‏أنيس الرافعي‏: أرخبيل الفزع (25) بائع الجنازات الأعمى و فأر " إميل سيوران "



(إلى برهان المفتي، حامل المظلتين و حارس السجلين : الكاريكاتير و القصة القصيرة )

فرض موضوع الأرخبيل الخامس و العشرين نفسه علي بطريقة غير مباشرة ، وذلك بعد أن قرأت هذه الجملة المقتضبة و عميقة الوقع على صفائح الروح المرهفة المضخمة لذبذبات و تصاديات الواقع اللواع ،المنسوبة للروائي البيروفي " ماريو بارغاس يوسا" صاحب " حرب نهاية العالم " ، " بين أطواء العدد الجديد من مجلة " لوبوان " الفرنسية الأسبوعية ، إذ يصرح و العهدة عليه : " خلال فترة الأزمات العصيبة ، من اللازم على الكتاب و المفكرين ممارسة السياسة . طبعا ، بطريقتهم الخاصة المواربة ، بواسطة الإبداع الموازي حتى لا تصبح الحياة ميكانيكية جافة. يقينا نشاهد صورا فظيعة تحملها لنا هذه الأزمة المرتبطة بفيروس " كورونا " ، بيد أننا الآن في مسيس الحاجة للكلمات ، للبوح ، ولانبلاج أفكار جديدة إذا ما شئنا أن يحترم المستقبل رغباتنا و آمالنا...". ومع متم هذه الجملة الوامضة و لفظها لأنفاسها الأخيرة ،تذكرت لحظتها في التو مجلة أخرى قيض لها أن تسترعي انتباهي قبل أيام قلائل . بالحري جلب غلافها المصور المثير للجدل و حفيظة البصر تيقظي. تيقظي المولد لسيرورة إنتاج المعنى الخادم لشعرية الفزع أو مجازاته ، و المستدرج للنماذج المثلى الكفيلة بتمثيل الوقائع و الأحداث و الحالات و الشواهد و السوانح الذاتية الفارزة البينة. أقصد ، مجلة " النيويوركر " (عدد مارس، 2020) النزيهة متأبية بيع الضمير ، واسعة الشيوع و النفوذ على قطاع واسع من الرأي العام العالمي ، التي عمد محرر رسومها الفكاهية الرئيسي " باري بليت " إلى تقديم الرئيس الأمريكي " دونالد ترامب " ، مصدرا بعبارة " تحت السيطرة " وهو معصوب العينين بواسطة كمامة طبية وقائية ناصعة البياض . المحرر عينه ، الذي سبق له أن نكل رمزيا و أظهر شخصية بعبع البيت الأبيض الجمهوري عدة مرات على نحو ساخر و هزئي ينتقص من قدره الإنساني المتضع ، وينتقد سياساته الخاذلة الخائبة داخليا وخارجيا، و يعبر عن المخاوف و الوساوس اللصيقة بوصوله إلى سدة الحكم .إما على شكل "سوبرمان " أخرق مترهل البطن، أو على هيئة حبة بطاطا ضخمة تقتات بشراهة على أكياس الدولارات ،

 





أو فقمة سمينة تلحس المثلجات السيالة على جانبي فمها، أو ملكة جمال بدينة ، أو طفل معتوه يركب فوق سيارة ملاهي مزودة بنابض نطاط . كما تمت أيقنته (نسبة إلى الأيقونة) عاريا كما ولدته أمه قدام منصة مؤتمر صحفي حاشد ، أو مطلا مشرئبا بمقدمة شعره الأشقر المتطاير من قاع حفرة سوداء مخصصة للنفايات، أو متخذا لسيمياء ساحر غبي يريد أن يدهش العالم بألاعيبه غير أنه يعمد إلى قطع فيل بمنشار إلى شطرين ، أو مغامرا طائشا يسعى لاصطياد الثعابين و التماسيح وسط مستنقع هائل بواسطة مضرب للغولف. و بصرف الاعتبار عن الجوانب التقنية " الأيكونوغرافية " مثلما يسميها المؤرخ الفني " إرفين بانوفسكي "(1892-1968) وطيدة حبل المشيمة و القرابة بالألوان و الكتلة و الشكل و الإيقاع و الوصف و المفارقة و التضاد و وجهة النظر ،فإن كاريكاتير كمامة الضرارة و التعليق المتهكم المرافق له ، ونحن ننظر إليه بوصفه خطابا له قيمة وسائطية أكثر مما هو محتوى تجريدي و مفاهيمي للغة كما وضح ذلك " ريجيس دوبريه " في مؤلفه الباذخ " حياة الصورة و موتها " (1992)، يتغيا بكل سطع تعرية وفضح الخيارات الخاطئة و الجارمة للأعمى ترامب في التعامل مع الجائحة المستجدة . إذ أبدى سقوطا أخلاقيا فاحشا و لامبالاة وقحة و هو يتجاهل تقارير وتنبيهات كبار مستشاريه، و يبدي جشعه لحماية غيلان الاقتصاد و المال المفترسة على حساب معاناة وسلامة الأرواح البشرية البريئة .في الحقيقة، و لو اعتبرنا بأننا في أوقات الهلع المفصلية نكون الضحايا الملائمين لتعسفات ماهو آت، فإن غلاف مجلة " النيويوركر " هو بيان إدانة صارخ لحماقات وأخطاء كافة السياسيين غير القابلة للإصلاح . تأثيم شاخص لكل من يتولى مقاليد الناس و يحمل على عاتقه سلامتهم كالطائر في العنق ، لكنه يتنصل من تعهداته و إلتزاماته تجاههم على نحو مقزز . ذاك التقزز المتصاعد، الذي في حال ما وصل إلى ذروته بدا لنا " كأن فأرا قد تسلل إلى دماغنا ليحلم " حسبما عبر بحذق فيلسوف تقطير الشذرات " إميل سيوران " في " القياسات المنطقية للمرارة " . فالرئيس الأرعن المتهور " ترامب "، وبعد استفحال الوباء و حصده لآلاف الضحايا، أصبح منضويا في صفوف السفلة . محسوبا على منطقة اللاغفران. عالقا في حيز اللانسيان. أهلا بجدارة للعقاب الفوري الحقيق بمرتكبي الجرائم الكارثية ضد الإنسانية ، و الخليق بتوقف المواطنين عن ما ينعته الفيلسوف السلوفيني " سلافوي جيجيك " ب " الوفاء للإخصاء السياسي " ، الذي يتعرضون له باستمرار من لدن طغمة حكامهم الفسدة.ففي الملمات تبرز معادن الساسة الجلية . إن كانوا من النوع النفيس جدا أو من الفلزات الرخيصة. الساسة غير الشرفاء للفجائع ، الذين كان يزدريهم ويمقت سلوكاتهم و نهجهم رجل محترم طالع من " ذاكرة النار " صنو الأورغواياني " إدواردو غاليانو "، ليس فقط لأنهم يثرثرون طوال الوقت غير أنهم لايقولون شيئا ، بل لكونهم أيضا لايكفون- بالباطل و

البهتان- عن تقمص دور الرجل الناجح الذي " لايستطيع أن ينظر إلى القمر دون أن يقيس المسافة . لايستطيع أن ينظر إلى شجرة دون أن يفكر بالحطب . لايستطيع أن ينظر إلى لوحة دون أن يحسب السعر . و لايستطيع أن ينظر إلى امرأة دون أن يحسب اعتبار المجازفة " . تقريبا أو ربما تماما مثل رئيس منحط و متعجرف و مهووس ك " دونالد ترامب " ، لايستطيع أن ينظر إلى ملايين القبور دون أن يخمن بكم يمكنه أن يبيع نعوش الجنازات.


11/04/2020

تعليقات