محمد خضير... مقاش: (سيرة الأماني المستحيلة)

أبريل 15, 2020


تلتحق سيرة الكاتبة سهام ابو عواد المعنونة (مقاش) بفَلك السِيَر النسوية الذي تدور فيه نصوص كاتبات عربيات، مكتنزات بإلهام الذات الجريحة، وغربة الجسد المسافر عبر الحدود، او الثاوي في تناقض الوعي بقيد المكان الاجتماعي الضيق (لطفية الدليمي، حياة شرارة، دنى غالي، بتول الخضيري، ليلى العثمان، رضوى عاشور، هدى بركات، حنان الشيخ، ليانة بدر، سحر خليفة، سمر يزبك، مليكة العمراني، حفيظة قارة) ومن قبلهن مؤسِّسات ذلك النوع السردي الملهِمات (غادة السمان، ليلى بعلبكي، سميرة عزام، فدوى طوقان، نوال السعداوي، لطيفة الزيات). غير أن سيرة سهام أبو عواد، الملهَمة بإشارات الفضاء الفلسطيني، ستضيف الى تلك السِيَر نكهةً شعرية خاصة تتمحور حول: الأمّ، الأرض، الوعي المزدوج بالذات المغتربة؛ أي إن سيرتها تلتحق بكل ما يحيط الهوية الجريحة من تقاطعات الوعي والإلهام الشعري. وبقدر ما ينعطف الإلهام بالذات السردية نحو أفقها الوطني وشغفها الخاص بالأرض/الأمّ "المتكلمة" بفصاحة القضية، يتلبّس النصَّ حزنٌ لا يفارق العين والروح لحظة.

تبدأ سيرة "ابو عواد" بإلهامات طفولةٍ عذبة، في حضن أسرة فلسطينية كبيرة العدد، لا تشوبها الا ذكرى اعتقال الأم فاطمة أبو عواد، في مفصل نضالي حاد، فيشبّ الوعي الطفليّ الأسير الى مستوى الشعور بحالة اللاثبات المسماة في السيرة بثنائية "القفل والباب". وما يصنع هذه الثنائية اعتقادٌ راسخ بعدالة القضية، مشوبٌ بخوف داخلي يسكن الصدور والجلود والعيون والخطوات، ويَشِمُه المحتلُّ بوشم "البنجو" الذي يعني في عُرفهِ: سلطة المحظور والمباح. منذئذ والسيرة الطفولية العذبة تتحول الى إحساس معذّب بقيد الجسد، ورغبته اللامحدودة في التعبير الجارح عن شبوبهِ وغربته. كان الخوف نظير الصراع (كالقفل والباب) ومزدوج الإيقاع بين خطوة ثابتة وأخرى هاربة. وهو كذلك بلون الجِلد، وحكاية الدمية (التي تُخلي المكان لحكاية القضية) في وقت مبكر من وعي الساردة المتمرد. اما دليل هذا الازدواج فتختصره الساردة بأداة الامتناع (لو) وتتمرد عليه برفض الحدود والقواعد، لكي تعتاد المحرمات الكثيرة حولها، وتلمّ بأطراف الحكاية المحتجزة خلف الأسلاك الشائكة.
تُفتَتح السيرة بفصل الولادة القصير، يليه فصل الأمومة المتفاوت في الطول والهيمنة، وما بينهما من فصول الغربة/ السجن، وقراءة الوجوه المحاصرة (وجوه الّلو والأمل) وتحيط بكل ذلك ذاكرةُ الوطن كسِوارٍ شعري: ف"ذاكرة الوطن مناضلة أيضاً ولا تخرج من النص إلا إذا تلعثم النص" لذا فهي تتسع لتحوي أقصى الأماني والأحلام والتعبيرات المبطنة بالأسرار. إنها ذاكرة فلسطينية لا وقت عندها للتأمل: "نحن نعلم أن المقصلة لا تُمهل أحداً لكتابة وصية". بذا فالسيرة الفلسطينية ليست إلا شراعاً ضائعاً؛ وهذا قدَرُها: أن لا تجلب إليها الأنظار أو الإعجاب.. أن تمضي فحسب ولا تلتفت الى الوراء، حتى بأدنى غضب. شرطُها التعبيري الوحيد ألا تتلعثم.

تعنون "سهام ابو عواد" سيرتها بعنوان (مقاش). والمقاش هو قصعة الطعام الموزع على السجناء/ السجينات، ولأنه "مقاش" مشترك ومشاع بالقسط نفسه من الذل والهوان، والصمود والثبات، تتشبع السيرةُ بنبرة الخطاب الموزع على الوجوه التي تقرؤها الساردة بقسط متساوٍ من الدفاع والإدانة، الحلم وواقع الاحتلال. لا تساوي السيرةُ بين الفلسطينيّ وسجّانه، لكنها تحترم ميثاق الذات المتذكرة امام القانون السردي، الذي يحكم النصوص بشروط متمايزة. بوساطة هذا التمييز الواعي لقراءة الوجوه، فإن الانحياز لقضية الوطن الفلسطيني، قد تعترضه موانع ذاتية غير قابلة للدحض والاحتيال، ولا يزحزحها الشعرُ إلا لينصب شركاً آخر من العاطفة المشبوبة، واغتصاباً متجدداً للذاكرة. بذا تكون الكتابة عن سجن الأمّ، سجناً للذات الساردة، الطفلةِ التي لن تكبر شبراً واحداً أوسع من الأرض المغتصَبة. تغترب الطفلة/ الأم الثانية سهام، وتسافر الى انكلترا، لكن (لو) المستحيلات يعيدها الى مكانها الفلسطيني، فتبدأ دورة جديدة من التذكر والنضال. ولم تكن سيرة سهام ابو عواد إلا مفتاحاً لباب المراجعة الذاتية وقدرتها على مغادرة اليأس، ومقاومة الاحتلال.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة