فورين أفيرز: فيروس كورونا المستجد أنهى العولمة وكشف عن ضعف أمريكا

مارس 18, 2020

هل سينهي فيروس كورونا المستجد العولمة كما نعرفها؟
يرى البرفسور هنري فاريل أستاذ العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن، وأبراهام نيومان المحاضر جامعة جورج تاون، أن الأزمة الحالية تكشف عن نقاط ضعف في السوق لم يكن يعرف أحد أنها موجودة.
ويقولان إن فيروس كورونا المستجد يتشكل بطريقة ستكون امتحانا قويا للعولمة، ففي الوقت الذي تتحطم في سلاسل الإمدادات وتحاول فيه الدول توفير المواد الطبية والحد من السفر فإن الأزمة تدفع على إعادة النظر في الاقتصاد العالمي المترابط. فلم تسمح العولمة فقط بانتشار المرض المعدي ولكنها قوت حالة من الاعتماد المتبادل بين الشركات والدول بشكل جعلها عرضة للصدمات غير المتوقعة.
وتكتشف الشركات والدول اليوم مكامن الخطر التي تعاني منها. ولكن الدرس الحقيقي من وباء كورونا لا علاقة له بفشل العولمة بل كونها هشة رغم منافعها.
الأزمة تدفع على إعادة النظر في الاقتصاد العالمي المترابط
فعلى مدى عقود أدت جهود الشركات المستمرة للتخلص من الفائض إلى توليد ثروة غير مسبوقة. ولكن هذه الجهود خفضت من حجم المصادر غير المستخدمة. ففي الأوقات العادية تنظر الشركات إلى هذه المصادر على أنها ضائعة. ولكن وجود موارد غير مستخدمة بكمية كبيرة تجعل النظام هشا في وقت الأزمة. وفي غياب خيارات إنتاجية آمنة فهذا يؤدي إلى تحطم سلاسل الإمداد كما هو الحال في بعض قطاعات الصحة نتيجة لفيروس كورونا. ويتعرض منتجو الإمدادات الطبية لضغوط بسبب زيادة الطلب العالمي مما أدى إلى تنافس الدول فيما بينها على المصادر.
وكانت النتيجة هي تحول في ديناميات القوة بين الاقتصاديات العالمية الكبرى بين تلك التي كانت مستعدة لمواجهة الفيروس من خلال حشد المصادر لأنفسهم أو مساعدة من ليس لديهم وتوسيع تأثيرها على الساحة الدولية نتيجة لذلك. وطالما وصفت العولمة بأنها أدت إلى انتعاش السوق العالمي وسمحت لأصحاب الصناعات ببناء شبكات إمداد مرنة، عبر استبدال مزود أو مكون بآخر حالة اقتضت الحاجة.
وفي كتاب أدم سميث “ثروة الأمم” فقد تكونت ثروات العالم من خلال استفادة التجارة من التوزيع المعولم للأدوار في العمل. فالتخصص أنتج الفعالية التي قادت إلى النمو. ولكن العولمة أدت إلى تبعية متبادلة معقدة. فالشركات التي تبنت شبكات الإمداد العالمية أدت إلى شبكة معقدة من شبكات الإنتاج التي ربطت الاقتصاد العالمي معا، مما سهل إنتاج مكونات منتج معين في عدد من الدول. إلا أن التحرك باتجاه التخصص جعل من عملية الاستبدال أمرا صعبا في بعض الأحيان، خاصة في بعض المهارات أو المنتجات. ومع تحول الإنتاج إلى مستوى عالمي أصبحت الدول مترابطة نتيجة لذلك، لأنه لم يعد باستطاعة دولة بعينها السيطرة على كل البضائع والمكونات التي يحتاجها اقتصادها. ونتيجة لهذا اندرجت الاقتصاديات الوطنية في شبكات التزويد العالمية.
إلا أن انتشار المرض الناجم عن فيروس كورونا كشف عن هشاشة هذا النظام المعولم. فقطاعات معينة من الاقتصاد خاصة تلك التي تملك وفرة كاملة كان لديها القدرة على تجاوز الأزمة بشكل جيد نسبيا. أما الأخرى فربما عانت من إمكانية الانهيار لو منع الوباء دولة واحدة من إنتاج مكون حيوي يستخدم في منتج. فمثلا عبرت شركات تصنيع السيارات في أوروبا عن مخاوفها من نقص الإلكترونيات الصغيرة لأن شركة صناعة مثل إم تي إي أدفانسد أوتوموتيف سليوشنز أجبرت على تعليق الإنتاج في واحد من مصانعها في إيطاليا. وفي زمن آخر كان المصنعون يقومون ببناء مخازن من الإمدادات لحماية أنفسهم في ساعة كهذه. لكن في عصر العولمة، فإن الكثير من التجارات تتبع مقولة تيم كوك، رئيس شركة أبل، من أن التخزين “هو بشكل أساسي شر”.
وبدلا من دفع المخازن عن القطع التي تريدها الشركات فإنها تعتمد على شبكات الإمداد في “الوقت المطلوب”، لكن في وسط الوباء العالمي فإن “الوقت المطلوب” قد يكون متأخرا. وبسبب المشاكل التي تواجه شبكات الإمدادات فقد انخفض إنتاج أجهزة الكمبيوتر المحمولة/لابتوب بنسبة 50% في شباط (فبراير). أما الهواتف النقالة فسينخفض إنتاجها في الربعية المقبلة إلى 12%. ويتم إنتاج البضاعتين بمكونات منتجة من شركات آسيوية متخصصة.
ويقول الباحثان إن المصاعب التي تواجه مصنعي الإلكترونيات تعرقل أيضا الكفاح ضد فيروس كورونا. فالإمدادات الطبية الحيوية مثل الكواشف وهي مكونات رئيسية في معدات الفحص والتي تستخدمها المختبرات للكشف عن فيروس “أر أن إي” في تناقص من مخزون الكثير من الدول. وتسيطر على إنتاج هذه الكواشف شركتان: الشركة الهولندية “أوياجين” التي اشترتها الشركة الأمريكية ثيرمو فيشر سيانتيفك، وروتش لابوراتيرز السويسرية. ولم تكن الشركتان قادرتين على تلبية الطلب المتزايد. وكان النقص سببا في نقص معدات الفحص في الولايات المتحدة والتي وجدت نفسها متأخرة عن بقية الدول في شراء المواد الكيماوية التي تحتاجها.
ومع انتشار الفيروس تجد الحكومات نفسها في وضع سيئ، وحتى قبل انتشار كوفيد- 19 كانت الشركات الصينية تنتج نصف الأقنعة الطبية في العالم. وزادت الشركات من قدراتها الإنتاجية بسبب الأزمة ولكن الحكومة الصينية اشترت كل المنتجات من الأقنعة الطبية في وقت صدرت فيه بعض الأقنعة وأجهزة التنفس إلى الخارج. وكانت الصين بحاجة إليها، ولكن شراءها أدى لعرقلة رد بقية الدول على المرض.
الحكومة الصينية اشترت كل المنتجات من الأقنعة الطبية ولكن شراءها أدى لعرقلة رد بقية الدول على المرض
ولم يكن الوضع أحسن للدول الأوروبية، ومنعت روسيا وتركيا تصدير الأقنعة الطبية وأجهزة التنفس. وفعلت ألمانيا نفس الشيء رغم أنها عضو في الاتحاد الأوروبي الذي يمثل “سوقا واحدة” بتجارة حرة لا قيود عليها بين الدول الأعضاء. وقامت الحكومة الفرنسية بعمل بسيط وهو السيطرة على كل الأقنعة الطبية.
واشتكى المسؤولون الأوروبيون من أن تحركات كهذه تضعف التضامن وتمنع دول الاتحاد من تبني إستراتيجية موحدة ضد الفيروس. وتم تجاهل كلامهم. ومن هنا فسياسة إفقار الجار هددت بتصعيد وتعميق الأزمة وخنقت سلاسل الإمدادات العالمية من المواد الطبية الطارئة. وكانت المشكلة أصعب بالنسبة للولايات المتحدة التي تأخرت في تبني رد قوي على الوباء وكان لديها نقص في العديد من المعدات الطبية التي تحتاجها.
ولدى الولايات المتحدة مخزون من الأقنعة الطبية لكن لم يتم تجديده منذ عام 2009 ولا يحتوي إلا على جزء من الاحتياجات التي تريدها. ولم يكن مستغربا أن يستخدم مستشار دونالد ترامب للتجارة بيتر نافارو هذا النقص وغيره وتهديده الحلفاء وتبريره الخروج من اتفاقيات تجارية دولية. وقال إن الولايات المتحدة بحاجة لجلب القدرات الإنتاجية وسلاسل الإمدادات الضرورية للدواء. ولهذا عبرت ألمانيا عن خوفها من محاولة إدارة ترامب شراء لقاح تحت التطوير لمواجهة المرض من الشركة الألمانية واستخدامه في أمريكا. وتفكر بريطانيا بتقديم عطاء مضاد أو منع الولايات المتحدة من توقيع عقد.
وفي الوقت الذي استخدمت فيه إدارة ترامب الأزمة للخروج من الإندماج الدولي، استخدمت الصين الأزمة لإظهار قدرتها على القيادة العالمية. وعانت الصين كأول بلد يضربه الفيروس من ثلاثة أشهر صعبة ولكنها الآن تتعافى في وقت يواجه فيه بقية العالم الوباء. وهذا يمثل مشكلة للشركات الصينية التي عادت للإنتاج ولكنها قد تجد أن الطلب على منتجاتها سيكون قليلا من الدول التي تواجه الوباء. ورغم الأخطاء التي ارتكبتها الصين في البداية وأدت لوفاة آلاف الأشخاص إلا أن الصين تعلمت كيف تواجه الفيروس الجديد خاصة أن لديها مخزونا كبيرا من المعدات ونشرتها واستخدمتها بمهارة.
وفي بداية آذار (مارس) طلبت إيطاليا من دول الاتحاد الأوروبي معدات طبية طارئة لأن النقص في المعدات جعل الأطباء يتخذون قرارات مؤلمة حول المريض الذي يجب إنقاذه، ولم يرد أي بلد عليها. ولكن الصين سارعت لمساعدتها وعرضت بيع معدات التنفس والأقنعة الطبيعة وبدلات وقاية.
وكما قال الخبيران الطبيان راش دوشي وجوليان غوريتز فقد حاولت الصين تصوير نفسها كقائد عالمي يقاتل ضد فيروس كورونا المستجد وتقديم بادرة حسن نية وتوسيع تأثيرها. وهذا يمثل وضعا محرجا لإدارة ترامب التي كانت بطيئة في ردها على الفيروس والتي اعتقدت أن منع المسافرين من أوروبا هو الحل الوحيد للدفاع عن نفسها ضد فيروس دخل الأراضي الأمريكية. وبدلا من أن تكون قائدة تنشر حسن النوايا في العالم لم يكن لدى أمريكا إلا كميات صغيرة من المصادر التي يمكنها تقديمها لبقية دول العالم.
وربما حصلت أمريكا نفسها على كرم الصين. وعرض الميلياردير جاك ما مؤسس علي بابا التبرع بـ 500.000 جهاز فحص وملايين الأقنعة الطبية. وفي الوقت الذي يواجه فيه قادة العالم فيروس كورونا فعليهم مواجهة حقيقة أخرى وهي أن الاقتصاد العالمي لا يعمل بالطريقة التي ظنوا أنه يعمل بها. فالعولمة تعني التخصص في العمل والمهام بين الدول، وهو نموذج خلق فاعلية كبيرة ولكنه حمل معه مكامن ضعف.
وكشفت صدمات مثل كوفيد-19 عن هذه المكامن. فمزود واحد في العالم أو مناطق متخصصة بمنتج معين قد تخلق وضعا هشا أو أزمات، مما يعني كسر سلاسل التزويد. وسيتم الكشف عن هذه المكامن في الأشهر المقبلة. وستكون النتيجة تحولا في السياسة العالمية. فالدول التي تحاول حماية مواطنيها قد تقرر منع التصدير أو السيطرة على الإمدادات الحيوية حتى لو عنى هذا الإضرار بالجيران والحلفاء. ومن هنا فالتراجع عن العولمة يعني أن السخاء سيكون أداة قوية لمن يستطيع القيام بها.
وفي الأزمة الحالية لم تكن أمريكا قائدة في مجال الرد الدولي وتخلت على الأقل عن جزء من دورها للصين. ويقوم هذا الوباء بإعادة تشكيل الجيوساسة والعولمة، ولكن الولايات المتحدة لا تتكيف مع الوضع ولكنها مريضة وتختبئ تحت البطانية.

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة