عاشقة الكلمات ورنينها

مارس 04, 2020



أنطوان جوكي 
حتى عام 2015، كل ما كان متوفّراً من نصوص الشاعرة الروسية مارينا تسفيتاييفا (1892 ــ 1941) خارج لغتها الأم، هو مختارات ضئيلة لا تتجاوز 20 في المئة من إنتاجها. وكان يجب انتظار العام المذكور إذاً، كيّ يتّضح لنا مدى جهلنا حجم وقيمة منجَز هذه العملاقة الشعري، مع إصدار دار «سيرت» السويسرية الترجمة الفرنسية التي وضعتها المترجمة فيرونيك لوسكي لقصائدها الغنائية القصيرة. نصوص تطلّب عددها (1170) وحجمها مجلّدين يقعان في 1760 صفحة. وها هي لوسكي تفاجئنا مرّةً أخرى بإصدارها، عن الدار نفسها، ترجمتها لقصائد تسفيتاييفا الطويلة في مجلد ضخم يتجاوز الـ 1100 صفحة.
مثل شعر معاصرَيها أوسيب ماندلشتام وآنا أخماتوفا، شعر تسفيتاييفا الغنائي هو صرخة طويلة ضد العزلة التي لطالما تبنّت وضعيتها بفخر، لكنها في الواقع اختبرتها كألمٍ حقيقي ومأساوي من العيش من دون مُحاوِرٍ ثابت. إنه أيضاً عبارة عن لقاءٍ بين صوتٍ فريد وأحداث تاريخية كبرى. شعرٌ نستشفّ في بداياته عشقاً للكلمات ورنينها، قبل أن يضطلع التاريخ بمنحه العمق النابض.
وفعلاً، لا يلبث حبّ تسفيتاييفا لزوجها، سيرغي إيفرون، الذي انخرط في الجيش الأبيض الموالي للقيصر، أن يأخذ عام 1921 شكل نشيدٍ طويل موضوعه الانتظار، انتظار الحبيب الغائب الذي يحارب للدفاع عن تاريخ روسيا العريق، كما تشهد على ذلك قصيدتها الشهيرة «ليالي من دون حبيب» (1918)، علماً أن عملها الغنائي الأهم يبقى ديوان «مخيّم البجع» (1917 ــ 1920) الذي لم تنشره وتشكّل قصائده مرثيةً طويلة ومؤثّرة لوطنها الأم ولملحمة الجيش الأبيض ومأساة هزيمته على يد الجيش الأحمر.

مرآة حياتها الصعبة
سواء بمضمونها أو بطريقة كتابتها، تشكّل نصوص تسفيتاييفا القصيرة خير مرآة لحياتها الصعبة ولروحها المعجونة بالحب التي امتزجت، إلى حدٍّ كبير، بروح تلك المرحلة المأساوية من القرن الماضي. قصائد مشبعة أيضاً بتلك الكآبة الروسية الشهيرة التي تسلّطت على الشاعرة وصقلت صوتها بطريقةٍ جعلت مواطنها الشاعر جوزيف برودسكي يقول: «لم يدوِّ صوتٌ أكثر شغفاً من صوتها». ولا شكّ في أن هذا ما يفسّر اختيار المترجمة «شعر غنائي» عنواناً للمجلّدين اللذين يتضمّنان هذه القصائد، فهذه الصفة تلبسها على أفضل وجه، نظراً إلى الانفعال الذي يسكنها ويحرّكها إلى حدٍ تتحوّل فيه إلى رجفاتٍ، انتفاضاتٍ، هجماتٍ مفاجئة، وبالتالي إلى تفريغٍ لطاقة هائلة وجيّاشة. نصوص لا تتطلّب من قارئها سوى أذنٍ مرهفة لتذوّقها وبلوغ الفكر الذي يسير داخلها وثباً من نقطة إلى أخرى، تماماً مثلما عاشت تسفيتاييفا حياتها العاطفية، أي عبر القفز من قصة حب إلى أخرى.
وفي «القصائد الكبرى»، التي واظبت تسفيتاييفا على كتابتها طوال حياتها، وتُعرَف أيضاً بالقصائد السردية أو الفولكلورية، أوّل ما يلفت انتباهنا فيها هو انعدام أي بوحٍ شخصي فيها أو رابط مباشر بينها وبين مُعيش كاتبتها. لكن لماذا الفلكلور؟ لأنه شعر «أولي» بالنسبة إليها («الحكاية، ذاكرتنا القديمة») مبني على سردية أصلية يكرّرها كل شاعر على مرّ العصور، سردية عابرة للزمن والقوميات في مراجعها وموضوعاتها (الحب، الموت، الخير والشرّ، التضحية...) ومغزاها. ولأن الشعر الحقيقي لا يحمل توقيعاً («لا وجود للإرادة الفردية الخلّاقة»، تقول الشاعرة في نصّها «الفن في ضوء الإدراك»)، ما جعلها تضع فوق أي فنّ ذلك الذي، بعدم انتمائه إلى أي شخص، ينتمي إلى الجميع.

حكايات خارقة
هكذا منحت السردية الأسطورية ــ الفولكلورية الحياة لقصائد تسفيتاييفا الطويلة ومدّتها ببنيتها ومعانيها، فتحوّلت كل واحدة من هذه القصائد إلى حكاية خارقة يُروى فيها غزوٌ أو محاولة عزو عالمٍ آخر. لكن ما هي جغرافية هذا العالم؟ من قراءة هذه النصوص، يتبيّن لنا أنه يحافظ مع العالم الواقعي على روابط غامضة ويتشارك وإياه أسماءَ أماكنٍ وأشخاصٍ وأشياء، لكنه يجهل الزمن والتاريخ، ويستقبل داخل فضاء واحد أبطال الأساطير الإغريقية والألمانية والتوراتية. مكانٌ مرئي، ملوّن، حيّ، ملموس ومسموع، تقطنه أجساد وأحاسيس وأشياء مبتذلة، لكن يصعب الإمساك بها لاكتسابها، بانتمائها إلى عالم الروح، قدرة راديكالية على التحوّل.
وفعلاً، نلاحظ في جميع هذه القصائد ترحّلاً كلّياً داخل الحرّية يتشيّد داخله مكانٌ لا مرجع له، فضاءُ حلمٍ ــ لأن لا وجود للحلم إلا عبر سرديته ــ وفضاء كتابةٍ حيث الكلمات هي الطُوب الذي تتشيّد منه الإقامة الممكنة الوحيدة لشاعرة لم تعد سوى «نفْسٍ بلا جسد لكمٍّ من الجسور والأماكن». وبواسطة هذا الرِباط الجديد ــ الإتيمولوجيا الشعرية ــ ابتكرت تسفيتاييفا ذلك العالم الآخر، «الثالث»، حيث تتعايش الكلمات في حالة توتّر ومصادقة، فتتجاوب وتتصادم وتتكامل في ما بينها، مشكِّلةً مسكنها وعاكِسةً مصدراً استيهامياً للغة.
وهذا ما يقودنا إلى البُعد الآخر في قصائدها السردية الطويلة، ونقصد الشفهيّة. فجميع الوسائل المستخدمة فيها (الإضمار، التورية، الترخيم، صِيَغ التعجّب، الإيقاع المحموم، النبرة الحثيثة...) تمنح بيتها الشعري طابع الكلام الذي يتوجّب نطقه عالياً كي يبلغ كل سطوته ودلالاته. ومن هذا المنطلق، تتناسق الكلمات/‏‏‏الأشياء والكلمات/‏‏‏الألوان ضمن نظام إشاراتٍ أدائية، حيث فضاء الحكاية المطقَّس عبارة عن إخراج مسرحي للغز الوجود.
باختصار، قصائد تسفيتاييفا السردية هي مكانُ دمجِ عناصر متنافرة. مسيِّرَةً رؤية غير مجزّأة للعالم تتجاور الأشياء والكائنات فيها بلا تراتبيّة، وتتصالح جميع أنواع الارتقاء الروحي بلا دغماتية. رؤية حرّرت كتابتها الشعرية من قيود الثقافة «الراقية» وأكسبتها مطواعية وسيولة بوضعها في اتّصال حميم بتلك الطاقة البدائية، غير المَصوغة، فتبنّت الإيقاع التعزيمي للغة الشعبية، انحرافاتها النحوية ووقع نبرتها القوي، وابتكرت شعرية الكلمة كعنصر مركزي، صوتي ودلالي معاً، وأعادت تحيين شخصيات الحكايات والأساطير ككائنات فاعلة ومحوِّلة، فاتحةً بذلك المجال لغنائيتها كي تتدفّق وتتمدّد بكل حدّتها وإشراقاتها.

الاتحاد

شارك الموضوع

مواضيع ذات صلة