أنيس الرافعي... أرخبيل الفزع (6) المهندس اللامرئي لمدن منزوعة الحركة

أبريل 10, 2020

"الحيرة رغم أن النتيجة واحدة": ذلكم هو عنوان العلامة السيميولوجية البصرية السادسة ضمن هذه الباقة الفنية المتكاملة، التي يتم  إخضاعها لإوالية التأويل المعاصر، الذي يرجح كفة معنى على آخر، دون أسبقية أو مفاضلة بين شبكة المعاني المتداخلة . وهي من  إبداع ريشة و ذائقة القاص الفذ  وفنان الأيقونات الساخرة العراقي المعروف برهان المفتي. إذ يمثل أمام المتلقي من قدام خلفية سينوغرافية خضراء خافتة،  رجل أصلع ضخم البنية و الحجم، يرتدي ملابس محايدة الألوان قوامها الأبيض والكاكي البارد، منتصب القامة فوق ركح نصف قوس باللون الأصفر الرملي الرامز لقحولة الصحاري ويباسها، لكن من دون أقدام ظاهرة. فيحتمل أن يكون هذا الحجب المتعمد مجبرا  له على البقاء مغروسا في نقطة جامدة، غير قادر على الحركة أو الفعل كدال رمزي للعجز والسكون المطبقين، على شاكلة طائر إيليا كازان المبرقش منزوع السيقان المرغم على الطيران بلا توقف حتى الموت. الرجل عينه الذي نلحظ تأرجحه في التحديق عبر زجاج عويناته الضئيلة غير المتناسبة مع أبعاد جسمه الفيلي، بين خيار قنبلة الفيروس التاجي الحاملة لخضرة الوباء  المخادعة و خيار قنبلة النار المنطوية على رمادية الفوات المبرح. منحيان وسبيلان أحلاهما مر وأليم في عالم كلياني شمولي اختلت صلاته بمحيطه الطبيعي، وغزته على نحو متعاقب الموجات الباثالوجية من كل المنافذ والمسارب، وتفتت بشكل تراجيدي انسجاماته المجتمعية القطيعية، لدرجة أضحى الكائن البشري المتوعك المسقام بداخله هو المهندس اللامرئي  لمدن طوارئية، شبيحة، مهجورة، مغلقة، لامغتوحة، مصابة بمرض التوحد الصبغي، ومنزوعة الحركة. ترى، هل سيكون بمقدور مخلوق برهان المفتي الكاريكاتوري المشبع بالنزوعات الإنسانية المثالية  نزع فتيل الضنى و القنبلة معا دفعة واحدة، أم أن العالم سوف يتدحرج صوب منتهاه وعاقبته الشنيعة الطاعنة في استطيقا الردى و النوائب.. من يدري؟
23/03/2020

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة