أنيس الرافعي... أرخبيل الفزع (27) حيوان ليلي مجنح عالق في فيلم لمايكل آنجلو أنطونيوني

أبريل 14, 2020

(إلى مصطفى الزين ، سحاقة النبل المتحتتة من كيس المحبة )





اليوم، ما بعد منتصف الليل، كسرت لأول مرة طوق الحجر الصحي الإختياري، ثم خرجت لأتمشى لمدة ساعة تقريبا. حرصت -طبعا - منذ البداية على ارتياد الزنقات والدروب الخلفية الضيقة فقط، متحاشيا الشارع الرئيسي الفسيح المحروس من دون ريب بواسطة سدود دوريات الأمن الصارمة، التي لا تفوتها خلال هذه الفترة الحرجة أية شاردة أو واردة . كان كل شيء من حولي كاسداً، مجردا من الرائحة، مثخنا بالكآبة، غارقا في الجمود، محجورا عليه، محاطا بالعالم السرمدي للغموض، مغلولاً إلى الخيبة المعدية. واهنا بالظلام والنسيان المصممين على تشويه سمعة عواميد الإنارة العمومية. مغموساً بالكامل في "تاريخ الصمت" (ألان كوربان)، لدرجة أني وضعت السماعات الموسيقية في أذني، رغبة مني في ملء الفراغ الصوتي القاسي الذي داهمني أثناء هذه النزهة الليلية الخرساء و الخائبة على الأقدام. مضيت سائراً وسط نفس الديكور المتشابه كفاقد للذاكرة يحاول إعادة تجميع المعطيات الضائعة من القرص الصلب الإلكتروني الخاص به. بناء "البازل" المبعثر المتناثر لحياته المنسربة مثل نهر يعوم في اتجاه تلاشيه الأخير في بحر العدم. إعادة إعمار الأراضي الخلاء الموحشة لروحه الطافحة بالقلق والكدر. كنت متفرقا مشتتا منبثا أسعى لأن أسترد عالمي القديم الذي انفلت راكضا مني مذ وقعت في كمين المعزل
الحصين. وبينما أنا أميد بين هذه الهموم البصرية والوجودية، ألفيتني فجأة في مهب الشارع الرئيسي. لم يكن ثمة أحد على الإطلاق. حتى دورية الأمن المعتادة ذابت في الأقراص الفوارة للغياب. لعل واحدا من أهم مبررات الليل وأسباب نزوله هو عدم وجود الناس إذ هذا شرط لازم لكينونته وهويته الميالة للفراغ.. للفراغ المطلق، بيد أن هذا التواري كان مبالغا فيه. لا إنسانيا على نحو خادش. احتجابا يمثل التخوم وما لا يمكن تجاوزه واختراقه. اضمحلالا قادما من عالم الموتى الميثولوجي "الإستكسي". انقطاعا موجعا لوصال الألفة مع الفضاء. تلاشيا للمدنية والتحضر وعودة غير مظفرة للوحشية والبدائية كما يمكن أن يعبر العالم الشيخ كلود ليفي ستروس. فها هي، إذن، الحداثة المفرطة للوباء الجوائحي، قد أفضت أخيراً إلى موت فرجة الشارع. احتضار "الاحتفال المدني باليومي والحياة" (إميل دوركايم). اندثار "مجتمع المترو" الصخاب الكرنفالي (مارك أوجيه). لقد اكتشفت بأنني لم أكن أخطو في مكان اعتاد على السرعة والعبور والمؤقت، وإنما في "لامكان أنثروبولوجي" (مارك أوجيه). فالرموز والمعاني والمسارات والعلاقات والمصائر والأفعال والأحاديث والتواريخ، التي كانت فيما مضى منتسجة ومغزولة بنول العادة "البينيلوبي" داخل هذا الحيز الجغرافي، غارت واستترت بفعل حالة الطوارئ المفروضة . 
كنت في واقع الأمر حيوانا ليليا تائها وعالقا داخل المشاهد "النيكتورينية" المتتالية لفيلم "الخسوف"(1962) للمخرج الإيطالي الخالد وسيد الرحلات الباطنية الدائرية والصحاري الحمراء للمغامرة الإنسانية التافهة مايكل آنجلو أنطونيوني (1912- 2007). كنت نقطة ضوء ضئيلة وغير ذات بال إشعاعي في مجرة "الانفجار النجمي الشاذة "، التي قرأت عنها طيلة اليوم في كتاب "المجرة، رسم خارطة الكون" لعالم الفلك البريطاني جيمز غيتش. كنت مصباحا معطلا منذ سنوات خلت في لوحة "محطة بولوستراس"(1922) للألماني ليو ليزر يوري. طيفا على كرسي متحرك يقف خارج الحياة في لوحة "صقور الليل" (1942) للرسام الأميركي إدوارد هوبر. وهجا خافتا بالغ النأي والشجى في لوحة "الليل في ضوء القمر" (1881) للبريطاني "جون غريماشو". غيمة ليلية نحيلة وريحا بحرية هزيلة في لوحة "صيادو السمك في البحر"(1796) لفنان المائيات اللندني ويليام تيرنر. ضوءا فوسفوريا في طور البدد و الانفضاض في لوحة "ليلة مقمرة على نهر الدنيير" (1882) للمبدع الروسي أرشيب كوينجي. روحا شيطانية سوداء تمرق فوق أمواه لوحة "ليلة مرصعة على ضفاف الرون" (1888) للمجنون والرائع تماما فان غوخ. وأنا أعود على عقبي بخطوات عجلى في اتجاه المنزل، كنت كالمسرنم لا أرى شيئا مما يحيط بي سوى بأذني اللتين أحسستهما استطالتا، كما أني انشغلت بساعدي وأطراف أصابعي، التي امتدت أغشيتها الجلدية وتمططت حتى أوشكت أن تصير أجنحة. ولما وقفت أمام باب العمارة، طرت مباشرة إلى الشرفة في الطابق الرابع مثل خفاش حقيقي، راشد، في الرابعة و الأربعين من عمره. "فسبحان من جعل الليل لي نهارا و معاشا، وجعل النهار لي سكنا وقرارا. فلا يرد أبصاري إسداف ظلمتة، ولا أمتنع من المضي فيه لغسق دجنته" (علي بن أبي طالب، "نهج البلاغة"، الخطبة 155، وهو يتحدث عن بديع خلقة الوطواط).

14/03/2020

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة