تأملات في اسم الوردة

مارس 28, 2020



سعيد الغانمي
يقول شليرماخر، في نص يستشهد به أُمبرتو إيكو في كتابه ''فأر أم جرذ: الترجمة تفاوضاً'' (2003) ما نصه: ''إما أن يسيء المترجم إلى الكاتب بأقل ما يمكن وينقل القارئ باتجاهه، أو يسيء إلى القارئ بأقل ما يمكن وينقل الكاتب باتجاهه· وتختلف المقاربتان اختلافاً مطلقاً بحيث لا يوجد مزيج من الاثنتين يمكن وضع الثقة به''·
لكن إيكو سرعان ما يستدرك بأن هذا الإجراء يصح على الآداب القديمة والثقافات النائية أكثر مما يصح على النصوص الحديثة· ولقد كانت روايته ''اسم الوردة'' ''نائية'' بمعنى ما، فهي رواية عن القرون الوسطى، التي تنتمي إلى مرجعية ثقافية مغايرة للمرجعية الثقافية الحديثة· فهل يصح عليها هذا الإجراء؟
ما كان حاضراً في ذهن أُمبرتو إيكو حين كتب ''اسم الوردة'' هو ادعاء التاريخ بالحقيقة وحسب· ولهذا فهو يتحدث عن ثلاثة احتمالات في الكتابة التاريخية تتعلق كلها بفكرة المطابقة مع الواقع· وإذ يمكن للرواية التاريخية أن تتناول شخصية مفردة، فإن الروائي ليس بحاجة إلى التاريخ للتعبير عن انفعالات بطله (كالحب والغيرة والتعصب وما أشبه)، لأن هذه الانفعالات انفعالات إنسانية عامة في غنى عن التاريخ· لكن لو أنه جعل البطل يسافر إلى مكان ما، فلا بد أن يكون البطل التاريخي قد قام بزيارة المكان نفسه من قبل· أما حين يكتب الروائي عن مجتمع تاريخي، لا عن فرد، كما فعل إيكو نفسه في ''اسم الوردة''، فهو في هذه الحالة ينقل ما كان يمكن أن يحصل·
مخاطرة
وهنا تكمن مخاطرة الروائي، فهو ليس مؤرخاً حيادياً يعنى بتسجيل الأحداث، بل كاتب فني يريد أن يهرب سراً عبر عالم مبتكر جمالياً أفكاره على لسان شخصيات مختلقة· هكذا قد يجد نفسه ملزماً باقتباس بعض الأفكار من عصر شخصياته ليدسها حتى تنسرب من شفتي بطله المزعوم تاريخياً· والحقيقة أن هذا ما فعله إيكو نفسه· فهو قد دسَّ فقرات حديثة جداً ونصوصاً اقتبسها من فتغنشتاين، ونسبها إلى شخصياته في أواخر القرون الوسطى· لكنه في المقابل أخذ نصوصاً مما يزعم أنه عصرهم نفسه ونسبها إليهم· لكن المفارقة، كما يقول، إن استجابة القراء لهذه الفقرات المقتبسة كانت معكوسة دائماً·
ماذا يعني هذا الاستنتاج؟ يعني ببساطة أن قضية القرون الوسطى، مثلما هي قضية العصور الحديثة، ليست سوى الخلفية الثقافية التي تكمن وراء كل منهما· العصور الوسطى هي ثقافة العصور الوسطى، وبالتالي فإن هذه الثقافة هي التي تجعلنا نستجيب لها بهذه الكيفية أو تلك· وكل ثقافة توفر لنفسها ''وهم المطابقة'' مع الخارج، وهو الوهم الذي ينبغي أن يشتغل الروائي على تصويره·
هناك أيضاً ما يسميه إيكو بالوقع· وهو غير الإيقاع· لأن الإيقاع عنصر داخلي يتعلق بترتيب الوحدات اللغوية· في الشعر يعتمد إيقاع اللغة على ترتيب الوحدات وزنياً لاستقطاب سمع المتلقي، وكثيراً ما يؤدي هذا الإيقاع وظيفة معنوية ودلالية، مجاورة أو منافسة للوظيفة الدلالية التي تؤديها الكلمات· ولهذا السبب فإن الإخلال بإيقاع القصيدة يمكن أن يحولها إلى قصيدة رديئة· في الرواية لا يعتمد الإيقاع على الكلمات المفردة كما هو الحال في الشعر، بل على تنظيم الأفعال السردية، والدرجة التي تتسارع أو تتباطأ بها رواية هذه الأفعال· أما الوقع فلا يكتفي باللغة وحدها، بل يتطلب حضور عنصر آخر هو من تتحدث معه هذه اللغة· الوقع حواري بطبيعته، وليس كالإيقاع المونولوجي· يقول إيكو: ''الدخول إلى الرواية أشبه بتسلق الجبال: عليك أن تتعلم إيقاع التنفس، وتضبطه على وقع الخطى، وإلا فالأولى أن تتوقف عن الصعود· ويصحّ الشيء نفسه على الشعر· فقط تذكر كيف تتحوّل القصائد إلى شيء لا يطاق حين يلقيها ممثلون، يريدون ''تأويلها''، متجاهلين فيها الوزن الشعري، مسرعين من مقطع إلى آخر، كأنما هم يلقون خطبة نثرية، مهتمين بالمحتوى، غير حافلين بالإيقاع·
شروط
مع الإيقاع يريد المؤلف أن يتقن الشروط الفنية الداخلية لكتابة العمل، أما الوقع فإنه يحسب حساب المتلقي الذي يستقبله· الوقع موسيقى الأفعال السردية في الرواية· ويقدم إيكو مثالاً على هذا الوقع في الكيفية التي كانت تتراقص فيها أمامه عشرات النصوص التي أعدها، لكنه في النهاية استجاب لها بالكيفية التي تضمن له إحداث موازنة بين إيقاع الأفعال ووقعها على المتلقي· كان قد جهّز عدة ملفات عن مشهد مطارحة أدسو بالحب لتلك الفتاة الخرساء في المطبخ، لكنه حين كتبه استجاب لوقع نقر الحروف على الآلة الطابعة· بقول: ''حين كنت أكتب كانت جميع النصوص تتراقص أمام عينيَّ، وتتدافع على غير نظام، فكانت عيني تقع أولاً على هذا ثم على ذاك، وما إن كنت أنقل فقرة حتى أربطها مباشرة بأخرى· في المسودة الأولى، كتبت هذا الفصل بسرعة أعلى· وأدركت بعد ذلك أنني كنت أحاول اللحاق بأصابعي بالإيقاع الذي طارح به أدسو الحب، ولذلك لم أتوقف لاختيار الاقتباس الأقوى· ما جعل الاقتباس قوياً في تلك النقطة كان الوقع الذي اهتممت به· لقد رفضت بعيني تلك الاقتباسات التي كان من شأنها إيقاف إيقاع أصابعي· لا أستطيع القول إن كتابة الفعل استغرقت من الطول ما استغرقه الفعل نفسه (إذ هناك أزمنة تبقى فيها مطارحة الغرام زمناً أطول)، لكنني حاولت أن أقصّر بقدر الإمكان الاختلاف بين دوام المشهد ودوام الكتابة''·
من ناحية أخرى، تتعلق أحداث ''اسم الوردة'' بمجموعة من الجرائم تجري في دير· فكان ينبغي ضبط إيقاع أحداثها على وقع خطى الحياة في الدير· كان ينبغي للغة الشخصيات أن تحاكي البلاغة الرزينة للغة القرون الوسطى، وفي الوقت نفسه مراعاة تناغم هذه البلاغة مع وقع المكان· إذ لا يمكن الدخول في سجال ميتافيزيقي، مثلاً، والشخصيات تمشي في ممر ضيق يفضي إلى موضع طقسي· يجب أن يتواءم إيقاع الكلمات عدداً مع وقع الخطى· ويتضح هذا على وجه خاص في متاهة المكتبة·
وللمتاهة في رأي إيكو ثلاثة أشكال ممكنة· المتاهة الإغريقية، التي يمكن بلوغ مركزها والخروج منه، ولهذا يكمن في قلب هذه المتاهة وحش مرعب لا بد من الانتصار عليه· ويجب أن يستعد لها الداخل بتهيئة صورتها قبلياً، فهي مضمونة النتائج· والمتاهة النمطية، التي تنتهي بعدد متشابك وكثير جداً من الطرق المغلقة جميعاً باستثناء طريق واحد يفضي إلى المنفذ الخارجي· وفي هذه المتاهة يحتاج المرء إلى خيط أريادني، حسناء الأسطورة الإغريقية، التي أعطت حبيبها كرة الخيوط التي سيسلكها حين يرجع عائداً من قتل وحش المينوطور· والمتاهة الثالثة التي هي متاهة التفرع اللانهائي حيث لا يوجد مركز أو محيط، بل يعتمد كل شيء على التخمين· وقد أراد إيكو لمتاهته أن تكون مزيجاً من المتاهتين الثانية والثالثة· فمن حيث هي بناء تنتمي المكتبة إلى المتاهة النمطية، ولكنها تنتمي من حيث تأثيرها في القارئ إلى المتاهة التخمينية·
لكن العقدة تزداد تراكباً مع حصول سلسة الجرائم في الدير· وهكذا ستكون متاهة المكتبة مستودع سلسلة حوادث القتل التي ينتقم فيها الماضي من الحاضر· ومنذ الفصل الأول من الرواية، ومع مشهد البحث عن الجواد الشارد، يكشف غوليالمو عن حسه كمحقق بوليسي في متاهة مكتبة تنتمي إلى ثقافة القرون الوسطى· إذ ما إن أوشك هو وتلميذه أدسو على الاقتراب من سور الدير حتى رأى آثار حوافر جواد صغيرة على الثلج، وقليلاً من الشعرات التي تركها الجواد معلقة على أغصان النباتات الذاوية· وحين اقترب الجمع المحتشد، فقد بادر غوليالمو إلى تهدئته بأنهم سيجدون الجواد برونيلو عند المزبلة· لم يكتف بمفاجأتهم بمعرفته أنهم يبحثون عن جواد شارد، وهو القادم من الخارج حالاً، بل سرد عليهم أوصافه وطريقة مشيه، وحتى اسمه· لم يسيطر الفتى أدسو على انفعالاته، فسأله كيف عرف ذلك، فأجابه غوليالمو بعد أن انفردا، بأنه قرأ آثار الحوافر على الثلج، وأضاف لهذه القراءة شيئاً من التخمين السيميائي·
والواقع أن بنية الرواية البوليسية هي بنية المتاهة من النوع الثاني، أي البنية التي يحتفظ فيها المؤلف بخيط شبيه بخيط أريان مخفياً بين يديه، حتى إذا حانت لحظة اكتمال الحدث أعلنه على القارئ لينكشف كل شيء· ولا بد للبطل أن يسلك خيط أريادني هذا، وإلا فلن يخرج من المتاهة· لكننا رأينا أن متاهة إيكو ليست كلها من النوع الثاني، بل هي أقرب إلى المتاهة التخمينية· والسبب في ذلك أنه لا يريد أن يكتب رواية بوليسية خالصة، بل كما يعبر ''ميتافيزيقا بوليسية''، تحاول ألا تكتفي بوصف الحدث من الخارج، بل تخمن أسبابه الثقافية في الماضي· والجرائم التي ارتكبت في الدير لم تكن جرائم عادية ارتكبها مجرم محترف، بل أمين مكتبة أعمى، كان مقتنعاً تماماً بأن أفضل طريقة لحماية صرامة الكنيسة من خطورة الملهاة والضحك هي أن يدهن الجزء الثاني من كتاب الشعر لأرسطو بذلك الدهان المسموم· لكن المفارقة أنه يلتهم ذلك الكتاب نفسه، ويتسبب في إحراق المكتبة التي أراد حمايتها· وهنا يتحول ملاك المكتبة إلى شيطان ظلمات·
ميتافيزيقا
يمكن القول إن ''الميتافيزيقا البوليسية'' هي المناسبة السعيدة لجعل العصور الوسطى عصوراً حديثة· فبالصفة البوليسية تتبنى عقلية المحقق المدقق في متاهة التشعب المنفتح، ومن خلال الميتافيزقا نفسها تستعيد الرمزية القديمة التي وصفها إيكو نفسه في كتابه عن ''الجمال والفن في العصور الوسطى'' قائلاً:
''إن رمزية القرون الوسطى كانت تعبر عن تصور جمالي للعالم· مع ذلك فقد كانت هناك صورتان عنها· الأولى هي ''الرمزية الميتافيزيقية''، التي كانت ذات صلة بالعادة الفلسفية في التفطن إلى يد الله في جمال العالم· وثانياً هناك ''الأمثولة الكلية''، أي إدراك العالم بوصفه عملاً فنياً إلهياً، من النوع الذي يمتلك فيه كل شيء معاني أخلاقية، وأمثولية، وباطنية، بالإضافة إلى معناه الحرفي''·

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة