أنيس الرافعي: أرخبيل الفزع (22) حكاية أبوكاليبتية : الزيارة الأخيرة للجوكر

أبريل 13, 2020

(إلى جان دوست، مساح أراضي السرد الحزينة )

................................

" ارتعد الناس الذين سمعوا بأن الوباء يتجول بينهم بهيئة إنسان "
أورهان باموق، " القلعة البيضاء "
..................................

بعد إبادة جماعية لم تبق ولم تذر في صفوف الأرواح البريئة ، امتدت لما يناهز السبع سنوات ، قرر السيد " كورونا " الحاكم الجديد للعالم و المهندس العام للمستقبل مابعد الإنساني - فجأة و بلا مبرر واضح - منح ما تبقى من البشرية هدنة مؤقتة . عطلة قصيرة فحسب لالتقاط الأنفاس المتقطعة للخراب الشامل ، قبل أن يعاود تشغيل الدواليب المسننة لماكينة القتل المخيفة . كما إغتنم فرجة هذه الفرصة ليتخفى في شكل آدمي مضلل . فكان أن ارتدى قناع مهرج ،تشكل من مسحوق أبيض تجميلي تشوبه ألوان فاقعة ، جعلت فمه متسعا و مبتسما كفم فقمة به ندبتان ، كما لبس قميصا رياضيا لفريق برشلونة على ظهره رقم تسعة عشر ، و تزيا بسروال مخطط مشدود بمساكتين باللونين الأصفر و البنفسجي ، و انتعل حذاء مفلطحا أخضر أكبر من مقاس قدميه . أصبح بالضبط شبيهاً بشخصية الممثل الضليع " خواكين فينيكس " في فيلم " الجوكر " . وحين دشن نزهاته الترويحية و جولاته التفقدية الأولى بين الشوارع و الأحياء الرئيسة للمدن الكبرى المهجورة ، التي غاب عنها ضوء الشمس إلى الأبد و غلغها الظلام طيلة النهار، حسبه بعض المرتادين المرضى القلائل مجرد شخص متأنق يرغب في لفت الأنظار بأي ثمن أو مقلدا مهووسا لنجوم السينما في آخر أيامها الزاهية قبل توقف صناعتها نهائيا ، بينما اعتقد البعض الآخر من الشريدين و المعوزين أنه "كومبارس" بصدد تصوير دوره الطفيف ضمن شريط دعائي لمادة استهلاكية أو على أبعد تقدير رجلا يعاني من اضطرابات عقلية أو نفسية جعلته غريب الأطوار على هذا النحو الطريف البائس . بل الأنكى من كل هذا ، أن إحدى دوريات الشرطة العابرة أوقفته لعدة ساعات بتهم واهية هي عدم التوفر على كمامة وقائية و عرقلة الطريق الفارغة و التسبب في ازدحام مروري لا أساس له من الصحة ، لكن بما أنه ظل هادئا مستكينا على كرسي خشبي داخل المخفر الصغير و مغلق الفم الضاحك طوال الوقت ، تم إطلاق سراحه فيما بعد، على الأرجح رأفة بأحواله أو ربما لظنهم أنه مجرد أهبل ظريف .كان السيد " كورونا " في أعماقه النائية سعيدا أيما سعادة بمنجزه الكارثي الشائن. يتنطط. يتنطط يرقص على وقع موسيقى " هيب هوب " مقرفة . يرقص يقفز . يقفز يسقط. يسقط ينهض. ينهض يتشقلب .يتشقلب يقف على رأسه.يقف يغني.يغني يدخن . يدخن يشاهد فيديوهات لما صنعت يداه من هول على قنوات " اليوتيوب". يشاهد يضحك . يضحك يقهقه على نحو هستيري . يقهقه يدور حول نفسه . يدور يركل بعنف فضاح مكبوت بعض مكبات الأزبال و سجافات المحلات الموصدة. يركل يهدأ. يهدأ ينفعل. ينفعل يحطم زجاج القناني الفارغة .يحطم يحكي لنغسه ضلالات و هلاوس.يحكي يطلق بعض الشتائم و البذاءات و النكات المبتورة هنا وهناك مثل من هو مصاب بمرض " التقلقل العاطفي " .يطلق يتسكع.يتسكع يتيه.يتيه يعود إلى نقطة انطلاقه . يعود ينطلق من جديد صوب أيما إتجاه كيفما و وقتما شاء مزاجه المتقلب . يفتح حقيبة ظهره و يتناول شندويتشا خفيفا أو يشرب زجاجة " كوكاكولا " . يعاود فتح الحقيبة ، ثم يلقي وهو مدوار بجسده كالخدروف بعشرات أقنعة " الجوكر " الصناعية المعدلة كالكمامات الطبية و المربوطة بشرائط هدايا في كل حدب و صوب . و عقبها ، يرفع يديه بحمية و امتنان ،يرفعهما إلى عنان السماء ، ثم يرسل قبلات حرى لجماهير متحمسة مصغقة لايبصرها إلا هو .علاوة على هذا ، كان يستنبئ عن أماكن تواجد الحيوانات، جواثم و قواطع ، ثدييات وجوانح، فيركض مندفعا حتى يتفصد عرقا غزيرا ، نشوان جذلان ،مسرنما، مفرود الذراعين، مع أسراب و قطعان و جماعات القرود و الكلاب و القطط و الغزلان و الذئاب و الزرافات و الفئران و الطيور و التماسيح و الأفاعي و السحالي و السلاحف و الضفادع ، التي أغارت على الحواضر و اقتحمت فضاءاتها و تملكت فراغاتها. كان يحاكيها ما استطاع في حركاتها و يطمئن على صغارها و بيوضها ، فلاح جليا أنه من العشاق المتيمين بالحياة البرية و عالم الأوالف و الضواري.يعرج على الحيطان الطويلة في الأماكن العامة . يخدشها بالأزاميل.يخدشها عميقا. يجرحها بالمسامير. يجرها حد تذرر الجير . يخربشها.يخربشها بتهور. يرشها .يرشها كيفما اتفق. يلطخها. يلطخها بحقد مجاني. يزخرفها بمسدسات الطلاء دون حسيب أو رقيب . يضع تخطيطات أولية لملصقات فنتازية معتوهة، و يكتب شعارات فوضوية و ثورية و تخريبية و سياسية ضد سكان الأرض جميعهم كواحد من فناني الشوارع العتاة المزدرين للذوق العام المنحط. يزور المقابر المخصصة للكوادر و الأطقم الصحية و يترحم على الدكاترة و الممرضات و الطبيبات و كافة ضحايا الخط الأول الذين سقطوا بالآلاف في مواجهة مده الغالب. فهو في أعطافه الرؤوفة كان يضمر لهم هكتارات فسيحة من التبجيل و الاحترام. وأنتم لاتعرفون جيدا معادن الأوبئة الباغية، فهي تكره النفوس الخوافة الناكصة . وفي يوم من أيام هذه الهدنة الإستثنائية ، خامر السيد " كورونا " تعب خفيف طارئ. فقر عزمه أوانئذ على نيل قسط يسير من الراحة بين الهدائم و الأنقاض الدامسة لأحد ملاعب كرة القدم العملاقة الذي كان ينعت فيما مضى،منذ زمن بعيد ، ب " عش التنين الطائر " . تخلص بخفة جفن من هيئة " الجوكر " المستعارة ،ثم عاد إلى صورته التاجية ملقيا بظلاله المتكررة العظيمة على سطوح المدرجات الملوثة بنفثات الرذاذ الجرثومي المعلولة . و بينما هو يستعد لإنجاز غفوته ، سمع في الأسفل صوت موسيقى و رأى في قلب العتمة وسط عشب الملعب المحترق عازف بيانو. أروع و أسنى عازف بيانو أنصت إليه في وجوده الدموي . و مع نقرة العازف الأخيرة على أزرار البيانو ، اشتعل بغتة مصباح وحيد شع مباشرة في عيني الوحش الجبار ، الذي صفق جناحيه الخضراوين الهائلين ، ثم طار إلى الأعالي بغير رجعة إلى الأبد !

08/04/202

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة