‏أنيس الرافعي‏● أرخبيل الفزع (20)رسالة في حقارة الحجر و مهانة الجحر

أبريل 15, 2020



♢(إلى محمد خضير ، التحالف المشرف بين الخيال و الاستبصار و المعرفة )

" الحجر الصحي " مثلما سيكون عما قريب بابا مفتوحا على مصراعيه لدخول أشكال و أنواع و أنماط مستحدثة ومبتدعة إلى رحاب النظرية السردية العامة ، تحت يافطة " متخيل العزل الذاتي " أو " أدبيات الجوائج المعاصرة " أو " محكيات الوباء " ، كذلك أزعم أنه سيقع الأمر ذاته في الفن ضمن أحواز و أحوال و إبدالات " الفرضية الاستطيقية " ( كلايف بل ) ، حيث من المحتمل أن يجترح و يستولد " العقل الجمالي " (مارك جمينيز ) أنساقا و مسالك و ابتكارات غير مطروقة و لامعتادة للتعبير عن المظان الراهنة أو التداعيات البعدية والاستبصارية لهذا المنعطف الإنساني و الوجودي و الفكري الوعر الذي ارتطمت به البشرية ارتطما داميا. منعطف " الأزمة الخانقة التي لارجعة فيها " كما يرطن مفكر من عيار " جان فرانسوا ليوتار " في مؤلفه " الشرط ما بعد الحداثي " (1979). و مناسبة هذا الكلام التأطيري ، هو لوحة " الحجر الصحي " للرسام التجريدي المغربي المختلف و متجدد المرجعيات و مصادر الإلهام ، المبدع رشيد بكار . عمل أصيل يستحيل فيه إجراء العزل الاختياري، من ناحية التركيب و السطح التصويري ، لونا رماديا يحتل شطر واسعا من البياض مع ندرة شحيحة لحركية اللون الأخضر المعبر عن الأمل . أما من ناحية الإنشاء الشكلي، الذي يزيح فاعلية خطاب العين ، ليستبدلها - مؤقتا - بفاعلية تسريد المرئي بما يخدم مرامي و غايات الأرخبيل في انكشافه العشرين ، فهو تشخيص للحجر الطبي برمزية السياج الخشبي المانع، و دال الوجه المغيب في طي السواد الغامق ، و كناية هيئة الجسد المنسحبة داخل لطخة البياض الوقحة ، و باستعارة الجرذ العالق في الداخل . (الحجر الصحي / " الجحر ") الملمع بقوة دلالية تزامنية و تخاطرية شاخصة إلى عنوان إحدى قصص " فرانز كافكا " الطوال الشهيرة ، التي نشرها " ماكس برود " بعد إنطفاء روح صاحب " في مستوطنة العقاب " ، حيث يعيش حيوان قارض في خندق ترابي خفي تحت الأرض ، ساعيا بأقصى جهده الغريزي لحماية نفسه و تأمين احتياجاته اليومية، بمنأى عن الخطر المتربص به من الخارج . إذ إنه منشغل طوال الوقت بمراقبة المدخل الوحيد للخندق و إعادة ترتيب محتوياته من الطعام كيما يحس بالسكينة ، حتى غدا هذا الطقس الروتيني هو المصدر الوحيد لغبطته الباطنية . إنه جرذ شقي يمضي وجوده الحيواني البائس مرتعبا من المجهول وشيك الحدوث ، حالما " بمدخل ثان لاتكون له أية وظيفة أخرى غير المراقبة " (دولوز/ غواتاري)، إلى أن أتى يوم تبدل فيه هذا الارتعاب إلى" خوف خبيث و اكتئابي متنام و متصاعد دقيقة إثر أخرى " كما يطلق عليه " "روبرت بيرتون " في كتابه الرائد " تشريح الميلانخوليا " (1621)، حينما اخترقت سمعه شديد الحساسية أصوات حفر و نبش وهبش قادمة من الجهة الاخرى للجحر.فذوت و هوت عندئذ إلى الأبد بهجته الخاطفة في بئر الهواجس ، فأضحى مؤرقا لاينام خشية غزو مباغت لمسكنه. لقسمي و يميني، إن أوضاعنا الحياتية بين قبضة هذا الحجر القاهر لنظيرة لمآلات ذياك الجرذ الكافكاوي الجبان . صرنا في انحطاطنا و تقهقرنا المعيشي الحالي من فصيلة الفأريات و رتبة القوارض. صرنا مضاهين تماما لل " الطوبة " كما يناديها اللسان الوطني الدارج . ولعل الفيروس الكوروني الطاغية ينظر الآن إلينا ، من مقامه الغاشم العاسف المتعالي ، شامتا مزدريا طانزا ، كما لو كنا متحدرين من سلالة المجاري السفلية ، بعيون سود ،و آذان مستديرة، و أذناب طويلة، و أجسام صغيرة مكورة، و أطراف تنتهي بخمسة أصابع قذرة قادرة على نقل التيفوس و الطاعون . نعم بلا فرية ، إننا بالنسبة إليه فيروس/ميكروب منافس. خصم مزاحم و عدو خصيم. وهو بدون إضمار يتغيا قتلنا بلا تردد أو شفقة . و حتى إذا لم يستطع تحقيق ذلك ، يود أن يكون في قرارته و قراراته الاستشرافية بمثابة " القط المحنط " في الحضارة المصرية القديمة . يقضي نحبه ، لكنه يواصل أداء دوره في التخويف و الترويع و حماية الدنيا من فسادنا النفاش.( الإله / القط ) " المدعو باستيت " ، سفاح الجرذان و حامي حمى صوامع الغلال . و الحقيقة أن محصلة هذه العاقبة المشينة ، تستدعي في التو حالة " الوحشية" التي وصلنا إلينا في ظل محبسة الحجر و إحاطته المنيعة ، على الأخص في شق " الحقارة " كما نظرت لها الباحثة " جوليا كريستيفا سيدة الدراسات ما بعد البنيوية " في مدونتها " قوى الرعب : مقالة عن الدناءة " (1980). فسناد رشيد بكار الفني من منظار الثقافة الحكائية للرعب ، يستحثنا على رؤية ذواتنا المضطهدة ، المنبوذة ، المنفرة ، المقززة ، المهمشة ، المستبعدة ، المحتجزة، المأسورة ، المجردة من هويتها الاجتماعية الأصلية ، بوصفها واقعا جسدانيا معرقلا حدث فيه انهيار سحيق بين الذات و الخارج ، مما أفضى إلى إنفصال البدن عن الفضاء المشترك و محاصرته داخل فضاء حدي مزعج للكينونة والنظام و المنظومة . داخل " فضاء الوضاعة " الذي تسكنه الأشياء و الشخوص المحتقرة. المحجور ، إذن ، هو شخص مرفوض و متجاهل و مدنس يقع خارج النظام الرمزي شأنه شأن من تعرض لتجربة صادمة ذات صلة بالقذارة الفاحشة أو الفضلات العطنة أو الجثت المتفسخة ، أو ذاك المنضوي ضمن فئة " الجماعات المغمورة " (فرانك أوكونور ) من الأمهات العازبات و الأقليات الدينية و المثليين و اللواطيين و عاملات الجنس و ذوي السوابق الإجرامية و القوادين و المتشردين و ذوي الحاجات الخاصة . هذا ما جناه " كورونا " علينا . أجبرنا على رؤية وجوهنا الشائهة في مرايا خزينا و اتضاعنا . على تقمص دور إجباري في " مسرح القسوة " (أنطوان آرطو ) . على تجرع " تجربة داخلية بذات متروكة للامعرفة ، و على التماهي مع صورة الرجل السكران المترنح، الذي يتناول فجأة شمعته من أجل نفسه ،و يطفئها و يصرخ خوفا ، في النهاية ، و هو يظن نفسه الليل " (جورج باطاي ) . ترى ، هل يرق فؤاد (الإله/ القط)و تحن حشاشته لتصفح عنا في خاتمة هذه المهانة الدامغة ..من يدري ؟

06/04/2020

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة