أنيس الرافعي... أرخبيل الفزع (23) أقصر أنثولوجيا للرعب في العالم

أبريل 13, 2020


(إلى عيسى الجابلي و جمال الجلاصي ، المغروسين بنياط قلبي مثل نابين في فم أسد يصعب الإقتراب منه )

1. مات على نحو مفاجئ أمام بيته بفيروس " كورونا " داخل سيارته الجديدة .في المقاعد الخلفية وجدوا أيضا كلبه نافقا جراء الجوع أو ربما الاختناق. فحفروا داخل حديقة البيت قبرا ،ثم دفنوه. قبرا واحدا فسيحا جدا صنعته كاشطة جرافة، لدرجة أنه استوعب الجثة والسيارة و الكلب دفعة واحدة .

2. في الزمن " الكورونيالي " الرزي، تدافعوا و تزاحموا و تشاجروا داخل " السوبرماركت" كالكلاب الضارية . أثخنوا بعضهم البعض- الطيب و الشرس و القبيح - مثل ملاكمين أوغاد بالسليقة. حطموا كل شيء حولهم بحقد أرعن. كان ذلك فقط من أجل حفنة أكياس تافهة من البصل الأحمر . كل هذا صعب تخيله حتى على رجل شرير اسمه " سيرجيو ليوني ".

3. وزعوا عليهم بالمجان ملايين الكمائم المحلية بغرض التصدي للوباء وتحاشي العدوى . الجميع صار متكمما "متكلكما ".بيد أن لا أحد منهم كان يعلم أنها كانت من دون معقم، لا تمتص الإفرازات، بلا فتحات تنفس ، حموضتها غير حيادية و مهيجة للجلد ، تعوزها المصافي و الشرائط المعدنية لغلق الأنف. كانت فحسب مجرد سدادات لمنع السؤر(*) و غلق أشداق البهائم على غرار وغرارة جحش " لوكيوس أبوليوس " الذهبي . كانت لسوء الحظ كمامات خاصة بشخصيات الرسوم المتحركة ، لفيلم من دون مخرج ، عنوانه " قصة موت معلن " ، كتب له السيناريو السيد " تاج الملك " .

4. سيدة من العصر "الكوفيدي" الحجري الأول السفلي .فنانة ذائعة الصيت أكثر من الحقارة المنتنة . في برنامج تلفزي تضامني واسع الانتشار إسمه " أزمة وتعدي " . دعت إلى ترحيل فوري للعمال الأجانب .و في حالة إذا ما رفضوا ، أن يلقى بهم في عرض الصحراء القاحلة . الفنانة إسمها " حياة " ،وبلادها دعيت قديما " الربع الخالي " ، و آخر أعمالها الدرامية كان بعنوان " حدود الشر ".

5. أسرع طريقة للوصول في أسبوع واحد إلى حالة الاضطراب الإكتئابي، أن تقرأ تباعا داخل المعزل الصحي ، الكتب التالية : " دفع النقمة في الصلاة على نبي الرحمة " ، " بذل الماعون في فوائد الطاعون " ، " سلك الدرر في ذكر القضاء و القدر " ، " أقوال المطاعين في الطعن و الطواعين " ، " مقنعة السائل عن المرض الهائل " ، " نشر المثاني لأهل القرن الحادي عشر والثاني"، ثم تنهي الأسبوع بمشاهدة حلقة معادة وبائتة من برنامج " رشيد شو " وقانا الله وإياكم شر ركاكته .

6. حسب علماء الفلك و الزلازل و التلوث الضوضائي، حركة ثمانية مليار شخص فوق قشرة كوكب الأرض بأقدامهم و آلياتهم و حيواناتهم و أصواتهم ،تخلف ذبذبات "هرتزية " تعادل "أوركسترا " سيمفونية مشكلة من ثمانية ملايير عازف على آلة " الكونترباص تشيللو " . مع تطبيق (التكوفن) الصحي الأربعيني ، على الأقل سوف ترتاح جمجمة الأرض لفترة من الصداع النصفي للكمان الأجهر.

7. تبين بالملموس أن أشهر فصائل المافيا الإيطالية ،" لاكوزا نوسترا " ، " لاكامورا "، " ساكرا "، و "ندرانغيتا "، تحب الشعب بصدق أكثر من الساسة العفنين و أصحاب المال الشرهين ، و ترغب في إنقاذه من الفيروس التاجي. لذلك تبرعت للمختبرات البيولوجية بملايين الدولارات من أجل إكتشاف لقاح فعال في أقرب الآجال . وحدها عصابات الجريمة المنظمة قادرة فعلا على إغاثة العالم .اللهم اجعل قبرك روضة من رياض الجنة ، ولاتجعله حفرة من حفر النار يا " دون فيتو كورليوني " .

8.حفرة أكثر عمقا لاتحترم المقاييس المتعارف عليها. لا حنوط و لا تكفين و لا غسول و لاتشييع و لا ذكر ولا هم يحزنون. العائلة ممنوع عليها بتاتا الحضور . الجثمان ملفوف بغطاء بلاستيكي مرشوش بسائل معقم هو عبارة عن محلول مائي خاص مخلوط بالكلس. جميع ما تبقى من الضحية لا يؤول إلى أهله إذ يعتبر مواد معدية خطيرة .القبر ( المكورن ) يلزم أن يكون بعيدا بكيلومترين على الأقل عن القبور العادية . كل هذا" البرتوكول" المخفف ،أليس كافيا كي يحس الموت -شخصيا - بأن وضعه الاعتباري- مكلف الثمن سابقا- قد تعرض لإهانة مخزية ؟

9. أزمة المكوث المطول داخل البيوتات في فترة ( التكنفن )و التباعد الإجتماعي ، حولت طقس الخروج لرمي سطل الأزبال إلى متعة حقيقية ومنافسة شرسة غير محمودة العواقب ، لدرجة أن أختين مراهقتين تعاركتا عدة مرات على مشارف عتبة الباب، بدعوى أن الدور يقع هذه المرة على الواحدة دون الأخرى . لدرجة أنه في واحدة من هذه المناكفات المألوفة، استلت إحداهن سكينا طويلة من تحت تنورتها القصيرة المبرقشة ، ثم طعنت شقيقتها في بطنها حتى الموت .

10 . وصلوا تحت جنح الظلام ، قبيل صلاة العشاء، بسيارة اسعاف مجهولة الجهة و الصفة ، لاتحمل لوحتها المعدنية أية أرقام، ثم واروا الثرى، بسرعة خاطفة، أحد ضحايا الوباء الخبيث ، على بعد عشرين مترا من منزله. اعترض عليهم بشدة. أرغد و أزيد و "حيح " و صرخ بهستيرية ، لكنهم لم يلقوا بالا لاحتجاجاته.بعد انصرافهم ،قام بعد منتصف الليل باستخراج الجثة من طمرها، ثم دفنها على بعد عشرين مترا من منزل أقرب جيرانه .

.............................................................

(*) السؤر : لعاب و رطوبة فم البهيمة ، حسب تعريف " المجموع " للنووي.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة