​ألبير كامو في مُواجَهَة سارتر

مارس 21, 2020
كامو



في الرّابع من شهر كانون الثاني (يناير) 1960، توفّي الكاتِب الفرنسيّ الكبير ألبير كامو في حادث سيّارة عبثيّ، وكان آنذاك في السابعة والأربعين من عمره. وكانت مَسيرته الأدبيّة والفلسفيّة حافلة بمَعارك كثيرة، لعلّ أهمّها المعركة التي اندلعت بينه وبين سارتر. وأوّل شيء تجدر الإشارة إليه هو أنّ الاثنَين، أي سارتر وكامو، كانا مُتعدّدي المَواهِب. فقد كَتبا الرواية والمَسرح، واهتمّا بالقضايا الفلسفيّة والفكريّة التي عرفها عصرهما، وقدّما في هذا المجال إسهاماتٍ ذات قيمة كبيرة.


كما أنّهما انشغلا بالسياسة، وبمُشكلاتها وقضاياها، وطَرحا عبر الصحف والمجلّات أطروحاتٍ وأفكاراً كان لها الصدى الكبير في الأوساط السياسيّة والفكريّة ولدى الأحزاب والمنظّمات المهنيّة والنقابيّة، يمينيّة كانت أم يساريّة أم غير ذلك. وأمّا الأمر الثاني الجدير بالإشارة فهو أنّ كلّ واحد منهما نشأ في وسط اجتماعي مُختلف عن الوسط الاجتماعي الذي نشأ فيه الآخر. فسارتر ينتمي إلى عائلة بورجوازيّة مرموقة لها جذور يهوديّة. وقد ولد في باريس، وترعرع في وسطٍ سمحَ له بالاطّلاع مبكّراً على أسرار الحضارة الغربيّة، وعلى مُنجزاتها في مختلف المجالات، العِلميّة والتكنولوجيّة، والصناعيّة، والفلسفيّة، والفكريّة، وغيرها. وفي ما بعد سوف يتنكّر سارتر للوسط البورجوازي الذي نشأ فيه وترعرع، وسوف ينتقده بشدّة في أعماله الأدبيّة والفكريّة. بل لن يتردّد في التقرُّب من الأوساط اليساريّة والماركسيّة والماويّة والنزول إلى الشوارع مع الطلبة الغاضبين في ربيع العام 1968. وأمّا كامو، فينتمي إلى عائلة مُتواضعة من "الأقدام السوداء". وفي سنوات شبابه انتمى إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، وذلك في العام 1934، ثمّ سرعان ما انسلخ عنه ليظلّ حتّى وفاته مُعادياً للشيوعيّة ولكلّ التيّارات الماركسيّة واليساريّة. وفي بداية كِتابه المُخصَّص للعلاقة العاصفة بين كامو وسارتر (Camus et Sartre, Amitié et combat)، يشير رونالد موريسون إلى أنّ الهدف الأساسي من كِتابه المذكور هو "مُراجَعة لتاريخ، أو تاريخ من زاوية مُراجعة". لذا هو أراد أن يحكي القصّة كاملة من دون انحياز لأيّ أحد منهما. ويصف رونالد موريسون العلاقة بين كامو وسارتر بأنّها كانت "قويّة مكينة وذات شأنٍ مهمّ". غير أنّ الحرب الباردة شوَّهت العلاقة بينهما في رأيه كما "شوَّهت أموراً أخرى كثيرة". وفي شهر حزيران (يونيو) 1943، وتحديداً في اليوم الأوّل لعرض مسرحيّته "الذباب"، التقى سارتر بكامو للمرّة الأولى. وكان كامو قد أصدر في ذلك الوقت روايته الأولى "الغريب" التي ستجعل منه في ما بعد كاتِباً عالَميّاً. وكان قد أصدر أيضاً كِتابه الفلسفي "أسطورة سيزيف" الذي سيُثير اهتمام الأوساط الفلسفيّة والفكريّة لا في فرنسا وحدها، بل في كامل أنحاء أوروبا. وبسبب الحرب كان على كامو، الذي كان يعيش فترة من النقاهة بعد تفاقُم داء السلّ، المكوث في باريس، وأمّا سارتر، فقد كان حقَّق لنفسه في ذلك الوقت شهرة كبيرة لدى الأوساط الأدبيّة والثقافيّة بفضل رواية "الغثيان" التي حازت على إعجاب كامو عند قراءته لها، وهو في الجزائر، فكتبَ عنها مقالاً نوَّه فيه بخصال صاحبها الفنيّة والفلسفيّة. وكان سارتر قد أصدر أيضاً العديد من المقالات الفلسفيّة والنقديّة التي دلّت على عمقٍ فكري، وعلى اطّلاعٍ واسع على الثقاقة الإنسانيّة في العصور المُختلفة. كما دلَّت على أنّ صاحبها يمتلك فكراً ثاقباً، وقدرة هائلة على الجدل، وعلى إثارة المَعارك الأدبيّة والفكريّة والفلسفيّة وحتّى السياسيّة. وعند لقائه بكامو كان سارتر مُنشغِلاً بإعداد مؤلّفه الفلسفي المهمّ: "الوجود والعدم". وكان قد أُعجب بـ"الغريب" وبـ"أسطورة سيزيف" قبل أن يلتقي بصاحبهما. وعن العبث، الذي هو السمة الأساسيّة في الكتابَين المذكورَين، كتبَ سارتر يقول: "العبث.. ليس كامناً في الإنسان ولا في العالَم إذا ما فكَّرنا في كلٍّ منهما بمعزل عن الآخر. ولكنْ حيث إنّ الخاصيّة المُهيمِنة للإنسان هي "الوجود في العالَم"، فإنّ العبث في النهاية جزء لا انفصام له عن الظرف البشري. ومن ثمّ لنقُل بادئ ذي بدء إنّ العبث ليس موضوع فكرة مجرَّدة وإنّما يتكّشف لنا في استنارة باعثة على الحزن". وقد أُعجب كامو بمقال سارتر هذا، وكَتب لأستاذه جان غرينييه يقول: "مقال سارتر نموذج للنقد والتحليل بغية إظهار جوانب الضعف. وطبيعي أنّ كلّ عمل من أعمال الخلق فيه عنصر غريزي. والذي لا يتصوّره "هو"، كما أنّ الذكاء لا يؤدّي مثل هذا الدَّور المُهمّ. ولكنْ هذه هي قواعد اللّعبة في النقد، وهي لعبة جميلة لأنّه أنارَ لي في مَوضوعات عديدة ما كنتُ أريد أن أفعله. وأرى أيضاً أنّ الجزء الأكبر من نقده مُنصِف. ولكنْ لماذا هذه النغمة اللّاذعة". وبعد مضيّ ثلاثين عاماً على هذا اللّقاء، سوف يصف سارتر كامو بأنّه كان "مُثيراً للضحك" لمّا جلس إليه في المرّة الأولى، وكان "جلفاً إلى أقصى حدّ"، لكنّه "غالباً ما يكون مُثيراً جدّاً للضحك". ويضيف سارتر قائلاً: إنّ ما ربطنا به - أي كامو- هو جانبه الجزائري. "فهو يتحدّث بلكنة تشبه أهل جنوب فرنسا، كما أنّ له صداقات إسبانيّة تعود إلى أيّام اتّصالاته بالإسبان والجزائريّين".

أمّا رفيقة سارتر سيمون دو بوفوار التي حضرت ذلك اللّقاء الأوّل، فقد كَتبت عن كامو تقول: "كان هو الشخص الذي نجد في صحبته مَصدراً للاستمتاع والمرح إلى أقصى حدّ. رأينا في علاقتنا به صفقة كبيرة؛ إذ تبادلنا قصصاً لا حصر لها". لكنّها، أي سيمون دو بوفوار، سوف تزداد عليه قسوة في ما بعد، وستُقدّمه في صورة "المريض المُتعجرف القادم إلى باريس مثل شخصيّة بلزاك في "الأوهام الضائعة"، والذي كان يتحرّق شوقاً للنجاح والشهرة". بعد ذلك اللّقاء الأوّل، بدأ سارتر وكامو يلتقيان يوميّاً تقريباً في مقاهي "الحيّ اللّاتيني"، وخصوصاً في مقهى "لوفلور". وكان النقاش بينهما يدور حول القضايا المُهمّة، السياسيّة منها، والأدبيّة والفكريّة، وكان الأمر الذي يشغلهما أكثر من أيّ شيء آخر هو الاحتلال النازيّ لبلادهما. وقد تحمّس كلُّ واحدٍ منهما لحركة المُقاوَمة المُناهِضة لهذا الاحتلال البغيض، واتّخذا في ذلك مَواقف جريئة وشُجاعة. وفي "رسائل إلى صديق ألماني" التي كَتبها كامو في فترة الحرب والمُقاوَمة ضدّ الاحتلال النازيّ، نحن نجد، كما يقول رونالد موريسون في كِتابه، "صورة كامو المفكِّر الأخلاقي السياسي في المُمارَسة العمليّة". وقد كُتبت هذه الرسائل بأسلوبٍ فيه نغمة أخلاقيّة عالية إذ إنّه يردّ سقوط فرنسا إلى "ميزة فرنسا الأخلاقيّة" قائلاً: "لقد خسرنا الحرب بسبب شكوكنا إزاء جدوى العنف والقتل، الأمر الذي سيدعم الآن قوّتنا المعنويّة ويهُيّئ لنا أيادي طاهرة للمَعارك القادمة".

سارتر وكامو والعواصف الهوجاء

بعد نهاية الحرب الكَونيّة الثانية، وسقوط النازيّة في ألمانيا، والفاشيّة في إيطاليا، ستأخذ العلاقة بين سارتر وكامو مُنعرجاً جديداً. وسيكون للأحداث الكبيرة التي برزت في الفترة التي أعقبت الحرب، مثل الحرب الباردة والستالينيّة، وحرب الجزائر، وسقوط الإمبراطوريّات الاستعماريّة، والالتزام في مجال الفكر والأدب، وغير ذلك، انعكاسٌ أساسي على هذه العلاقة التي بدأت هادئة ثمّ لم تلبث أن شهدت عواصف هوجاء ومَعارك شرسة. ونقطة التحوُّل في علاقة سارتر بكامو بدأت في نهايات العام 1949. ففي منتصف شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من ذلك العام، وأثناء حفل حضره عددٌ كبير من المثقّفين الفرنسيّين اللّامعين، هاجَم كامو الفيلسوف مارلو- بونتي بسبب مقال كَتبه هذا الأخير تحت عنوان "البورجوازي والبروليتاري" واتّهمه فيه، وهو سيّئ المزاج، بـ "تبرير" المُحاكمات التي أقامتها موسكو ضدّ المُعارضين لحُكم ستالين. ودافعَ مارلو بونتي عن نفسه، وعاضده سارتر في ذلك. عندئذ انزعج كامو، واندفع إلى الشارع وهو ينفخ غاضباً. وبعد هذه الحادثة، ازداد كامو عنفاً ضدّ الشيوعيّة، وكرهاً لها. وقد كتبَ يقول إنّ "قبول الماركسيّة باعتبارها فلسفة مُطلَقة يُعادِل إجازة القتل". وفي مكانٍ آخر، كتبَ يقول: "بحسب المنظور الماركسي، فإنّ مائة ألف جثّة لا تساوي شيئاً إذا كان ثمن السعادة مئات الملايين". ويعلِّق رونالد موريسون على رفض كامو للعنف قائلاً: "إنّ كامو الذي جعل من استخدام السلاح النووي والعنف الماركسي قضيّة أساسيّة نراه الآن لا يكاد يشير إلى العنف الذي تمارسه الحكومة الفرنسيّة سواء ما وراء البحار، أم داخل البلاد. وبينما بذل قدراً هائلاً من طاقته ليُحلِّل ويُفنِّد ما رآه عُنفاً مُتأصِّلاً في الشيوعيّة، بخاصّة العنف هناك في الاتّحاد السوفياتي، هو يُحاول أن يقنع بالنزر اليسير من التعليقات النقديّة بشأن العنف الحكومي المنظَّم، مُشيراً فقط إلى مَظاهر الإفراط في العنف حين وقعت هنا في فرنسا. ونعرف أنّه على مدى السنوات التالية من حياة كامو، غرقت فرنسا في حروب استعماريّة. كيف يتأتّى إذن لكامو أن يقول إنّ الماركسيّة تُعادِل القتل بينما الرأسماليّة أو الاستعمار ليسا كذلك؟". وردّاً على كامو، كتبَ سارتر يقول إنّه قد يكون صحيحاً أنّ استخدام العنف ضدّ العنف لا يؤدّي إلّا إلى استمرار العنف، ولكنْ على الرّغم من هذا كلّه، فإنّ العنف قد يكون الوسيلة الوحيدة لإنهاء العنف. وربّما ليزيد في تعميق الهوّة بينه وبين كامو، وصفَ سارتر الحريّة في ظلّ الرأسماليّة بأنّها "خداع" ذلك لأنّ العمّال لا يملكون حريّة اقتصاديّة حقيقيّة. لذا لا بدّ من المُطالَبة بأن يتحرَّروا من الحاجة، وأن يكونوا بشراً بالمعنى الحقيقى للكلمة.

بعد الغزو الأميركي لكوريا في العام 1950 اشتدّت الحرب الباردة بين المُعسكرَين الاشتراكي والرأسمالي، وبدأت علامات القطيعة بين سارتر وكامو تظهر في الأُفق. ففي مطلع الخمسينيّات، أَصدر كامو كِتابه الفلسفي المهمّ: "الإنسان المُتمرِّد" وفيه صادقَ على أنّ التمرّد نقطة انطلاق حيويّة. غير أنّه رفضَ الحلول الطوباويّة والإيمان بأنّ التاريخ هو جماع سياق الخبرة البشريّة. كما أنّه انتقد إضفاء طابع شمولي على السياسة، مؤكّداً أنّ الحياة يتعيّن أن نعيشها في الحاضر وفي العالَم الحسّي. في الآن نفسه، يستكشف كامو تاريخ الحركات الأدبيّة والثقافيّة العدميّة وما بعد الدينيّة، ويُهاجم العنف السياسي. ويختم الكِتاب بتوضيح الدَّور الميتافيزيقي للفنّ وأيضاً للسياسة الراديكاليّة المُدرِكة لحدودها الذاتيّة. وفي الوقت الذي كان فيه كامو مُنشغلاً بكِتابه "الإنسان المُتمرِّد"، كان سارتر يقترب أكثر فأكثر من الشيوعيّين، ومن الأوساط اليساريّة بصفة عامّة. وفي كِتابه "ما الأدب؟" عبَّر عن مَوقفه من الالتزام، وأكَّد أنّ على المُبدِع أن يكون مُلتزِماً بقضايا عصره، وبقضايا المقهورين، والمُعذَّبين، بصفة خاصّة. وفي العديد من المقالات، دافعَ سارتر عن لجوء العمّال والأحزاب السياسيّة الثوريّة إلى العنف مُعتبراً أنّ ذلك أمرٌ مشروع. وقد كتبَ يقول في هذا الشأن: "ويدّعي الناس أنّ العنف يولد فجأة في لحظة الشغب أو الإضراب. أبداً إنّه يطفو إلى العلن في لحظات الأزمات. هذا كلّ ما في الأمر. انعكس وضع التناقض: العامل الوديع يرفض ما هو إنساني في داخله. والعامل المتمرِّد يرفض ما هو غير إنساني. وهذا الرفض هو إنسانيّته. إنّه يتضمَّن مَطلباً ملحّاً من أجل عدالة جديدة".

عندما ازدادت مَعارِك سارتر وكامو حماوةً

بعد صدور"الإنسان المُتمرِّد"، ظهرت مقالات عدّة تُهاجِم صاحبه وتنتقد بشدّة ما ورد فيه من أفكار وأطروحات وآراء. وأغلب كُتّاب هذه المقالات كانوا من اليساريّين، ومن المُقرّبين من سارتر ومن السورياليّين الذين كان يتزعّمهم أندريه بروتون الذي كتبَ يقول: "ما هذا الشبح المسمّى تمرُّداً والذي يُحاول كامو الوثوق به، ويحتمي وراءه، ويُسوِّغ تمرُّداً هو عنده مَدخل "الاعتدال"؟ ما الذي يتبقّى من التمرُّد بعد أن نُفرغه من جوهره الانفعالي.. لا ريب عندي أنّ كثيرين سوف يخدعهم هذا الدهاء. فهذا أسلوب تُبقي فيه على الكلمة بعد أن تُفرغها من مضمونها ذاته". غير أنّ الهجوم الأشدّ حدّة جاء من واحدٍ من عُشّاق سيمون دو بوفوار الأميركيّ نيلسون ألغرين، الذي كتبَ مقالةً في مجلّة "الأزمنة الحديثة" ينتقد فيها "سلبيّة" كامو، وانسلاخه عن التاريخ، وعدم إدراكه للقيمة الحقيقيّة للبنى التحتيّة كما وضّحها كارل ماركس. بعد أن قرأ هذه المقالة، ثارت ثائرة كامو، مُعتبِراً أنّ الهدف الحقيقي لصاحبه، ولمَن يقف وراءه - وهذا تلميح لسارتر- هو "تشويه أفكاره". وفي رسالة جافّة اللّهجة بعث بها إلى سارتر، طالَب بتوضيحاتٍ عن محتوى المقالة، وعن صاحبها وكتبَ يقول: "أخيراً لا أحد سوى مجلّتكم سيُراوده التفكير في الطعن بالدعوى بأنّه إذا كان ثمّة تطوّر قد حدث من رواية "الغريب" إلى "الطاعون"، فإنّ هذا التطوّر مضى في طريق التضامُن والمُشارَكة. وأنّ الزّعم بغير هذا كذب، وحلم خيال، لكن كيف يتسنّى للمرء أن يعمل على نحوٍ مختلف إذا كان عليه أن يُثبت في منافاة لكلّ الشواهد والبيّنات، أنّني مُنفصل عن الواقع والتاريخ؟". وقد ردّ سارتر على رسالة كامو قائلاً: "عزيزى كامو.. كم من المؤسف أن تضعني عن عمد أمام مُحاكَمة وبمثل هذه اللّهجة القبيحة حتّى أصبحتُ عاجزاً عن الاستمرار في التزام الصمت من دون أن أفقد ماء وجهي. لذلك سوف أجيبك من دون غضب - ولكنْ في إسهاب لأوّل مرّة منذ عرفتك -، إنّ جمْعكَ بين تصوّرات كئيبة هو مَوقف هشّ حال دائماً بينكَ وبين الناس، وبين اطّلاعك على الحقيقة من دون تجميل أو مُوارَبة. والنتيجة أنّك أصبحتَ ضحيّة زهو أخرق، يخفي مُشكلاتكَ التي تطوي عليها صدرك، والتي أظنّ أنّك تسمّيها اعتدالاً متوسّطيّاً؛ وهذا ما سوف يقوله لك شخص ما إنْ عاجلاً أم آجلاً. ولن يختلف عمّا قد أقوله بنفسي. ولكن لا تخف... لن أحاول تلوين صورتكَ، مثلما أنّني لا أريد أن أتعرّض لما أضفته من تأنيبٍ مجّاني على شخص جونسون (هو الذي كَتب المقالة ضدّ كامو)، سوف أتحدّث عن رسالتك وعنها فقط، من خلال بعض الإشارات إلى كِتابكَ إذا اقتضت الضرورة ذلك".

على مدى سنوات طويلة، تواصَلت المَعارِك حاميةً بين سارتر وكامو وكانت الهوّة بينهما تزداد عُمقاً يوماً بعد يوم. وازدادت هذه المَعارك حدّة عند اندلاع الحرب التحريريّة الجزائريّة. فقد وقفَ سارتر مُدافِعاً عن استقلال الجزائر. أمّا كامو فقد كتبَ يقول: "إنّني أؤمن بالعدالة. ولكنّني سأُدافع عن أمّي قبل دفاعي عن العدالة". وموضحاً أكثر فكرته هذه، صرَّح عند تسلّمه جائزة نوبل للآداب في العام 1958 قائلاً: "إنّني أؤمن بجزائر عادلة يعيش فيها الشعبان الفرنسي والجزائري في سلام وتكافؤ"... وعندما مات كامو في حادث سيّارة عبثي، وذلك يوم 4 كانون الثاني (يناير) 1960، أبَّنه سارتر. وفي البداية تحدَّث بشكلٍ مُبالغ فيه عن صمته بشأن الجزائر. وعبَّر عن احترامه لأفكاره وشخصه. وقال إنّه كان من بين الذين "أحبّوا كامو"، وأنّ الصراعات والنزاعات التي اندلعت بينهما كانت مجرّد وسيلة أخرى للعيش معاً من دون أن يغيب أحدهما عن أنظار الآخر في هذا العالَم الصغير المُعطى لهما.

حسّونة المصباحي/ كاتب من تونس
مؤسسة الفكر العربي

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة