بأن مغادرة بريطانيا الاتحاد الأوروبي ليست بالشيء السهل. وقل الشيء نفسه عن صعود اللاليبراليين (مناهضو الليبرالية) مثل ماتيو سالفيني في إيطاليا. ونحن لا نعرف كيف ولا لماذا جاءت الجائحة في هذه الظرفية. من السابق لأوانه معرفة ما يجب القيام به اقتصاديا، أما سياسيا، فلا يطلب منا شيء آخر غير ملازمة البيوت. نحن في اللامعنى، وأعتقد أن الكثير من الناس سيصبحون مجانين بسبب غياب المعنى. 

هل سيكون هناك عود إلى القومية والشعبوية؟ 
هذا موجود هنا أصلا. اليوم هناك قراران أساسيان بالنسبة إلى أوروبا. أولا، التحرر بواسطة النساء، أي، انهيار العقل في مركز الشخصية، وإعادة تكوين الأحاسيس حول العقل والتواصل، بمعنى تشييد مجتمع الرعاية (care). وثانيا، استقبال المهاجرين، وهذه القضية أعتبرها مشكلة كبيرة. فبلداننا الأوروبية تُعرَّفُ اليوم انطلاقا من مواقفها من المهاجرين. 

ألن يغير الفيروس كل شيء؟ التداعيات الاقتصادية، عادات اجتماعية جديدة مع المزيد من البعد بين الأفراد، وأولويات أخرى؟ 
لا أعتقد ذلك. ستكون هناك كوارث أخرى. سيكون من المدهش للغاية بالنسبة إلي ألا تحدث كوارث إيكولوجية كبيرة في السنوات العشر المقبلة، لاسيما بعد ضياع السنوات العشر الأخيرة. وأنبه إلى أن الأوبئة ليست كل شيء. أعتقد أننا دخلنا في نوع جديد من المجتمعات؛ مجتمع الخدمات، وفق تعبير الاقتصاديين، لكنه مجتمع الخدمات بين البشر. سترفع هذه الأزمة من شأن فئة مقدمي الرعاية؛ لا يمكن أن يستمر هؤلاء في الحصول على رواتب هزيلة. في الوقت ذاته، في ظل هذه الأزمات، هناك احتمال أن تؤدي صدمة اقتصادية إلى ردود فعل أصنفها في خانة الفاشية. لكني لا أحبذ الحديث كثيرًا عن المستقبل، وأفضل، في المقابل، التركيز على الحاضر.

هل يحكمنا الفيروس اليوم؟ 
ليس الفيروس، بل عجزنا عن محاربته، لكن سيُنتهى إلى إيجاد لقاح له. 

ملاحظة: نشرت ترجمة الحوار إلى العربية في العدد الأسبوعي السبت 4/ الأحد 5 أبريل 2020 لجريدة أخبار اليوم.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة