محمد خضير...الوجه الآخر

مارس 24, 2020


   قليل من الأصدقاء من يتمكّن أحدُهم كي يكون امتداداً عبقرياً للآخر. ولدينا مثال قريب نطرحه: فيصل لعيبي في وجه صلاح جياد، وصلاح جياد في وجه فيصل لعيبي (او كما اعتدنا في قياس اللوحات: صلاح× فيصل= فيصل× صلاح). أما إذا مزجنا الوجهين في بروفايل واحد فالقياس سيكون: مئات الأمتار المرسومة على الورق والقماش× مئات الوجوه المتناسخة كغابة من أشجار النخيل. والقياس الأخير استعارة للمزاج الدخيل بأمزجة البلاد المبعثرة في مئات التفاصيل والذكريات، حيث النخل لا ينمو إلا في مناخ أرضٍ عراقية!

   ولنفسّر هذا الامتزاج بين وجهين على محمل آخر. صلاح وفيصل رسامان استهوتهما طبوغرافيا الوجوه التي يتقاطع مزاجُها مع مزاجهما الشخصي بدرجة عالية من التوتر والجاذبية. هذا المزاج النادر قاد الصديقين الشابين في دروب البحث والترحال سوية، على وجه ورقة، كما على وجه جدار، كما على وجه قماشة نادرة الحصول (ولعل بعض الفنانين يتذكرون محلاً أو اثنين لا أكثر، منزويين بين متاجر الملابس في شارع الرشيد، مختصين ببيع أدوات الرسم ومنها الكانفاس المستورد وانابيب الزيت ماركة روني مع ألوان مائية وكراسات وأقلام الفحم والرصاص بقياسات مختلفة). آنذاك كان شارع الرشيد يحمل تلك الرائحة النادرة لأنواع الأقمشة، وجلود الأحذية، ومكائن طحن البن، مخلوطة برائحة التربنتاين وزيت الكتان وإطارات الخشب اللين المنجور واللامع. وكان هذا الشارع يقود، بامتداده ذي الأروقة، وباصات مصلحة نقل الركاب الحمر، أو من خلال درابينه وشرفاته الخشبية الواطئة والمتقابلة، إلى واحد من أخطر الأوكار الانقلابية على مستوى الفكر والجسد والأيدي والأوراق: وكر معهد الفنون الجميلة في الوزيرية (ولن نتجاهل قرينتيه دار المعلمين العالية التي سيؤول اسمها تالياً الى كلية التربية وكلية الآداب). 

   هذه بغداد، إذن، التي سينتقل اليها الصديقان صلاح وفيصل، ليلتقيا بوجوه صباحية مشرقة وقصّات شعر طويلة مجعّدة وأخرى قصيرة (جرسون)، وجاكيتات (تويد) ومعاطف مانشستر صوفية وبلوزات كشمير وقمصان حريرية (آرو)، ومجلات لايف وستوديو وفوغ وبوردا وفوتو، مع مجلات المصور والهلال وآخر ساعة والكواكب (وإذن فالأزقة كانت تفوح برائحة المطابع ومخازن الكتب مع رائحة الورق والخيش والخيوط، قبل أن ننسى. ولن نبالغ لو قلنا: لم تكن بغداد عاصمة العطور والموضة فقط، إنما كانت كذلك عاصمة الورق). تماما، كما لو أننا نتكلم عن نسخة عراقية لبلاد العجائب، يكتبها روائيو بغداد الخمسينية، تزخر بشخصيات حقيقية ومتخيلة. هنا تبدّت فجأة لعيني الفنانين الصديقين وجوه جديدة، بزوايا نظر ودرجات ضوء وانكسارات خطّ وإشراقات روح.   سيلتقطان عبر شحوب الطبقات الفقيرة أو تغنّج البرجوازية الصناعية الناشئة، ملامحَ قوية لوجوه طلاب المعهد وطالباته ومدرّسيه، بائعات الأورزدي باك في أول ظهور لهنّ في السوق، باعة الشورجة وحمّاليه، مثقفي المقاهي وصحفيّي الجرائد، ثم محرري مجلات ألف باء وفنون والثقافة الجديدة والمزمار. ستنفتح ميادينُ غير (الميدان) الوحيد في نهاية شارع الرشيد. سيجذب الوجهين الحالمين واقعٌ في طور التغيير السريع الذي أعقب تأميم النفط. إلا أنه سرعان ما ستخيّم على الوجوه والملابس ومعارض الرسم، رائحةُ الحرب. سيكدر المزاجُ المحلي، الهادئ، السمح؛ وينشطر الجسدُ الواحد الى عشرات الأجساد المتنازعة، وستنشأ من كل جزء جناحان، وسيبدأ الهروب الجماعي. 

   انشطرت السيرةُ الواحدة لصديقي المحلة والمعهد والقسم الداخلي وغرفة التحرير في المجلة الوحيدة، المتخلفة من عصر بغداد الورقي، كما سرى الانشطار/ الشرخ إلى ما حولهما. سيسري العفَنُ في الوجوه كما يسري في قطعة خبز تتلاقفها النوارس تحت جسور النهر الجاري بموازاة الشارع الحيوي. الوجوه تتنكر، بل تتباعد وتتهاجر كما في صحراء مترامية، جرداء. الورق والقماش يتفسّخان كذلك. (سيختفي محلا بيع أدوات الرسم في الشارع، وتتسخ اللوحات برماد الحرب، وسيتحول خشب إطارات الرسم إلى التوابيت). العفَنُ، لونٌ لا يمكن تخفيفه أو مزجه أو التعبير خلاله عن وجه إلا عندما يرتسم في رواية مضادة كرواية وايلد (دوريان جراي) او رواية أورويل (١٩٨٤) _ وهذه تخلو أساساً من لوحات او فوتوغرافيا؛ وإلا أن يظهر معتماً ودموياً على سطوح روايات الثمانينات في العراق. والحقيقة إن الصديقين قد حلا أخيراً في أحد أقاليم الرؤيا الديستوبية لكتّاب الغرب، من حيث ظنّا أنهما يهربان من واقع لا مثيل لعفنِه ورعبه. لم يعودا مهاجرين عاديين، فقد امتلكا ما يكفي من ذكريات العفن والقسوة. تمسّك فيصل لعيبي بخيط من ماكنة خياطة الأمّ والأخت ليحوك عالمَ لوحاته البغدادية، بينما صار ولع صلاح جياد الرئيس تمثيلَ وجوهه الأليفة وسط ديكور من رؤى الرحلة الطويلة إلى بلاد العجائب. ومهما بدا تناقضُ الرؤيين ظاهرياً، في لوحات الصديقين، إلا أنهما حاولا التعبير عن ذكرى لا تستطيع ديستوبيا معاصرة أن تحاكيها: ذكرى العفَن المستشري تحت قماش لوحاتهما. الجسد يعود للإلتحام من حيث انطوى عصر الورق والنخل وعطر الملابس وقصّات الشعر، في مفارقة ديستوبية مستعادة!

   ما أبعد تلك الذكرى، إذ المونمارتر سلّمت فنانَها اللاجئ إلى قبر بارد، وإذ ظلّ صديقه يتنقل بين مكانين ديستوبيين، ليس فيهما تلك الرائحة القديمة للميادين المهجورة. إننا ثانية على ضفة نهر، تتلاقف نوارسُهُ قطعةَ خبزٍ طافية، ربما هو التيمز أو السين!

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة