حازم صاغية... إعلام قديم وإعلام جديد: هل نستطيع أن نتوقّع؟


من أوراق قديمة نسبيّاً
في 1974 أسّس الزميل طلال سلمان جريدة "السفير" واختار لها شعاراً جذّاباً: "صوت الذين لا صوت لهم". قبله بـ73 سنة وصف فلاديمير لينين صحيفة "إيسكرا" التي ولدت في 1900 بأنّها "ليست مجرّد دعائيٍّ جماعيّ ومحرّض جماعيّ، بل هي أيضاً مُنظِّم جماعيّ".
فقط قبل عقدين وُضعت تلك الأقوال موضع التنفيذ، لا في موسكو وطبعاً ليس في بيروت. حدث هذا في الولايات المتّحدة، مع الإعلام الاجتماعيّ الذي لبّى الوظائف اللينينيّة جميعاً، فإذا مَن هو بلا صوت صوتُ نفسه إلى سواه، وكذلك المُصوِّر الذي يعمّم ما يلتقط ويختار من صور وفيديوهات.
من دون مال وحزب ومؤسّسة، ولكنْ أيضاً من دون ورق ومطبعة وقسم تصوير ووكلاء توزيع وطائرات شحن ومسؤولي إدارة ومال، بات أيٌّ كان يستطيع أن يراسل العالم. وإذا كانت الصحيفة لا تصدر إلاّ عند الفجر، فهو "يُصدر" ما في نفسه حين يشاء. فإذا أخطأ في معلومة أو تأويل، صحّح فوراً أو استدرك. الجريدة لا تتيح ذلك إلاّ في عدد اليوم التالي على شكل "تصحيح" و"اعتذار".
إذاً مات الوقت: إنّ "عدد" الإعلام الاجتماعيّ (السوشل ميديا) يُجهَّز في أيّ وقت وفي أيّ وقت يُقرأ.
ما لا شكّ فيه أنّ التطوّرات التقنيّة التي أنتجت الإعلام الاجتماعيّ مَكسبٌ صافٍ للحرّيّة والمبادرة. واحدنا هو مُشغّل نفسه وسلطة نفسه. عبارة هيغل الشهيرة عن "مطالعة الصحيفة اليوميّة" بوصفها "صلاة الصباح للإنسان العصريّ" باتت عبارة أرشيفيّة وخبراً عن زمن سابق.
والحقيقة الأولى في هذا المجال أنّنا أمام تطوّر لا يُردّ، كائناً ما كان رأينا فيه. "إيمرسيز"، كبرى شركات التسويق العالميّة المستقلّة، أجرت استقصاء جاء فيه التالي: في 2019 بلغ عدد مَن يستخدمون وسائل التواصل الاجتماعيّ يوميّاً، لهذا الغرض أو ذاك، 3،2 بليون فرد، أو 42 بالمئة من سكّان المعمورة! هؤلاء "يتساوون" هنا بمعزل عن اختلاف بلدانهم وألوانهم وأديانهم وطبقاتهم الاجتماعيّة.
مدعوماً بشقيقه التليفون الذكيّ المحمول، حيث تُقرأ كميّة هائلة من مجموع الموادّ المقروءة، حقّق الإعلام الجديد انتصاراً كاسحاً على سلفه. الانتصار هذا هو ما سمح لدونالد ترامب أن يسمّي الصحافيّين "أعداء الشعب" ويسمّي صحفهم وتلفزيوناتهم مصدر "الأخبار الزائفة". التحقّق ممّا يرد في تغريداته لم يحلْ دون استمراره، غير هيّاب، فيها.
جاي روزن، الكاتب والناقد الأميركيّ، روى قصّة شيّقة عن بؤس الصحافة القديمة: كان الرئيس الأميركيّ حين يزور الخارج يصطحب وفداً من الصحافيّين الأميركيّين، وفي نهاية الزيارة يعقد مؤتمراً صحافيّاً مع الحاكم المُضيف. هناك يوجّه له صحافيّو بلده أسئلة في غاية القسوة تكون بدورها عيّنةً على اشتغال الديمقراطيّة الأميركيّة، وقد تؤثّر كنموذج إيجابيّ في العادات السياسيّة للمُضيفين. مؤخّراً، حين زار ترامب الصين لم يُعقد مثل هذا المؤتمر. الصين لم ترغب. أميركا لم تكترث.
والحال أنّ الانتصار باتت تُلمَس نتائجه في عقر دار الإعلام القديم نفسه: صحف كثيرة تستقي اليوم عناوينها وتبوّبها تبعاً لحجم تداولها في الإعلام الاجتماعيّ. وحتّى لو كانت المادّة كاذبة أو تشهيريّة فإنّ على الصحافة التقليديّة أن تنقلها كخبر يستحيل تجنّبه. الأمر أشبه بـ"الغزو" إذاً.
تطوّرٌ في ضخامة الإعلام الاجتماعيّ لا يقف أثره عند حدّ. في حالة اللغة مثلاً، والعربيّة حصراً، لاحظ المؤرّخ والكاتب اللبنانيّ أحمد بيضون كيف يتولّى التواصل الجديد "جلاء الفصحى عن مناطق المُشافَهة". فوسائله أتاحت "توجّه العموم إلى العموم بلسان العموم"، كما سمحت "باعتماد العاميّة لغةً مكتوبة لكلام كان يُفترض فيه أن يقال مُشافهةً". وعن هذا سوف ينجم نوع من التفاعل يكون "مفيداً للّغة العربيّة ولعلاقتنا بها".
هذا كلّه لا يعفي من إشكالات يثيرها الإعلام الاجتماعيّ، أوّلها يتناول وصف "الاجتماعيّ" ذاته. فهو يطال سهولة التواصل بين الباثّ والمتلقّي والمدى المفتوح لشيوع الكلام. لكنّ علامة استفهام كبرى تلفّ الأحداث التي "تجمعنا" و"نجتمع" حولها وتكون، بالتالي، اجتماعيّة. ذاك أنّ تصنيف أهميّة الأحداث ينبع، والحال هذه، من اعتبارٍ شخصيّ جدّاً تنعدم معه المعايير المشتركة. إنّ "صناعة التاريخ" تغدو هنا سماجة أبويّة بائخة، سيّما وأنّ معظم الموادّ التي تُتَداول لا تقارع القناعات الأصليّة التي يبثّها "الكاتب"، بل تؤيّدها، أو في أحسن الحالات، تعتمد الحياد تجاهها.
وإذا كان انحسار المادّة التي نقرأها "كلّنا" ونناقشها، أكانت جريدة أم مقالة أم نشرة إذاعيّة وتلفزيونيّة، يُضعف النقاش العامّ، فهو يدفعنا أيضاً إلى التساؤل: هل نحن حيال صعود آخر تحقّقه الفرديّة أم حيال انتكاسة عنوانها تذرّر الأفراد؟. أمامنا بضع ظاهرات شهيرة ومقلقة على تفاوت أحجامها، من ظَفَر الشعبويّة إلى "الذئاب المتوحّدة"، فضلاً عمّا يزكّيه التواصل الاجتماعيّ من انكفاء اجتماعيّ، أو من نرجسيّة يتلذّذ صاحبها بما يعتبره آخرون اقتحاماً للخصوصيّات.
وهناك تالياً المسؤوليّة. فحتّى لو استبعدنا سوء النيّة أو الغرض الحزبيّ والسياسيّ، وهو استبعاد مستحيل رغم ادعاءات الموضوعيّة، تبقى الجوانب الإجرائيّة والعمليّة: فكاتب الصحيفة ومقدّم أخبار التلفزيون مُلزَمان بمعايير معيّنة، فيما تُعرض مادّتهما على مسؤول تحرير يضبط معلومة غير دقيقة أو ينبّه إلى ما قد يتعارض مع قوانين مرعيّة... وهذا ما لا يفعله فيسبوك أو تويتر، حيث تزول كلّ رقابة بالمعنى الحَرفيّ. الكاذب والتشهيريّ يمرّان كما يمرّ غيرهما.
وقد يقال أنّ وسائل التحقّق من صحّة مادّة التشهير المنشورة تزايدت أيضاً. بيد أنّ المادّة هذه تكون قد فعلت فعلها، أو معظم فعلها، لا سيّما في البيئة الشعبويّة التي يستهويها الكلام السهل من غير أن تُعنى بالتمحيص والمراجعة. فالشعبويّة تكتفي بحجّة شفويّة بسيطة وتنفر من التركيب والتناقض نفورها من الإطالة، أمّا السياسيّ الشعبويّ فيتغلّب على منافسه بإطلاق الأحكام كيفما اتّفق تاركاً له البراهين "المضجرة". أسوأ من ذلك، تزايُد القدرة على إخفاء الأسماء الفعليّة للكتّاب في الإعلام الاجتماعيّ. وهذا، وفقاً لما رأته الكاتبة الأميركيّة ساندرا نيومن، يقرّب استخدام وسائل التواصل من استخدام الشعوب البدائيّة للأقنعة التي تُخفي الوجه وتحرّر المادّة المبثوثة من كلّ اعتبار، بينما تزوّدها جرعة قوّة سحريّة كالتي يظنّها في نفسه لابس القناع.
يضاف إلى هذا كلّه القانون. فالقوانين لا تزال تلهث للّحاق بالإعلام الجديد. بلدانٌ كأستراليا وكندا وبريطانيا وسواها تقدّمت في معاقبة أصحاب خطاب الكراهية والإرهاب وفي حماية الصغار من البورنوغرافيا. بلد كألمانيا فرض عقوبات مشدّدة. وثمّة مشكلات لا حصر لها اليوم بين الحكومات الأوروبيّة وأقطاب الإنترنت كـ"غوغل" و"فيسبوك" وسواهما. وبدورهم، بات الأخيرون يفرضون "تنظيماً ذاتيّاً" يتعهّدون التزامه بلا انقطاع، من دون أن يتراجع مُتّهِموهم بالعشوائيّة والانتقائيّة، كما بالتجاوز على الحرّيّات.
وعلى العموم، فالتحرّكات الرسميّة وغير الرسميّة لم تحقّق، رغم ذاك الضجيج، إلاّ نجاحات متواضعة يزيدها تواضعاً المعارضة التي تبديها الصناعات التقنيّة وشركات الميديا وبعض القانونيّين، خصوصاً لجهة المساس بالحرّيّة الفرديّة، وبالأخصّ في الولايات المتّحدة.
لقد أعادنا المحلّل الألمانيّ – الأميركيّ ياشكا مونك إلى سنوات قليلة خلتْ ظُنّ فيها أنّ صعود الإنترنت والإعلام الاجتماعيّ سيؤثّر إيجاباً على الثقافة والنظام السياسيّين. استشهد بلاري دايموند، الكاتب الأميركيّ المتحمّس للديمقراطيّة، الذي كتب عن "تكنولوجيا التحرير" في تلاعُب ضمنيّ على تعبير "لاهوت التحرير". دايموند جادل بأنّ الأدوات الرقميّة الجديدة ستمكّن "المواطنين من نقل الأخبار، وكشف الأفعال الخاطئة، والتعبير عن آرائهم، وتعبئة الاحتجاج، ومراقبة الانتخابات، والتدقيق في أعمال الحكومة، وتعميق المشاركة وتوسيع آفاق الحرّيّة". مقالته التي نُشرت في 2010 سريعاً ما وجدت مِصداقها في الثورات العربيّة. خمسة بلدان انفجرت ضدّ حكّامها، ووسائل التواصل حضرت فيها كلّها ولو بتفاوت. تنظيم التجمّعات وفوريّة التقاط صور الإعتداءات وتعميمها وتبادل الآراء، حملت نيكولاس كريستوف على أن يكتب في "نيويورك تايمز" عن "عصابات الحكومات التي تطلق الرصاص" مقابل "مقاومة الشبّان الذين يطلقون التغريدات". نحن إذاً حيال "قوّة التنظيم دون تنظيمات" كما قال عنوان لكتاب متفائل صدر حينذاك. خالد سعيد ووائل غنيم كانا اسمين صارخين في تمثيل هاتين العلاقة والمرحلة.
لكنْ بينما كانت الثورات تتخبّط في مواجهة القمع الرسميّ والانقسامات الأهليّة، من غير أن يسعفها الإعلام الاجتماعيّ، أو أيّ إعلام آخر، إذا بدونالد ترامب يصل إلى البيت الأبيض حاملاً تويتره. تلك كانت الصدمة الكبرى. لقد ضُربنا من بيت أبينا.
التجارب التي تلاحقت دلّت على أنّ قدرة الشعبويّين على استخدام الإعلام الاجتماعيّ أكبر من قدرة الديمقراطيّين وأنجح. في مقالته المذكورة، توقّف ياشكا مونك عند إخفاقات الديمقراطيّة التمثيليّة التي شجّعت الإعلام الاجتماعيّ وسهّلت استثماره شعبويّاً. فـ"التصويت" اليوميّ، بـ"اللايك" و"الشير"، يجعل العمليّة الانتخابيّة واستجابة المؤسّسات لها تبدوان بطيئتين ومترهّلتين، ومعقّدتين أيضاً. ثمّ إنّ الديمقراطيّة كانت تُلهب المخيّلات حين كانت الأنظمة المطلقة لا تزال طريّة في الذاكرة وكان تهديدها لا يزال قائماً. هذا زال، أقلّه في المجتمعات الغربيّة. كذلك زاد التجرّوء على إعاقات الديمقراطيّة ونواقصها، كمجلس اللوردات البريطانيّ، أو دور المال المتعاظم في سائر الديمقراطيّات، فيما تراجع الخوف على تأثّرها هي نفسها بذلك. فوق هذا، إذا كانت إحدى صعوبات الرجوع إلى الديمقراطيّة الأثينيّة المباشرة أنّ الناخبين اليوم لن يقطعوا 500 ميل كي ينتخبوا، ولن يجدوا مكاناً يجتمعون كلّهم فيه، حسبما قال مرّةً جون أدامز أحد "الآباء المؤسّسين" لأميركا، فإنّ الإعلام الاجتماعيّ يوفّر الساحة الافتراضيّة التي تُغني عن الساحة الماديّة. إذاً فلتكن ديمقراطيّة مباشرة بأدوات أخرى.
لقائل أن يقول إنّ الإعلام الاجتماعيّ، الذي تفوّق الشعبويّون في استخدامه، قابل للاستخدام في اتّجاه آخر يعزّز الديمقراطيّة. فهو بذاته ليس صاحب هويّة مغلقة ومطلقة، إلاّ أنّ استخدامه البديل مرهون بتحوّلات تقع خارجه، في السياسة والاقتصاد والثقافة، وتنعكس تالياً عليه. والسؤال الأكبر هنا: هل يمكن جعل الحياة السياسيّة نفسها أسرع استجابةً لمطالب الناس وأعرض نطاقاً في تمثيلهم، خصوصاً متى آلت تجارب الحكّام الشعبويّين إلى فشل واضح؟ والسؤال هذا يلد سؤالاً آخر: كيف يمكن ذلك في ظلّ فقدان الدولة الكثير من وظائفها الاقتصاديّة والخدميّة التي تربط بها مواطنيها وتؤثّر فيهم؟
في العالم العربيّ سبق أن رأينا كيف تتوازى مراحل تاريخيّة كبرى مع تطوّرات إعلاميّة كبرى: الراديو واكبَ الاستقلالات، والترانزيستور رافقَ الناصريّة والانقلابات، والتلفزيون كان توأم الانتفاضة الفلسطينيّة الأولى ثمّ حرب تحرير الكويت، والصحون اللاقطة لازمت فقدان الأنظمة غير الديمقراطيّة وإعلامها كلّ مصداقيّة. لكنّ اجتياح الإعلام الاجتماعيّ يبدو جزءاً من اجتياح "الجديد" الغامض والمتناقض الذي تنتجه التقنيّة والاجتماع معاً، على الأصعدة جميعاً وبسرعة وكثرة لا سابق لهما في التاريخ كلّه. إنّهما السرعة والكثرة اللتان أقلقتا الشاعر اللبنانيّ حسن العبد الله فدعا ساخراً إلى "إغلاق باب الاجتهاد" في هذه الابتكارات الجديدة. ومن يدري، فربّما لم يتبقّ لنا حيال هذا التعادل الذي يصعب الحسم فيه، ويصعب علينا خصوصاً، إلاّ الاعتصام بعبارة "والله أعلم".

تعليقات