جيجك والفيروس الإيديولوجي: "كورونا" كفرصة للتحرّر والديمقراطية ومناهضة الاستهلاك؟ - الرومي

اخر الأخبار

الأحد، 15 مارس 2020

جيجك والفيروس الإيديولوجي: "كورونا" كفرصة للتحرّر والديمقراطية ومناهضة الاستهلاك؟


نص :علاء خزام

في نصين (حتى الآن) كُتبا بالإنكليزية ونُشرا بعدة لغات بينها الفرنسية خصّت مجلة "لوبس" الفرنسية نفسها بهما، يقدّم الفيلسوف الماركسي السلوفيني سلافوي جيجك رؤيته للأبعاد الإيديولوجية لقضية انتشار فيروس كورونا في الصين و(بدرجة أقل) حول العالم. كيف تعاملت السلطات الصينية مع الحدث الكابوسي الرهيب؟ وما علاقة الديمقراطية و"الثقة بالشعب" بالحلول المقترحة لتطويق الآثار السلبية لما حصده الفيروس حتى الآن من الأرواح ولحالة الفزع الجارف التي تجتاح العالم؟ ما الذي يرمز إليه فيروس كورونا فلسفياً وإيديولوجياً من وجهة نظر جيجك.
من هم "المشتبه بهم المعتادون" في جميع قضايا العالم المعاصر "شديد الترابط" وشديد التذرّر في الآن نفسه؟ وهل من "ضوء في نهاية نفق" الرعب الذي يجسده وباء عالمي يفرض عودة بالذاكرة إلى أفلام نهاية العالم عبر الكوارث المميتة والأمراض التي لا حل لها والغزاة الفضائيين؟ أكثر من ذلك: هل من معنى أو بالأحرى من مخرج "تحرري" قد يؤدي إليه كورونا؟ جيجك الذي استطاع أن يرى في انتخاب ترامب فرصة حقيقية للنهوض مسبغاً عليه مغزىً تحررياً يعيد توحيد القوى الراديكالية المناهضة للرأسمالية ويضع حداً لـ"النفاق اليساري المتسامح"، ألا يمكن أن يقوده تفكيره "الاستثنائي" إلى اعتبار كورونا حدثاً "تحررياً" بمعنى ما من المعاني (أعمق؟) ويجب اقتناصه؟ هذا ما وقع فعلاً!
قراءة مفيدة!
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
"كورونا فيروس": فيروس الإيديولوجيا
6 شباط 2020

كتب الكثير عن وباء الفيروس التاجي. ما الذي يمكنني إضافته كمراقب غير متخصص لا يملك إلا وصولاً محدوداً للغاية إلى البيانات؟ لكن ربما ينبغي أن نسأل أنفسنا السؤال التالي: أين تنتهي البيانات وأين تبدأ الأيديولوجيا؟
لغز أول ظاهر: بعض المناطق تعاني من أوبئة أخطر بكثير من فيروس كورونا، يموت الآلاف من الأشخاص يومياً بسبب إصابات أخرى، فلماذا هذا الهوس بهذا الوباء الأخير؟ لا حاجة بنا إلى العودة إلى وباء 1918-1920، المعروف باسم "الإنفلونزا الإسبانية"، التي أودت بحياة 50 مليون شخص على الأقل: في هذا الموسم وحده، أصابت الأنفلونزا 15 مليون أمريكي، تم نقل ما لا يقل عن 140 ألفاً لتلقي العلاج وتوفي أكثر من 8200.
في الحالة التي تشغلنا هنا، من الواضح أن البارانويا العنصرية تعمل - لنتذكر جميع التخيلات حول تلك النسوة الصينيات العجائز من ووهان، القذرات، اللواتي يسلخن جلود الثعابين الحية ويبلعن حساء الخفافيش... اليوم، ربما تكون المدينة الصينية الكبيرة واحدة من أكثر الأماكن أمانًا في العالم.
ووهان، مستقبلنا؟
هناك مفارقة أعمق بعد تعمل هنا: فكلما كان عالمنا أكثر ارتباطاً ببعضه، استطاعت كارثة محلية إطلاق خوف عالمي وفي نهاية المطاف كارثة. في ربيع عام 2010، نجحت سحابة متأتية من ثوران بركاني بسيط في أيسلندا (اضطراب صغير، في العمق، في آلية الحياة المعقدة على الأرض) في إيقاف الحركة الجوية في معظم أوروبا - تذكير بحقيقة أنه على الرغم من قدرتها المدهشة على تحويل الطبيعة، فإن البشرية ليست سوى نوع واحد من الكائنات الحية على كوكب الأرض.
إذا استطاع انفجار طفيف كهذا أن يكون له تأثير اجتماعي واقتصادي كارثي للغاية، فذلك بسبب تطورنا التكنولوجي (السفر الجوي): قبل قرن من الزمان، كان لانفجار كهذا أن يحدث دون أن يلاحظه أحد. التكنولوجيا تجعلنا، من ناحية، أكثر استقلالية عن الطبيعة، ومن ناحية أخرى، أكثر تبعية لتقلباتها. الأمر نفسه ينطبق على انتشار فيروس كورونا: لو أنه حدث قبل إصلاحات دنغ شياوبنغ، فربما لم نكن حتى لنسمع به.
كيف إذاً سنحارب الفيروس في وقت يتكاثر فيه كشكل غير مرئي من الحياة الطفيلية التي تظل آليتها الدقيقة غير معروفة بشكل أساسي؟ هناك شيء واحد مؤكد: العزلة وجدران جديدة ومواقع حجر صحي جديدة لن تؤدي المهمة. هناك حاجة إلى تضامن كامل غير مشروط واستجابة منسقة على المستوى العالمي، شكل جديد لما كان يسمى فيما مضى الشيوعية.
إذا لم نوجه جهودنا في هذا الاتجاه، فقد تعطي ووهان صورة عن مدينة مستقبلنا. سبق لعديد من الديستوبيات أن تصورت مستقبلاً مشابهاً: البقاء في المنزل معظم الوقت، العمل على أجهزة الكمبيوتر خاصتنا، والتواصل عن طريق الفيديو، ممارسة الرياضة على جهاز في زاوية المكتب، والاستمناء أمام أفلام إباحية واستخدام خدمات توصيل الطعام...
إمكانات يفجرها وقت الفراغ
ومع ذلك، هناك منظور تحريري غير متوقع مخفي داخل هذه الرؤية الكابوسية. يجب أن أعترف أنني فاجأت نفسي خلال الأيام القليلة الماضية وحلمت بزيارة ووهان. تلك الشوارع نصف المهجورة في مدينة كبرى - مراكز حضرية عادة ما تعج بالحركة باتت تشبه الآن مدن الأشباح، ومتاجر أبوابها مفتوحة دون وجود أي زبون، بل شخصاً راجلاً أو سيارة هنا وهناك وأفراداً يرتدون أقنعة بيضاء - ألا تقدّم صورة لعالم غير استهلاكي مرتاح مع نفسه؟
يذكرني الجمال الكئيب للطرق الفارغة في شنغهاي أو هونغ كونغ ببعض أفلام ما بعد نهاية العالم القديمة، مثل فيلم "على الشاطئ"، والتي تظهر مدينة اختفى معظم سكانها – ليس هناك أي تدمير مذهل، بل فقط أن العالم لم يعد في متناول اليد، لم يعد ينتظرنا، لم يعد من اختصاصنا، لم يعد يبحث عنا... حتى الأقنعة البيضاء التي يرتديها عدد قليل من المشاة فهي تؤمن إخفاءً للشخصية مرحباً به وتحرر من الضغط الاجتماعي.
يتذكر كثيرون بيننا الخاتمة الشهيرة للبيان الأوضاعي situationniste الذي أطلقه طلاب عام 1966: "العيش دون وقت فراغ والتمتع دون عوائق". إذا علمنا فرويد ولاكان شيئاً ما، فهو أن هذه الصيغة - المثال المطلق عن أوامر الأنا العليا، ذلك أن الأنا العليا، كما بين ذلك جيداً لاكان، في جوهره أمر إيجابي بالتمتع، وليس فعل حظر سلبي – هي وصفة للكارثة: إن الرغبة في الملء الكثيف لكل لحظة من الوقت المخصص لنا تنتهي حتماً برتابة خانقة.
تعتبر أوقات الفراغ - لحظات الانحساب، ما كان الصوفيون القدماء يسمونه Gelassenheit (الصفاء)، التحرر" - حاسمة لإعادة إحياء تجربة حياتنا. وربما يمكن للمرء أن يأمل في أن تكون إحدى العواقب غير المقصودة للحجر الصحي بسبب فيروس كورونا في المدن الصينية هو أن يستغل بعض الأشخاص، على الأقل، وقتهم الضائع للتحرر من نشاط مكثف والتفكير بمعنى (لا معنى) أوضاعهم.
إلى جانب العار
إنني مدرك تماماً للخطر الذي أواجهه بنشر أفكاري علانيةً - هل أنني أقوم بإسقاط رؤية نظرية على ضحايا انطلاقاً موقع خارجي، محمي بشكل جيد، وبالتالي إضفاء شرعية بشكل سينيكي على معاناتهم؟ عندما يغادر مواطن ملثم من ووهان منزله بحثاً عن أدوية أو طعام، من الواضح أنه لا يوجد أي فكر مناهض للاستهلاك في ذهنه، بل فقط الذعر والغضب والخوف. أنا أزعم ببساطة أنه يمكن حتى للأحداث المروعة أن تكون ذات نتائج إيجابية غير متوقعة.
اقترح كارلو غينزبرغ Carlo Ginzburg أن شعور المرء بالعار تجاه بلده، كراهيته له، يمكن أن يكون العلامة الحقيقية على انتمائه إليه. ربما سيتحلى بعض الإسرائيليين بشجاعة الشعور بالعار من السياسات التي يتبعها نتانياهو وترامب باسمهم - وليس بالطبع أن يشعروا بالعار من كونهم يهوداً، بل على العكس، العار مما تقترفه السياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية في حق التراث الأثمن لليهودية. ربما ينبغي على بعض البريطانيين أن يتحلوا بشجاعة الشعور بالعار من الحلم الأيديولوجي الذي جعلهم يستحقون البريكست.
بالنسبة إلى شعب ووهان، ليس هذا الوقت المناسب للشعور بالعار أو الوصم، بل وقت حشد شجاعته والمثابرة بصبر في نضاله. الوحيدون الذين يستحقون الاحتقار في الصين هم أولئك الذين قللوا رسمياً من الأوبئة بينما كانوا يحمون أنفسهم بشدة، ويتصرفون مثل المسؤولين السوفيات حول تشيرنوبيل حين أكدوا أنه لا يوجد أي خطر في وقت كانوا قد أجلوا فيه على الفور عائلاتهم، وكذلك كبار المسؤولين الذين ينكرون على الملأ ظاهرة الاحتباس الحراري لكنهم يشترون منازل في نيوزيلندا أو يبنون مخابئ في جبال روكي. لكن من يجب عليه أن يشعر بالعار فعلاً هو جميعنا، حول العالم، الذين نفكر في عزل الصينيين.
--------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------------
لي وينليانغ، الطبيب الذي كان أول من اكتشف وباء الفيروس التاجي الحالي ومورست ضده الرقابة من قبل السلطات الصينية، كان بطلاً أصيلاً من أبطال عصرنا، من نوع تشيلسي مانينغ أو إدوارد سنودن آسيوي. أثار موته، بطبيعة الحال، الغضب العام.
كان رد فعل الدولة الصينية على هذه الإدارة للوباء متوقعاً وكان أفضل من لخصه تعليق الصحافية المقيمة في هونغ كونغ، فيرنا يو Verna Yu: "لو كانت الصين تعلي من شأن حرية التعبير، لم يكن هناك أزمة فيروس كورونا". " سوف تتكرر مثل هذه الأزمات طالما أن حرية التعبير والحقوق الأساسية للمواطنين الصينيين غير محترمة. [...] قد لا يبدو أن حقوق الإنسان في الصين تهم بقية العالم، ولكن كما رأينا في هذه الأزمة، فإن كارثة ما يمكنها أن تقع من واقع أن الصين تقمع حريات مواطنيها. لقد حان الوقت لأن يأخذ المجتمع الدولي هذه القضية بجدية أكبر".
من الصحيح أن عمل جهاز الدولة الصينية بكامله يعارض شعار ماو القديم الذي يقول "ثقوا بالشعب!". تعتمد طريقة الدولة في التصرف على فرضية أنه لا يجب الوثوق بالناس: يجب أن يكون الشعب محبوباً ومحمياً ومعتنى به... لكن لا مجال للوثوق به. ليس انعدام الثقة هذا في نهاية المطاف سوى التجسيد الأخير لموقف تتبناه السلطات الصينية بشكل منهجي عندما تواجه احتجاجات بيئية أو مشاكل متعلقة بصحة العمال.
في الواقع، يبدو أن السلطات الصينية تلجأ بشكل متزايد إلى العملية التالية: شخص ما (ناشط بيئي، طالب ماركسي، رئيس الانتربول، واعظ ديني، ناشر من هونغ كونغ، أو حتى ممثلة في السينما الشعبية) يختفي تماماً لبضعة أسابيع، قبل أن يعاود الظهور علانية في نفس الوقت الذي تنتشر فيه اتهامات موجهة ضده. إنها تلك الفترة الطويلة من الصمت التي توصل الرسالة المفتاحية: تتم ممارسة السلطة بطريقة لا يمكن اختراقها، لا شيء تم إثباته، ولا يتدخل المنطق القانوني إلا في ما بعد، بعد أن يتم إيصال هذه الرسالة...
ومع ذلك، فإن حالة الطلاب الماركسيين المفقودين محددة: فإذا كانت جميع حالات الاختفاء متعلقة بأفراد يمكن وصف أنشطتهم بطريقة ما بأنها "تهديد" للدولة، فإن الطلاب الماركسيين المفقودين يضفون الشرعية على نشاطهم النقدي بالرجوع والإشارة إلى الأيديولوجية الرسمية نفسها.
صمت ومؤامراتية
ما أثار رد فعل مذعور كهذا داخل قيادة الحزب كان بالطبع شبح شبكة مستقلة ناشئة، مع روابط أفقية مباشرة بين مجموعات من الطلاب والعمال، على أساس الماركسية، تجذب تعاطف بعض كوادر الحزب السابقين وحتى بعض فروع الجيش. مثل هذه الشبكة تأتي لتقوّض بشكل مباشر شرعية الحزب الواحد ولتدينه باعتباره تزييفاً.
لا عجب إذن أنه في السنوات الأخيرة تم إغلاق العديد من المواقع الإلكترونية "الماوية" وتم حظر العديد من مجموعات النقاش الماركسية من الجامعات - إن أخطر ما يمكن للمرء القيام به اليوم في الصين هو أن يصدّق ويأخذ بجدية الإيديولوجية الرسمية نفسها. تدفع الصين من الآن فصاعداً ثمن هذا الموقف:
"بحسب غابرييل ليونغ Gabriel Leung كبير خبراء الأوبئة في قطاع الصحة العامة في هونغ كونغ، إذا لم تتم السيطرة على هذا الوباء فمن الممكن أن ينتشر بين ثلثي سكان العالم. وقال إن الناس كانوا بحاجة إلى الإيمان بحكومتهم بينما يعمل المجتمع العلمي على إزالة عدم اليقين بشأن الوباء الجديد، "ولكن مع وسائل التواصل الاجتماعي، حيث تختلط الأخبار المزيفة والحقيقية، لا توجد أي ثقة، فكيف نحارب هذا الوباء؟" يتطلب الأمر، على العكس من ذلك، جرعة إضافية من الثقة، وشعوراً متقدماً بالتضامن، ومقداراً إضافياً من حسن النية، كل الأشياء التي تم استنفادها بالكامل".
في مجتمع صحي، يجب أن يتم سماع أكثر من صوت واحد، كما قال الدكتور لي من فراشه في المستشفى قبل وفاته بقليل، وهذه الحاجة الملحة للتعددية لا تعني بالضرورة أنه يجب نسخ النموذج الغربي لديمقراطية متعددة الأحزاب. إنه يدعو ببساطة إلى فتح حيز يمكن فيه سماع انتقادات المواطنين. إن الاعتراض الرئيسي على فكرة أن الدولة يجب أن تتحكم في الشائعات لتجنب الذعر هو أن هذا التحكم نفسه ينشر عدم الثقة ويخلق بالتالي المزيد من الشائعات المؤامراتية - فقط الثقة المتبادلة بين الشعب والدولة يمكن أن تعمل.
الانضباط مقابل النزعة الفردية
يجب أن تكون الدولة قوية خلال فترة من الوباء، لأنّ تدابير واسعة النطاق يجب أن تتخذ ويتم تطبيقها بانضباط عسكري (مثل الحجر الصحي). تمكنت الصين من عزل عشرات الملايين من الأشخاص. لنتخيل للحظة انتشار وباء هائل كهذا في الولايات المتحدة، هل ستتمكن الدولة أن تطبق نفس الإجراءات؟ يمكن المراهنة على أن الآلاف من الليبرتاريين المسلحين سيفرضون الطريق، مشتبهين في أن الحجر الصحي هو مؤامرة دولتية...
بالتالي، هل كان من الممكن منع انتشار الفيروس عبر مزيد من حرية التعبير أم أن الصين على طريق التضحية بمقاطعة هوبي من أجل إنقاذ العالم؟ بمعنى ما، كلا الأمرين صحيح، وما يزيد الأمور سوءاً هو أنه لا توجد طريقة واضحة للتمييز بين حرية التعبير "الجيدة" والشائعات "السيئة". عندما ترفع أصوات تشتكي من أن السلطات الصينية "ستعامل الحقيقة دائماً على أنها شائعة"، يجب أن نضيف أن وسائل الإعلام الرسمية والمجال الواسع للمعلومات الرقمية مليئة بالفعل بالشائعات.
أظهرت "القناة الأولى"، إحدى القنوات التلفزيونية الوطنية الروسية الرئيسية، كيف يمكن تضخيم الشائعات عن طريق توفير مساحة منتظمة مخصصة لنظريات المؤامرة حول فيروس كورونا ضمن برنامجها الإخباري المسائي الرئيسي Vremya ("الزمن"). بأسلوب ملتبس، تبدو تقارير البرنامج كما لو أنها تفضح تلك النظريات بينما تترك في الوقت نفسه لدى المشاهدين انطباعاً بأنها تحتوي على نواة من الحقيقة. الرسالة (نخب الظل الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، هي المسؤولة في نهاية المطاف عن أوبئة فيروس كورونا) تنتشر على هذا النحو كإشاعة مريبة، قابلة للأخذ والرد: إن من الجنون أن يكون هذا الأمر حقيقياً، لكن مع ذلك، من يدري... الغريب هو حقيقة أن تعليق الحكم على حقيقة شيء لا يلغي فعاليته الرمزية.
بالإضافة إلى ذلك، يجب علينا أيضاً أن نتوقف عن التفكير في أنه من الأفضل في بعض الأحيان عدم قول الحقيقة كاملة للجمهور لمنع الفزع، بذريعة أنه يمكن أن يؤدي إلى ضحايا جدد. في المرحلة التي نجد أنفسها فيها، فإن المشكلة لا نهاية لها: السبيل الوحيد هو الثقة المتبادلة بين الشعب وأجهزة الدولة، وهذا هو ما يُفتقر إليه إلى بعنف في الصين.
"حرب العوالم" الجديدة
في حالة انفجار وباء عالمي، فهل ندرك جيداً واقع أن آليات السوق لن تكون قادرة على حمايتنا من الفوضى ومن الجوع؟ يجب أن تؤخذ التدابير التي تبدو لمعظمنا اليوم على أنها "شيوعية" بعين الاعتبار والتنفيذ على المستوى العالمي: تنسيق الإنتاج والتوزيع من خارج إحداثيات السوق. يجب التذكير هنا بالمجاعة الكبيرة للبطاطس التي دمرت أيرلندا في أربعينيات القرن التاسع عشر، مسببة ملايين الوفيات أو المجبرين على الهجرة. احتفظت الدولة البريطانية بثقتها بآليات السوق، واصلت أيرلندا تصدير المواد الغذائية بينما كان ملايين الأشخاص في حالة من الضيق الشديد... لم يعد من الممكن التسامح اليوم مع هذه القسوة.
يمكن أن ينظر إلى وباء الفيروس التاجي على أنه نسخة مقلوبة من "حرب العوالم" لهربرت جورج ويلز (1897). يحكي الكتاب عن غزو المريخيين للأرض، ثم يكتشف البطل-الراوي اليائس أن جميع المريخيين قد أبيدوا بواسطة ميكروبات أرضيّة لم يكونوا محصنين ضدها: "قُتلوا، بعد فشل كل الاستراتيجيات البشرية، بواسطة أكثر الأشياء تواضعاً التي وضعها الله، في حكمته، على هذه الأرض".
من المثير للاهتمام أن نعرف، بحسب ويلز، أنه تم توصل إلى فكرة الحبكة بعد مناقشة مع شقيقه فرانك حول الأثر الكارثي للبريطانيين على سكان تسمانيا الأصليين. وتساءل عما كان سيحدث إذا ما فعل المريخيون ببريطانيا ما فعله البريطانيون بالتسمانيين؟ (لكن التسمانيين لم يكونوا يمتلكون مسببات الأمراض الفتاكة لهزيمة غزاتهم).
ربما ينبغي بالفعل النظر إلى الأوبئة التي تهدد بتدمير البشرية على أنها نسخة مقلوبة من قصة ويلز: "الغازي المريخي" الذي يستغل ويدمّر الحياة على الأرض بلا رحمة هو نحن أنفسنا، البشرية، وبعد فشل جميع الاستراتيجيات الأكثر تطوراً لمحاربتنا، نحن الآن مهددون "من قبل أكثر الأشياء تواضعاً من بين تلك التي وضعها الله، في حكمته، على هذه الأرض"، فيروسات غبية تتكاثر خبط عشواء – وتنتشر.
Usual suspects
يجب علينا بالطبع أن نحلل بالتفصيل الظروف الاجتماعية التي جعلت وباء الفيروس التاجي ممكناً – يكفي التفكير فقط في الكيفية التي يمكن من خلالها، في عالم اليوم المترابط، لبريطاني أن يقابل شخصاً ما في سنغافورة، ويعود إلى إنكلترا ثم يذهب للتزلج في فرنسا، ويقوم هناك بنقل العدوى إلى أربعة أشخاص آخرين... المشتبه بهم المعتادون يصطفون بالدور ليتم استجوابهم: السوق الرأسمالية العالمية... إلخ.
ومع ذلك، يجب علينا أن نقاوم الإغراء المتمثل في الرغبة في العثور على معنى خفي للأوبئة الجارية: على سبيل المثال، العقوبة القاسية ولكن العادلة للبشرية بسبب استغلالها الذي لا يرحم لأشكال الحياة الأخرى على الأرض أو أمراً آخر من هذا النوع... إذا لم يكن بوسعنا منع البحث عن معنى عميق لهذه الأحداث، فذلك لأننا نبقى في العمق سابقين على الحداثة: نقارب كوننا باعتباره شريكاً أو محاوراً.
لأنه حتى إذا كان بقاؤنا مهدداً، فلأن هنالك شيئاً ما مطمئناً في واقعة أن يتم عقابنا - الكون (أو حتى "شيء ما" هو هناك) يراقبنا... وأكثر الأمور التي لا يمكن قبولها هو أن لا تكون تلك الأوبئة سوى نتاجاً محضاً للعرض الطبيعي: لقد حدث هذا ببساطة وليس له أي معنى خفي. نحن، في النظام الأكبر للأشياء، نوع غير مهم.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق