نظرية المؤامرة ومقالة الدكتور مظهر محمد صالح


ما أن بدأ هذا الوباء حتى بدأت نظرية المؤامرة بالظهور بقوة، وهو مفهوم سياسي وثقافي يطلق عليه بالإنجليزية "كونسبيرولوجي"، بالنسبة لي هو شكل من أشكال العبثية في فرض سياقات مختلفة على بعضها البعض، لإنتاج حكاية عدوانية في مجملها ولا عقلانية في حقيقتها، فهي تسخر من روح التنوير، وتسخر من الموقف العقلاني والإيجابي للتاريخ والسياسة والثقافة والفن. آخرها مقالة نشرها الدكتور مظهر محمد صالح في الحوار المتمدن بعنوان "المالثوسية والفائض الاقتصادي العالمي :من حرب العملات إلى الحرب التجارية"، وكما يبدو أن نظرية المؤامرة لا تخص الجهلة فقط إنما العلماء أيضا، وهو عالم محترم تابعته في كل ما كتب واستغربت من مقالته هذه، لأنها هي الأخطر، فخلط الوقائع ذات الكفاءة العلمية وبجهاز مفاهيمي دقيق مع رؤى خيالية وفنطازية، كما فعل الدكتور مظهر في هذه المقالة أو كما يفعل الكاتب الفرنسي تيري مسن، هو أخطر من تخيلات العامة المبنية على الكراهية والعنصرية والطائفية ولكن تتوحد النظرتان على الايمان بوجود مؤامرة ترعاها قوى غامضة وقوية، وتسهر عليها منظمات سرية، لها "اليد الخفية" وتعمل من "وراء الكواليس"، وهي التي تتحكم بشكل غير مرئي في مجرى التاريخ وإخضاع الشعوب والدول لإرادة الشر المتمثلة في "الأسياد السريين"، وهذه الفكرة الناشزة والعنصرية كانت موجودة دائماً في تاريخ الإنسانية، فلاهوت المؤامرة الحديثة يستمد قوته من الفكرة الأبدية للأساطير حول "قوى الظلام"، حول "مكائد الشيطان"، عن "حيل الشيطان وخدامه"، والتي كانت ولا تزال جزءاً مهماً وضرورياً من جميع أديان العالم.
لفت انتباهي في مقالة الدكتور مظهر التركيز على المالتوسية، ونظرية مالتوس لمن لا يعرف تقوم على فكرة أن الزيادة السكانية تؤدي إلى نقص في الموارد، وأن الطريقة الصحيحة هو ترك السكان ولا سيما الفقراء للموت عن طريق الأوبئة والحروب لإدامة الجماعة القادرة على العيش، ولكن الخطأ التاريخي يأتي من هنا. لا أقول لا وجود لمن يؤمن بالمالتوسية في أميركا ولكن كسياسة اقتصادية وثقافية أميركية منذ أمد بعيد كانت قائمة على معارضة المالتوسية، والمصلح الأميركي هنري جورج أصدر كتابه التقدم والفقر في العام 1879 وفيه نقد شديد لنظرية مالتوس، يقول فيه "إن الفرق بين الحيوان والبشر، هو أن كلا من صقر جاي والبشر يأكلان الدجاج، ولكن كلما زاد صقر جاي كلما قل عدد الدجاج، كلما زاد عدد البشر زاد عدد الدجاج". يسمي روبرت زوبرن وهو عالم فضاء وفيلسوف مقرب من الإدارة الأميركية في كتابه "أعداء الإنسانية" إن النبي المؤسس لمعاداة الإنسانية الحديثة هو توماس مالتوس (1766-1834)". فقد عمل مالتوس لمدة ثلاثة عقود، أستاذاً في كلية إيست إنديا التابعة لشركة الهند الشرقية البريطانية، وكان اقتصادياً سياسياً جادل بشكل مشهور بأن التكاثر البشري يفوق دائماً الموارد المتاحة.
في الواقع تاريخيا قد ساعد هذا المذهب على تجويع الملايين من الناس، وكان مالتوس في خدمة سياسة الراج في القمع الوحشي للفلاحين في شبه القارة الهندية. ومع ذلك، لم تكن الهيلوتس الاستعمارية للإمبراطورية البريطانية أهدافاً وحيدة لمالتوس، فكتابه مبدأ السكان (تم نشره لأول مرة في عام 1798 وتم توسيعه لاحقاً في العديد من الطبعات الإضافية) كان هجوماً مباشراً على ثوار التنوير مثل ويليام جودوين وماركيز دي كوندورسيه الذين قدموا فكرة أن الحرية البشرية، وتوسيع المعرفة، والتقدم التكنولوجي يمكن أن تصنع في النهاية حياة كريمة للبشرية جمعاء.
إلا أن مالتوس على العكس من ذلك وضع سياسات محددة لإبقاء السكان بعدد منخفض من خلال رفع معدل الوفيات، وطالب بمساعدة الطبيعة في رفع عدد الوفيات، كتب في كتابه العبارات التالية (من ترجمتي)، وانظروا كم هي وحشية:
" إذا كنا نخشى من الزيارة المتكررة للمجاعات الرهيبة، فعلينا أن نشجع أشكال الدمار الأخرى، بدلاً من التوصية بالنظافة للفقراء، يجب أن نشجع العادات المعاكسة. يجب أن نجعل الشوارع أضيق، ونجمع المزيد من الناس في المنازل، ونعمل على عودة الطاعون" لقد جادل مالتوس في تشجيع الأمراض، وإدانة الأطباء الذين يحاولون إيجاد علاجات. بالإضافة إلى عمله على خفض أجور العاملين إلى أدنى مستوى.
إلا أن هنري جورج أوضح بشكل لا يقبل الشك أن نظرية مالتوس تكتسب أتباعاً لأنها تبرر "جشع الأغنياء وأنانية الأقوياء"، وبالتالي "كانت مهدئة للغاية ومطمئنة للطبقات التي تمتلك قوة الثروة إلى حد كبير. وكتب جورج: "إن العقيدة المالتوسية تتعارض مع المطالبة بالإصلاح، وتحمي الأنانية من التساؤل ومن الضمير من خلال التدخل بضرورة حتمية...وقد أشار أيضاً إلى مغالطة رئيسية وراء أيديولوجية مالتوس. قال أن البشر ليسوا مجرد مستهلكين إنما هم منتجون أيضاً، وضرب المثل التالي:
لو تم شحن الدببة بدلاً من الرجال من أوروبا إلى قارة أمريكا الشمالية، فلن يكون هناك الآن دببة أكثر مما كانت عليه في زمن كولومبوس... ولكن في حدود الولايات المتحدة وحدها، يوجد الآن خمسة وأربعون مليون رجل حيث لم يكن هناك سوى بضع مئات الآلاف. ومع ذلك، يوجد الآن في ذلك الإقليم قدر أكبر بكثير من الغذاء للفرد لخمسة وأربعين مليوناً مما كان عليه في ذلك الحين لبضعة مئات الآلاف. ليست الزيادة في الطعام هي التي تسببت في زيادة الرجال، ولكن زيادة الرجال هي التي أدت إلى زيادة الطعام. هناك المزيد من الطعام، ببساطة لأن هناك المزيد من الرجال. وهذه العبارات العظيمة من ترجمتي من كتابه الفقر والتقدم.
يشيد روبرت زوبرن العالم الأميركي المقرب من الجمهوريين بالشاب فريدريش إنجلز، الذي اشتهر لاحقاً بأنه مؤلف البيان الشيوعي في العام 1844، إذ سخر إنجلز من عقيدة مالتوس "الخسيسة والشائنة" قبل التركيز على الخداع الأساسي في جوهرها: وهو تجاهلها للإبداع البشري.
الواقع أردت فقط أن ابين بعض الفروق في النظر الى المالتوسية في نظامين سياسيين اقتصاديين مختلفين، حيث يورد ريكاردو ان تشجيع البريطانيين للمالتوسية وذلك لاجتثاث الايرلنديين، ويورد إشارات كثيرة للمجاعة في ايرلندا التي حدثت ذلك الوقت.
إن مشكلة الانسان الحقيقية هي باعتقاده أنه المركز في الطبيعة، لكنه في الواقع حيوان من الحيوانات، أما الطبيعة فلها أجندتها الخاصة، وطالما تفاجئه بفيضانات بأوبئة لترده إلى تضامنه الإنساني والعودة إلى وحدة النوع. وهو ما أمتناه فعلا بعد أن هذا حدث هذا الوباء المهدد للبشرية جميعاً، وأميركا تحديدا.

تعليقات