أنيس الرافعي... أرخبيل الفزع (1)

أبريل 06, 2020

ديستوبيا الحجر الصحي أحسب أن لوحة المبدع الخلاق و الفنان العراقي الكبير سنان حسين، ذات المياسم السريالية و التفاصيل الغرائبية المغلفة بأجواء الغموض و الواقعية غير العادية، تلك الموسومة ب " الحجر الصحي"، تختزل بشكل رمزي دال وفادح، حالة الكائن الآدمي في مواجهة خطر هذا الفيروس الديستوبي الداهم. الجسدالساكن الذي لاحركة أو حياة تصدر عنه، المكمم، المتوحد في ملمته ومحنته الوبائية، الأعزل إلا من عريه و من نور المصباح الأصفر الممتد ضياؤه المكعب الخافت في مساحة زرقاء كأنها السماء الميتافيزيقية وقد صارت - في إطار نوع من السخرية السوداء الخشنة - أقل انخفاضا وأكثر ضيقا بعد حدوث الفجيعة، تلك التي رمت الوجود برمته في أتون الحيرة المدوخة. الجسد ذاته المسجى، المنكفئ كالهزيمة على جنب، والمقدم على افتراش قطعة قصدير باردة مثلما لو أنها القبر الوشيك الذي ينتظره عند الناحية الأخرى من الأمل المغتال، على اعتبار أن موت شخص واحد هو كارثة حقيقية، أما انهيار العالم فهو مجرد كلمة ضمن قاموس البلاغة وتخرصات السياسة وتحولات مزاج الإقتصاد . وفوق سحابة هذا المشهد الجنائزي الجليدي، المعبر عن موت الجميل وصعود المريع بالمعنى "الأدورني" (نسبة إلى فيلسوف مدرسة فرانكفورت "تيودور أدورنو")، يلوح الأفق المغبش المكتظ بهوام شائهة وبمخلوقات غروتيسكية ووحوش مائعة أنجبتها حداثتنا السائلة الطافحة بالباكتيريا الانتهازية والتجارب المخبرية الشاذة، تحيل جميعها على كل الخيفات الصغيرة والكبيرة، وعلى كافة الأشباح والطيوف، التي تلتهم روح وسويداء هذا الإنسان المتجبر المتغطرس الذي يغدو ضئيلا ورعديدا وثرثارا يلهج بالشكوى والأنين في مواجهة المنية الشاحذة لنصلها البتار. وماذا عن الهيئة الواجمة الصامتة المريبة حد القلق، هاتيك التي تقتعد كرسيا على اليمين، وتضع قناعا عجائبيا أحمر من دون وجه مكشوف يومئ على ذاتها أو صفاتها أو نواياها الظاهرة أو المبيتة، كما لو كانت أحد آلهة مصر الفرعونية الطالعة لتوها من كتاب "الخروج في النهار"؟ أتراها شهيق الفيروس الذي صنع كل هذا الخراب و الهلع القياميين.. صنع جميع هذه "التراجيديا الرائعة" (نيتشه)، و"نزع القداسة عن العالم " (ماكس فيبير )، وأعاد الإعتبار لـ"النفي الإستطيقي" (بيير زيما) كيما يصون "الجميل" قيمته "السلبية" حتى وهو يواجه الفجائع بأسلحة المشوه والمتشظي والمتشيء والمرعب؟ أم هو زفير الأمل المنعش الذي سيهب لينهض الكائن مجددا لاعتناق عقيدة الحياة ومعانقة الجوهري وهو أقل طغيانا وتفاهة وزعيقا، وأكثر إيمانا بأن تعنته وصلفه هما من سيقودانه يوما إلى إفناء ذاته بذاته ؟.. من يدري؟

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة