عن السياسة في زمن "كورونا" - الرومي

اخر الأخبار

الأحد، 8 مارس 2020

عن السياسة في زمن "كورونا"



عبدالوهاب بدرخان

ليس أسوأ من الكوارث الطبيعية والأوبئة على حياة البشرية، وإذ ترتبط الأولى بعوامل أمكن للعلم أن يفسّرها وحتى أن يستبقها أحياناً، إلا أنه في حال الكائنات المجهرية والفيروسات قلّ ما يتمكّن من الاستباق على رغم التقدّم التكنولوجي وبلوغ الذكاء الاصطناعي الذي بات في نظر صانعيه محور المستقبل.
وحده الاستبداد السياسي ينافس الطبيعة على كوراثها والحيوانات على أوبئتها، وكأنه ممثلها الشرعي الوحيد في عالم الانسان. الزلازل مثل التسونامي مثل البراكين صاخبة في قتلها وتدميرها وتشريدها للناس. الأوبئة كالـ "كورونا" صامتة غير مرئية لكنها تتسلل من حيث لا يدري أحد وتقتل وتثير الهلع فتقفر الساحات والشوارع والمدارس والملاعب. الاستبداد يفعل كل ذلك بخليط من الصخب والصمت، وعلى رغم الضوابط الإنسانية التي توضع لردعه إلا أنه يتخطاها جميعاً ليستمر متمتعاً بالقتل والتدمير والتهجير، ولا يشبهه إلا الإرهاب الذي يتحدّر من "سلالته".
في مناطق الزلازل تبنى العمارات بمواصفات تمكنها من الصمود وعدم السقوط، وأصبحت هناك أنظمة انذار مبكر لحالات التسونامي والأعاصير وتفجّر البراكين. أما الأوبئة فلا يمكن أن تواجه إلا بعد أن تحلّ وتفعل فعلها، وتتفاوت فترة انتظار اللقاح بين حال وحال، بل يحدث أن يكون الفيروس من الخبث والمكر بحيث أن تفشّيه يتيح له تحوّلاً ذاتياً فيُفشل إمكان حصر أعراضه، كما بدأ يقال الآن عن "كوفيد - 19". ليست هناك لقاحات للاستبداد، على رغم أن تكراره تاريخياً كثّف البحث عن وصفات "ديموقراطية" ودساتير وقوانين لعلاجه، إذ لا يزال يتسبّب بحروب أزهقت من الأرواح ما يناهز ضحايا الموت الأسود والطاعونين الأنطوني والجستنياني والحصبة والجدري التي صنعت أهوالاً في تاريخ الأوبئة منذ بداياته الى اليوم.
الكائن المجهري الذي غزا العالم في غضون ستة أسابيع سلّط الضوء على هشاشة القوة العظمى التي يمكن أن تتّصف بها أي دولة كبرى. فقد تكون الأكثر تقدماً وتجهيزاً واستعداداً لمواجهة أي طارئ، لكنها تبقى عاجزة أمام عدو مجهول غير مرئي، فلا بدّ من تشخيص الداء ليوضع الدواء. هذه دول تقيس استقرارها بحيوية اقتصادها وزيادة انتاجيتها وحركة الحياة العامة فيها، لكن صرامة انتظامها تتأثر سريعاً كما حصل في الصين، وكما يُخشى في البلدان الغربية التي تفكّر بأسوأ السيناريوات فيما تحاول التزام وتيرتها العادية. تشاء المفارقة أن يكون القلق والهلع أقلّ في البلدان غير المستقرّة، كما لو أن هذه الأخيرة موبوءة على الدوام، فلا يُرتجى من اقتصادها وانتاجيتها أكثر مما هو ضروري للعيش الموقّت الدائم.
قد يتصوّر الشخص العادي أن اتخاذه الاحتياطات اللازمة من النظافة والتعقّم يكفي لمواجهة الفيروس، وعندما يسمع اخبار الغاء الفعاليات واغلاق المدارس ونصائح بعدم السفر والتنقّل والتخالط مع الناس ربما يتخيّل أن السلطات تفضّل هذه الإجراءات لمجرّد التحوّط لكنه عندما يرى المواد التموينية تنفد بشكل غير مسبوق فإنه سيشك بأنها تخفي عنه ما تعرفه عن الوباء وسيشعر بدوره بالهلع. ثمة روايات وأفلام كثيرة ("عدوى"، "قطار الى بوسان"، يوم القيامة"...) تخيّلت مشاهد مفزعة لما يمكن أن يحدث في حالات الهلع الجماعي، وأعادتها "كورونا" الى الذاكرة الراهنة.
عندما وقع الاتفاق التجاري "التاريخي" بين الولايات المتحدة والصين قيل إن الدولتين دخلتا هدنة في حرب مقلقة أشعلها دونالد ترامب وكادت تخرج من نطاق التجارة البينية البحتة لتتحوّل حرباً فعلية بالمعنى المتعارف عليه، ولا تنقصهما الذرائع لأن أزمتي كوريا الشمالية وتايوان دائمتا الحضور في خلافاتهما. تزامن توقيع الاتفاق، منتصف كانون الثاني (يناير) الماضي، مع الأنباء الأولى من الصين عن انتشار فيروس "كورونا"، لكنه كان رُصد قبل شهر ولم تعترف به بكين إلا بعدما تزايدت حالات الوفاة. بين التكتم الإعلامي كتقليد درج عليه نظام الحكم، وبين لزوم الحفاظ على السمعة والحركة التجاريتين، لم يكن هناك استعداد صيني للإعلان عن الوباء رغم تجارب سابقة مع سلالة "كورونا" المقيمة ومنها "سارس" ونسيبها "انفلونزا الطيور".
عندما تأكد أن الأضرار الاقتصادية واقعة لا محالة لم يعد في امكان بكين أن تواجه الوباء إلا بإجراءات استثنائية. هنا بدا أن للنظام البوليسي المتشدّد "فضيلته"، وإلا فكيف يمكن محاصرة النطاق الجغرافي لبؤرة الفيروس والحجر على ما يزيد عن ستين مليون شخص. استطراداً راح مسؤولون أوروبيون يفكّرون في سيناريوات لإغلاق مدن وأقاليم إذا اشتبه بأنها صارت موبوءة، وهذا ما طبّق عملياً في بعض مناطق شمالي إيطاليا. في ايران انتشر المرض من أماكن الزيارات الدينية وازدادت الوفيات من دون أن تتمكن السلطات الصحيّة من حصره، ولعل التمثّل بالنموذج الصيني أدى الى اعلان أن "الحرس الثوري" سيتولّى مقاومة الوباء، ما يعني أن الحكومة فشلت في المهمة.
لم تخرج واشنطن عن صمتها إلا بعد صدور تقدير أولي يحدّد الخسائر الاقتصادية بتريليون دولار، ولم يظهر دونالد ترامب للتحدّث علناً عن خطر "كورونا" إلا بعدما تضاعف هذا التقدير ليبلغ ثلاثة تريليونات، مع توقعات بأن تزيد نظراً الى تأثر كل القطاعات بشكل مباشر أو غير مباشر. لكن جانباً من اطلالة ترامب كان مخصّصاً لإعلان أن اميركا تعمل على انتاج اللقاح المرتقب. الصين ودول أخرى كانت بدأت أيضاً السعي الى هذا اللقاح. ثمة سياسة وطموحات تجارية في هذا السباق، بعدما تبادل الجميع الاتهامات بعدم الشفافية في تبادل المعلومات عن وباء يُحتمل أن يفتك بمئات آلاف البشر أو أكثر، تماماً كما حصل ويحصل في الاشتكاء من سوء تبادل المعلومات المتعلقة بمكافحة الإرهاب وغيره من الأوبئة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق