أنيس الرافعي: أرخبيل الفزع (24) السقوط داخل مستعمرة النمل الحفار

أبريل 13, 2020



(إلى خالد عاشور ، مصباح " ديوجين " داخل كهف التدجيل و الجهالة )

في أثناء هجعات الحجر الصحي الطويلة ، التي تحولت بالنسبة لي -أنا المتوغل في الرمال المتحركة لوحدانيتي الطوعية - إلى ما يشبه حيوان " خوان خيلمان " المجازي المفترس، الذي يقضم بالليل كافة ما أقوم به خلال النهار، و بالنهار يلوك شتى ما استكملته بالليل . في تلك الأماسي كسيرة الروح ، متمددة القنوط و الكسل كذيل سحلية " إغوانا " استوائية ، حينما أكون مستلقيا على عين قفاي ، فوق الأرائك المنجدة لغرفة المعيشة ، تحديدا قرب الطاولة الخفيضة التي عليها مزهرية خزفية خضراء فارغة . وجهي في وجه باب الشقة البني القاتم ، و بصري يتبندل جيئة و ذهابا بين النسخة الزائفة من لوحة " منزل بجوار السكة الحديدية " (1925 ) للفنان الأمريكي" إدوارد هوبر " ، المسندة بالمثبت على الحائط المقابل لي. وبين المربى المائي " الأكواريوم " مستطيل الشكل ، المنتصب على القاعدة الأسمنتية الراسمة لتخوم غرفة المعيشة مع رواق المكتبة ، و الذي تسكنه منذ عامين سمكة حمراء، متناهية الصغر، شديدة النضارة، من فصيلة " السوردتيل " ، أسميها لغاية غميقة و لذيذة في نفسي : " خديجة " . في تلك الأوقات، بين فكوك و كيد هذا المكعب

الضاغط ، و في باطن كف " الكانفة " المغلقة إغلاقا نافذا ، اكتشفت وطأة الأشياء على حالتي أنا الغائب على كره مني عن الخارج لمدة قاربت الشهر الكامل . الأشياء عينها ، التي لاتشع دائما بالبداهة والوضوح ، و لها جوانب خفية و مريبة غفيرة لا نعلمها . الأشياء ذاتها ، التي ترغب في الاحتفاظ بالحد الأدنى من مجهوليتها و غموضها و خرائطيتها الكتيمة ، بيد أننا نصر باستمرار على إفقارها بالحد والتسمية المجحفين ، جاهلين أن كلا منهما محض تشابه خائن مع هذي الأشياء . الأشياء نفسها ، التي ملت من انتهاكاتنا المتعمدة و اعتداءاتنا القصدية على نظامها و أسرارها بالتعريفات السخيفة و الاستخدامات الغائية. كان هذا - بالضبط - ما توصلت إليه خلال فترة " التكنفن " الصحي العازل ضد وباء " كورونا فيروس" . ضد هذه " القرينة " الطائرة/ المجنحة/ السائحة/ السائلة . فأنا في الحقيقة لا أعرف حق المعرفة هذا الباب و هذه اللوحة و ذاك المربى المائي و تلك المزهرية . أرمقها فحسب عبر " المرآة المزيفة " للحدقة الكاذبة ل " روني مارغريت " ( 1889- 1967). أدعي بخصوصها أني شاهد إثبات ، لكني في الآن نفسه شاهد نفي . فمن فرط تحديقي إليها يوما إثر آخر ،توضحت لي قدرتها البارعة على تجاوز سكونية قدرها و طبيعتها المادية . عزيمتها و همتها الجوفية على تخطي جوانبها المرئية و ممارسة الإعلاء عن سمتها الواقعي كيما تغدو لامرئية.إن مساحة تعزيلي و عزلتي المحدودة " جيومتريا " . إنزوائي واختلائي بسريرتي عن شسوع الفضاء المشترك ، أبانت لي جميعها بأن الباب و اللوحة و مربى المائيات و المزهرية أشياء مندسة في واقع الأمر داخل ثنايا عالمي . تمتلك ظاهرا مخادعا و مضللا. أشياء بوجهين متعاكسين مثل الإله " يانوس" في الميثولوجيا الإغريقية . معابر و تقاطعات وفصائل داخل حياتي تحوز فضيلة التغيير و الانتقال ، وتوفر إمكانات الإختراق والعبور . وعند اجتياز ظاهرها ، أو التسرب إليه ، أو الوقوع في أسره تصبح أشياء مفزعة و لانهاية لها .تفقد أبعادها الثنائية أو الثلاثية . تغدو بلا بعد تقريبا. تستحيل متاهة مدوخة. بل الأفدح من كل هذا ، هي أشياء ذات سلوك فصامي . كنت أحسب فيما مضى،في أيام الله العادية، أنها صامتة أو هامدة ، غير أنها على العكس صاخبة و متحركة . توشوش و تهمس و ترطن و تلهج و تثرثر و تدب و تتواصل مع أندادها وتحلم ببعضها على طريقة الحجرات المتداخلة لمستعمرات النمل الحفار . أيضا ، تجلى لي إبان هذا الأمد من التنحية و التبعيد الاختياريين ، أن الباب و اللوحة و المربى المائي و المزهرية أشياءيمكن أن أنظر من خلالها إلى بصيرة الفراغ انطلاقا من عماء الإمتلاء . عناصر بمستطاعها أن
تعرضني لتجربة المدى ، فأستنبط من خلفها مساحات و أراضي بكرا لم تكن البتة مدركة لدي . أدخل إليها أو أخرج منها بجسد خاو و منعدم الجاذبية نظير شبح أو طيف هلامي . و أحيانا بجسد لدن أو رخو أو مائع أو مقعر كما لو كنت كائنا فضائيا وافدا من مجرة مجهولة . ثمة وقائع غريبة حدثت داخل رأسي ولاوعيي و أنا أتطلع بلا كلل أو نصب إلى الباب و النافذة و المربى المائي و المزهرية ، فسحبتني هذه الوقائع المتوهمة رويدا إلى الضفة الداخلية ، إلى الصحراء الملحية القصية و المظلمة لأعطافي. عيناي أيضا . ليستا تلك القديمتين ، وإنما هاتان الجديدتان .عينا الحجر الصحي . عينا العزلة القصوى. من تدخلان إلى الأشياء أو تخرجان منها وهما تتماسان مع تبدلات الزمن و أمدائه .كما أضحى بمكنتهما أن ترحلا إلى المستقبل أو تتقهقرا إلى الماضي أو يختلط عليهما الأمر بين فوضى الأزمنة .الباب . باب شقتي . البني القاتم . المتعاود معي لسنوات على الفتح و الغلق . جعلني فجأة مطرودا في الداخل . في الداخل المؤلم . خادما ذليلا للمصراع و المزلاج. أصبحت واحدا من تعساء الباب غير الممتلكين لوسع و منعة اختراق العتبة ، تلك التي تخبرني أن الموت يعلن عن نفسه دائما على الأبواب . على الأبواب كلها. من باب " عشتار " القرميدي الأزرق حتى باب خيمة رجل " الإسكيمو " الجلدي الذي لا تقرعه في كل الفصول سوى قبضة الردى ، مثلما قرأت بين سطور مقاربة " باسكال ديبي " عن "إثنولوجية " الباب . ترى ، هل علي بعد هذا إذا ما استمر هذا الحجر الذاتي ، أن أنظر إلى العالم من الآن فصاعدا من خلال ثقب القفل مثل بصاص " ألان روب غرييه " الخبل بالتسمع و الإ ستقصاء المرضيين ؟ . لوحة " إدوارد هوبر " بدورها كلما رنوت إليها ، كانت تمتصني بعنف إلى العمق السحيق لذلك المنزل الموحش المنزوي بلا بيوت مجاورة أو أشجار مصاحبة أو جيران مؤنسين . فجاءة ارتددت الساكن الوحيد له و هوايتي الفريدة هي معاينة سكة القطار المهجورة الشاهدة على الخلاء والخواء.على التجاهل والتخلي .على الظلام و الظلال.على الصمت و الرعب . على القطار الخرافي الذي لايصل أبدا إلى محطته الضبابية الأخيرة . في حين عمق المربى المائي الساكن ، بسمكته " السوردتيل " قليلة الحركة إلى الحد الأدنى ، شعور التماهي مع صلادة الجمود و صلابة السكوت. كم رغبت في أن تعوم السمكة أكثر .أن ترجرج و " تجرجر " زعانفها يمنة و يسرة. أن تنثني و تتلوى. أن تميل و تعوج . أن تنعطف و تحدودب. أن أكون أنا هذه السمكة و أنط مباغتة من أغلال الحوض . أصبح خارج المماهة.خارج المربماء.خارج الحجر . خارج نفسي . في هذه الآونة بالضبط ، أتيقظ من منامتي مخطوفا من الكرى ، لأجد كتاب " ريموند كارفر " الذي كنت أقرأ منه منكفئا "مكفيا " على ظهره إلى الأسفل على السجادة ، وحين انحنيت لرفعه ، رأيت داخل المزهرية الخزفية " ثلاث زهرات صفراء " (*)!


10/04/2020

..................................

(*) عنوان مجموعة و كذا آخر قصة قصيرة خلفها الكاتب الأمريكي العظيم "ريموند كارفر "(1939-1988) قبل وفاته بعد صراع طويل مع المرض العضال . و عمادها الحكائي الرئيسي الساعات الأخيرة من حياة الطبيب و الأديب الروسي الخالد " أنطون تشيخوف " (1860-1904). ولعلها حسب المصنفين واحدة من أفضل عشر قصص قصيرة ضمن تاريخ هذا الفن في كل العصور .

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة